"فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ " (الأنعام:96).


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع الثلث الثاني من سورة الأنعام‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ ومن طوال السور في القرآن الكريم، إذ يبلغ عدد آياتها ‏165‏ آية بعد آية البسملة،‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود ذكر الأنعام فيها‏,‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة‏,‏ وفي مقدمتها الإيمان بالله ربا‏ًً,‏ وبالإسلام دينا‏ًً,‏ وبخاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبياً ورسولاً‏، والإيمان بحقيقة الوحي‏,‏ وبوحدة رسالة السماء‏، وبحتمية البعث والحساب، وبالخلود في الحياة الآخرة إما في الجنة أبداً، أو في النار أبدا‏ًً .‏

والإيمان بالله‏ ـ تعالى‏ ـ يقتضي توحيده توحيداً مطلقاً فوق كل خلقه‏,‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله ، مثل الادعاء الكاذب له بالشريك، أو الصاحبة، أو الولد ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ـ‏ والإقرار له‏ ـ سبحانه‏ ـ بطلاقة القدرة التي لا تحدها حدود‏,‏ وعظيم السلطان الذي لا ينازعه فيه منازع‏,‏ وبالألوهية والربوببية فوق كل خلقه‏,‏ وبأنه رب هذا الكون ومليكه، والمُتصرِّف فيه وحده ‏.‏
وتبدأ سورة الأنعام بحمد الله‏ ـ‏ تعالى ـ : " ...‏ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ...‏ "
وباستنكار شرك المشركين بالله‏، وقررت عدداً من حقائق الكون في الأنفس والآفاق، مُستدلِّة بها على وجود الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وعلى وحدانيته‏,‏ وطلاقة قدرته‏،‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ له ملك السماوات والأرض‏,‏ ويعلم السر والجهر‏,‏ وماتكسب كل نفس‏ .
وتنعي السورة الكريمة على الكافرين إعراضهم عن آيات الله‏,‏ وتكذيبهم للحق بعد أن جاءهم‏,‏ وتنطعهم في طلب المعجزات الحسية من رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ولذلك تتهددهم الآيات مذكرة إياهم بهلاك الأمم من قبلهم‏,‏ وبحتمية جمعهم إلى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ في يوم لا ريب فيه‏ .‏

وتثبت الآيات رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأن ما لقيه من قومه من تكذيب واستنكار قد لقيه كل الرسل من قبله‏,‏ وأن الكافرين لا يكذِّبونه ولكنهم بآيات الله يجحدون‏,‏ وأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ شهيد بينه وبينهم على صدق ماجاء به‏,‏ وأن القرآن الكريم قد أنزله الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وحياً من عنده إلى خاتم أنبيائه ورسله لينذر به قومه‏,‏ والناس جميعاً إلى يوم الدين‏،‏ وأن أهل الكتاب يعرفون ذلك فيما بقي من كتبهم كما يعرفون أبناءهم‏ .‏
وتذكرهم الآيات بمباغتة الساعة‏,‏ وبأهوال يوم الحشر‏,‏ وبإيقافهم على النار‏,‏ وندمهم على كفرهم ساعة لا ينفع الندم‏,‏ وتذكرهم الآيات بإنكارهم للبعث‏,‏ والله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ يعلم أنهم لو رُدُّوا لعادوا إلى مانُهُوا عنه‏، وتؤكد لهم الآيات أن الحياة الدنيا لعب ولهو‏,‏ وأن الآخرة خير للذين يتقون‏،‏ وتذكرهم بنعم الله عليهم‏,‏ وبأنه قادر على أخذها منهم كما منحها لهم‏,‏ وتتهددهم بالعذاب بغتة أو جهرة‏ .‏
وتطالب الآيات رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليهم وسلم ـ‏ أن يبلغ الكافرين بأنه لا يملك خزائن الله‏,‏ ولا يعلم الغيب‏,‏ وليس بمَلَك‏,‏ بل هو بشر ممن خلق الله‏,‏ لايتبع إلا مايوحى إليه‏,‏ وينذر الذين يخافون أن يُحْشَرُوا إلى ربهم ‏.‏

وتقرر الآيات في سورة الأنعام أن الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله‏,‏ وأنه ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يعلم كل صغيرة وكبيرة‏,‏ وكل حركة وسكنة في الوجود‏,‏ وأن كل ذلك مُدوَّن في اللوح المحفوظ‏،‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يتوفى الأنفس في منامها بالليل‏,‏ ويبعثها في النهار‏,‏ ويعلم ما تكسب كل نفس فيه‏,‏ ويظل الأمر كذلك إلى انتهاء الأجل‏,‏ ثم الرجوع إلى الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ بعد البعث لينبئ كلاً بما عمل في حياته الدنيا ‏.‏
وتنتقل الآيات إلى الحديث عن بعض طبائع النفس الإنسانية‏,‏ وتأمر رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ومن بعده كل المؤمنين بعدم الجلوس في مجلس يتجرأ الحضور فيه على الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ وعلى آياته‏,‏ وتأمر بهجر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً، وغرتهم الحياة الدنيا‏,‏ وتأمر الآيات رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أن يذكر بالقرآن الكريم كل الناس مخافة الهلاك بسوء الأعمال وفساد المعتقدات ‏.‏

وتأمر الآيات بإقامة الصلاة‏,‏ وبتقوى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ في جميع الأحوال؛ لأننا سوف نحشر إليه، فيجازى كلاً بعمله‏,‏ وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق‏,‏ وهو الذي يقول للشيء كن فيكون‏,‏ وهو قوله الحق‏,‏ الذي له الملك في الدنيا والاخرة‏,‏ ويوم الفزع الأكبر‏,‏ يوم ينفخ في الصور، فيخرج الناس من قبورهم كالجراد المنتشر‏,‏ وهو‏ ـ‏ تعالى ـ‏ العليم بكل شيء، ما خفي وماظهر‏,‏ وهو الحكيم في أفعاله‏,‏ الخبير بشئون عباده‏ .‏
وبعد استعراض عدد من الأدلة القاطعة بوحدانية الله‏,‏ وببطلان الشرك وعبادة الأوثان، عرجت إلى جانب من قصة سيدنا إبراهيم‏ ـ‏ على نبينا وعليه من الله السلام ـ وإلى حواره مع أبيه آزر‏,‏ واستنكاره عبادة قومه للأصنام‏,‏ وكيف أراه الله ـ‏ تعالى‏ ـ ملكوت السماوات والأرض‏,‏ وآتاه الحجة على قومه‏,‏ وأكرمه ـ على الكبر ـ بالذرية الصالحة‏,‏ فتأكد له أن الأمن كل الأمن في معية الله‏,‏ وأن الأمن لا يتحقق مع الشرك بالله أبدا‏ًً .‏
وأشارت السورة الكريمة إلى عدد من أنبياء الله غير إبراهيم ـ‏ على نبينا وعليهم أجمعين من الله السلام ـ‏ منهم نوح‏,‏ وإسحاق‏,‏ ويعقوب‏,‏ وداود‏,‏ وسليمان‏,‏ وأيوب‏,‏ ويوسف‏,‏ وموسى‏,‏ وهارون‏,‏ وزكريا‏,‏ ويحيى‏,‏ وعيسى‏,‏ وإلياس‏,‏ وإسماعيل‏,‏ واليسع‏,‏ ويونس‏,‏ ولوط‏ ـ على نبينا وعليهم أجمعين أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ .‏
وأشارت سورة الأنعام إلى تحريف اليهود للتوراة‏,‏ وأكدت أن القرآن الكريم قد تكاملت فيه كل الرسالات السابقة‏،‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ قد أنزله على خاتم الأنبياء والمرسلين؛ لينذر به أهل مكة‏,‏ وأهل الأرض جميعاً من حولها‏ .‏
وتستنكر سورة الأنعام افتراء الكذب على الله‏,‏ أو الادعاء الكاذب من قبل بعض الضالين بتلقي الوحي‏,‏ أو ادعاء القدرة على الإتيان بمثل هذا القرآن‏,‏ وتستعرض حالة هؤلاء الضالين وهم في غمرات الموت‏,‏ وسكراته فتقول‏ :
" .....‏ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غمرات المَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ . وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ "
‏ (‏ الأنعام‏:93, 94) .‏
وتعاود السورة المباركة ضرب عدد من آيات الله في الخلق‏,‏ واستنكار الشرك بالله‏,‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏‏ فتقول‏ :
"‏ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ " 
       ‏(‏ الأنعام‏:101-103) .‏
وتأمر الآيات رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ باتباع ما أوحي إليه من ربه‏,‏ وبالإعراض عن المشركين الذين لم يؤمنوا بوحدانية الخالق العظيم ولو جاءتهم كل آية‏؛‏ وذلك لأن مشاهدة المعجزات الحسية لن تغني من عميت بصائرهم شيئا‏، وتؤكد أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن الكريم حق‏,‏ منزل من الله الخالق‏,‏ وقد تكامل فيه وحي السماء‏ .‏
وتأمر الآيات في سورة الأنعام بالأكل مما ذُكِرَ عليه اسم الله‏,‏ وقد بين الله‏ ـ تعالى‏ ـ الحلال والحرام‏,‏ وأحل الحلال‏,‏ وحرَّم الحرام‏,‏ إلا في حالات الاضطرار‏، وتقرر الفرق الشاسع بين الهداية والضلال‏,‏ وأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ يهدي من يشاء ويضل من يشاء‏ .‏
وتخاطب الآيات كلاً من الجن والإنس بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ لهم يوم القيامة‏ :‏
"
يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ . ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ " ‏(‏ الأنعام‏:130 ,131) .‏
وتنعي آيات سورة الأنعام على الكافرين جرأتهم على التحليل والتحريم بغير ماشرع الله‏,‏ وتتهددهم بأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ : " ...‏ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ "
‏(‏ الأنعام‏:138) .
وأوضحت الآيات أن ماحرم الله‏ ـ تعالى‏ ـ على اليهود من الطعام إنما كان بسبب إفسادهم في الأرض‏,‏ وعصيانهم لأوامر الله‏,‏ وتحريفهم للتوراة‏,‏ وبغيهم على عباد الله‏,‏ وطغيانهم بقتل الأنبياء‏,‏ وأكل الربا‏,‏ واستحلال أموال ودماء وممتلكات الناس بالباطل‏، (‏ تماماً كما يفعل الصهاينة المجرمون على أرض فلسطين اليوم‏),‏ وفي خواتيم السورة المباركة جاءت عدد من وصايا الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ لعباده يقول فيها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " قُلْ تَعَالَوْا
أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (‏ الأنعام‏:151‏ ـ‏153) .‏
وتختتم سورة الأنعام بختام يهز القلوب والعقول معاً، يقول فيه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على لسان خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ :‏
" قُلْ
إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ . قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ . لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ . قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَباًّ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ " ‏         (‏ الأنعام‏:161‏ ـ‏165) .‏
والآيات الكونية التي استشهدت بها سورة الأنعام على صدق ما جاء بها من قضايا‏ آيات عديدة نوجزها فيما يلي ‏:‏
‏(1)‏ خلق السماوات والأرض بالحق ‏.‏
‏(2)‏ جعل الظلمات والنور‏ .‏
‏(3)‏ خلق الإنسان من طين‏ .
‏(4)‏ لله خلق يسكنون بالليل، وخلق يسكنون بالنهار‏ .
‏(5)‏ حقيقة أن كل خلق من خلق الله هو أمة أمثال أمم البشر ‏.
‏(6)‏ التنبؤ بأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ سيفتح على الإنسان من أبواب العلم ما نشهده اليوم ‏.
‏(7)‏ تأكيد حقيقة أن بالكون غيوباً مطلقة لا يعلمها إلا الله‏ .
‏(8)‏ تأكيد حقيقة أن النوم صورة من صور الوفاة‏,‏ وأن اليقظة من النوم صورة من صور البعث بعد الموت‏ .
‏(9)‏ تأكيد ظلمات البر والبحر ، أي أن الظلمة هي الأصل في الكون‏ .
‏(10)‏ الإشارة إلى وسطية موقع مكة المكرمة بالنسبة لليابسة‏ .
‏(11)‏ الإشارة إلى معجزة فلق كلٍ من الحب والنوى لحظة الإنبات ‏.‏
‏(12)‏ الإشارة إلى دوران الأرض حول محورها بتبادل الليل والنهار ‏.
‏(13)‏ تشبيه طلوع الصبح بعد ظلام الليل بفلق النواة لحظة الإنبات‏ .
‏(14)‏ الحكمة من جعل الليل للسكن‏,‏ والنهار للجري وراء المعايش‏ .
‏(15)‏ تأكيد أن الشمس والقمر يجريان بنظام محكم دقيق يُمكِّن من حساب الزمن‏,‏ والتأريخ للأحداث، ولأداء العبادات في أوقاتها‏ .
‏(16)‏ خلق النجوم : ومن فوائدها للإنسان الاهتداء بها في ظلمات البر والبحر ‏.
‏(17)‏ خلق السلالة البشرية كلها من نفس واحدة‏ .
‏(18)‏ إخراج الحب المتراكب على هيئة السنابل من الخضر الذي ينبت في النبات ‏.
‏(19)‏ إخراج القنوان الدانية : وهي العراجين المتدلية من النخل‏ ـ‏ جمع قنو‏,‏ وهو العنق أو عنقود التمر‏ ـ من طلع النخل‏,‏ وهو أول ما يبدو ويخرج من ثمر النجل كالكيزان‏، وإخراج جنات من أعناب‏,‏ ومن الزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه‏ .
‏(20)‏ الإشارة إلى أن التصعد في السماء بغير وقاية يجعل الصدر ضيقاً حرجاً حتى يُقضَى على الصاعد بالموت‏ .
‏(21)‏ إنشاء جنات من المعروشات وغير المعروشات " وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ "
(الأنعام:141)
‏,‏ وكل قضية من هذه القضايا العديدة تحتاج إلى معالجة مستقلة‏,‏ وسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الخامسة عشرة التي تشير إلى جريان كلٍ من الشمس والقمر بنظام محسوب بدقة بالغة، مما يعين على حساب الزمن‏,‏ والتأريخ للأحداث‏,‏ وأداء الحقوق والواجبات والعبادات في أوقاتها المحسوبة‏,‏ وقبل الدخول إلى ذلك لابد من الاستعراض السريع لأقوال عدد من كبار المفسرين السابقين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏ .‏


من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله ـ‏ تعالى‏ ـ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ " ‏(‏ الأنعام‏:96) .‏
‏‏ ذكر ابن كثير يرحمه الله ما نصه‏: "‏ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً‏ "
أي خالق الضياء‏ ـ‏ النور‏ ـ‏ والظلام كما قال في أول السورة‏ :" وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ‏ " أي فهو ـ سبحانه ـ يغلق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضيء الوجود‏,‏ ويستنير الأفق‏,‏ ويضمحل الظلام‏,‏ ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه‏,‏ ويجيء النهار بضيائه ـ‏ بنوره ـ وإشراقه‏ . وقوله‏: "‏ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً‏ " أي يجريان بحساب مقنن مقدر لا يتغير ولا يضطرب‏,‏ بل لكلٍ منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء‏,‏ فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولاً وقصراً كما قال‏ : "‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً‏ "‏ (يونس:5) ,‏ وكما قال‏: " لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" (يس:40) ,‏ وقال‏ : "‏ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ " (الأعراف:54) .‏ وقوله‏:"‏ ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ "‏ أي الجميع جارٍ بتقدير العزيز الذي لا يمانع‏,‏ ولا يخالف‏,‏ العليم بكل شيء، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء‏,‏ وكثيراً ما إذا ذكر اللهُ ـ تعالى ـ خلقَ الليل والنهار والشمس والقمر يختم الكلام بالعزة والعلم‏ . (انتهى قول المفسر)‏
‏ ‏ وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ‏ رحم الله كاتبيهـ ما نصه‏:"‏ فَالِقُ الإِصْبَاحِ‏ "
مصدر بمعنى الصبح ـ أي شاق عمود الصبح‏ ـ وهو‏‏ أول ما يبدو من نور النهار عن ظلمة الليل . "‏ سَكَناً "‏ يسكن فيه الخلق من التعب . " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ‏ " بالنصب عطفاً على محل الليل‏ ." حُسْبَاناً‏‏ " حساباً للأوقات‏,‏ والباء محذوفة‏,‏ وهو حال من مقدر ، أي‏:‏ يجريان بحسبان‏ . "‏ ذَلِكَ‏ " المذكور‏ . " ‏ تَقْدِيرُ العَزِيز "‏ في ملكه‏"‏ العَلِيمِ‏ "‏ بخلقه ‏.‏ (انتهى قول المفسر)‏
وذكر صاحب الظلال ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ ما نصه‏ :‏ إن فالق الحب والنوى هو فالق الإصباح أيضا‏ًً,‏ وهو الذي جعل الليل للسكون‏,‏ وجعل الشمس والقمر محسوبة حركاتهما‏,‏ مقدرة دوراتهما‏،‏ مُقدِّراً ذلك كله بقدرته التي تهيمن على كل شيء‏,‏ وبعلمه الذي يحيط بكل شيء‏ .‏
وانغلاق الإصباح من الظلام حركة تشبه في شكلها انغلاق الحبة والنواة‏,‏ وانبثاق النور في تلك الحركة‏,‏ كانبثاق البراعم في هذه الحركة‏,‏ وبينهما من مشابه الحركة والحيوية والبهاء والجمال سمات مشتركة‏,‏ ملحوظة في التعبير عن الحقائق المشتركة في طبيعتهما وحقيقتهما كذلك‏ .‏ وبين انغلاق الحب والنوى، وانغلاق الإصباح‏,‏ وسكون الليل صلة أخرى .‏ إن الإصباح والإمساء‏,‏ والحركة والسكون‏,‏ في هذا الكون ، أو في هذه الأرض ، ذات علاقة مباشرة بالنبات والحياة‏ .‏

إن كون الأرض تدور دورتها هذه حول نفسها أمام الشمس‏,‏ وكون القمر بهذا الحجم‏,‏ وبهذا البعد من الأرض‏,‏ وكون الشمس كذلك بهذا الحجم‏‏ وهذا البعد‏,‏ وهذه الدرجة من الحرارة‏، هي تقديرات من‏ " العَزِيز‏ "
ذي السلطان القادر، "‏ العَلِيمِ‏ "‏ ذي العلم الشامل‏، ولولا هذه التقديرات ما انبثقت الحياة في الأرض على هذا النحو‏,‏ ولما انبثق النبت والشجر‏ من الحب والنوى .‏ إنه كون مقدر بحساب دقيق،‏ ومقدر فيه حساب الحياة‏,‏ ودرجة هذه الحياة‏,‏ ونوع هذه الحياة‏ .‏ كون لا مجال للمصادفة العابرة فيه ‏....‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة‏ ـ ما نصه‏: "‏ فَالِقُ الإِصْبَاحِ‏ "
الإصباح‏ :‏ مصدر سمي به الصبح ـ‏ أي شاق ظلمة الصبح ـ وهو الغبش في آخر الليل الذي يلي الفجر المستطيل الكاذب عن بياض النهار‏، فيضيء الوجود، ويضمحل الظلام‏,‏ ويذهب الليل بسواده، ويجيء النهار بضيائه‏ ـ‏ والأصح هو بنوره ـ ." وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً " يسكن إليه من يتعب بالنهار، ويستأنس به لاسترواحه فيه‏ ."وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً"أي يجريان في الفلك بحساب مقدر معلوم‏,‏ لا يتغير ولا يضطرب حتى ينتهيا إلى أقصى منازليهما‏,‏ بحيث تتم الشمس دورتها في سنة‏,‏ ويتم القمر دورته في شهر‏,‏ وبذلك تنتظم المصالح المتعلقة بالفصول الأربعة وغيرها ‏.‏ والحسبان‏ :‏ مصدر . حسبت المال حسباً ـ من باب فتل ـ أحصيته عدداً ‏.‏
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ـ‏ جزاهم الله خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏ :‏ وهو الذي يشق غبش الصبح بضوء ـ والصحيح هو بنور‏ ـ‏ النهار‏,‏ ليسعي الأحياء إلى تحصيل أسباب حياتهم‏,‏ وجعل الليل ذا راحة للجسم والنفس‏,‏ وجعل سير الشمس والقمر بنظام دقيق يعرف به الناس مواقيت عباداتهم‏,‏ ومعاملاتهم‏ .‏ ذلك النظام المحكم تدبير القادر المسيطر على الكون، المحيط بكل شيء علما‏ًً .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في صفوة التفاسير‏ ـ جزى الله كاتبه خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه ‏:‏
‏"‏ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً ‏"‏
أي شاق الضياء ‏ـ‏ والصحيح هو النور‏ ـ‏ عن الظلام وكاشفه‏ .‏ قال الطبري‏:‏ شق عمود الصبح عن ظلمة الليله وسواده . ‏"‏ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً "‏ أي يسكن الناس فيه عن الحركات ويستريحون‏ ."‏ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً " أي بحساب دقيق يتعلق به مصالح العباد‏,‏ ويعرف بهما حساب الأزمان والليل والنهار‏ . "‏ ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ‏" أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم تقدير الغالب القاهر الذي لا يستعصي عليه شيء‏,‏ العليم بمصالح خلقه وتدبيرهم ‏.‏


شرح الآية الكريمة في ضوء المعارف المكتسبة
تشير هذه الأية الكريمة إلى حقيقة كونية مؤداها أن الله ـ جلت قدرته‏ ـ‏ قد قدَّر للأرض أن تدور حول محورها أمام الشمس ،‏ كما قدر لكل جرم من أجرام السماء أن يدور حول محوره‏,‏ وأن يسبح في فلكه,‏ وبذلك فإنه ـ‏ تعالى‏ ـ يفصل بالتدريج بين الأرض عن ليل السماء بطبقة نور النهار الرقيقة ‏(‏ التي لا يتعدى سُمْكها مائتي كليومتر بالنسبة إلى المسافة بين الأرض والشمس المقدرة بنحو‏150‏ مليون كيلومتر‏),‏ وبذلك فهو‏ ـ سبحانه‏ ـ يغلق هاتين الظلمتين المتداخلتين بالتدريج، فيحل النهار محل ظلمة الأرض‏,‏ ويبقي ظلمة السماء‏,‏ ولذلك وصف ذاته العلية بأنه فالق الإصباح ـ أي الصبح ـ ولا يقوى على ذلك أحد غيره‏ .‏
ثم يضيف وصفاً آخر لتلك الذات العلية هي‏" ....‏ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ‏... "
,‏ ويصف تقدير ذلك بأنه‏: "....‏ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ " ‏.‏
وجاء التعبير‏"‏ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً ‏"‏
إشارة إلى تبادل كلٍ من النهار والليل‏,‏ وإلى جعل النهار لعمارة الأرض‏,‏ وإقامة عدل الله فيها‏,‏ وللجري وراء المعايش‏,‏ وللكدح من أجل كسب الرزق الحلال‏,‏ وجعل الليل للسكن والاستجمام‏,‏ والراحة والاسترخاء‏,‏ والتأمل والعبادة بعد كدح النهار،‏ وتبادل كلٍ من الليل والنهار لايتم إلا بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏ .‏
وهذه الدورة الأرضية التي تعرف باسم الدورة المحورية‏,‏ أو المغزلية‏,‏ أو الدورانية، تتم بسرعة تقدر بنحو الثلاثين كيلومتراً في الدقيقة‏(465‏ متراً في الثانية‏60=27.9‏ كيلومتر في الدقيقة‏ 60=1674‏ كيلومتراً في الساعة‏)‏ لتتم دورة كاملة في يوم مقداره ‏24‏ ساعة‏ ـ 23‏ ساعة‏,56‏ دقيقة‏,4‏ ثوان في المتوسط‏ ـ‏ يتقاسمه ليل ونهار بتفاوت قليل في طول كلٍ منهما، وذلك بسبب ميل محور دوران الأرض على مستوى مدار الأرض حول الشمس‏,‏ مما ينتج عنه تبادل فصول السنة‏:‏ الربيع‏,‏ والصيف‏,‏ والخريف‏,‏ والشتاء‏ .‏

ويوم الأرض‏(‏ الناتج عن دورانها دورة كاملة حول محورها‏)‏ يختلف طوله على مدار السنة بسبب تغيير سرعة سبح الأرض في فلكها حول الشمس‏ ـ‏ سرعة الحركة المدارسة للأرض ـ‏ تبعاً لبعدها عن الشمس‏,‏ وبسبب آثار ظاهرتي المد والجزر‏,‏ والدوران الفعلي للغلاف الغازي المحيط بالأرض‏,‏ وبسبب بعض التغيرات في لب الأرض ‏.‏
وقد وجدت الثانية كوحدة للزمن على أساس أنها الفترة الزمنية المكافئة لـ‏1:86.400‏ من متوسط طول اليوم الشمسي على مدار السنة ‏(24‏ ساعة‏60‏ دقيقة‏ 60‏ ثانية‏=86.40‏ ثانية‏) .‏

ولتفادي ما ثبت من تناقص سرعة دوران الأرض حول محورها‏,‏ وبالتالي زيادة متوسط طول اليوم الشمسي بنحو‏0.001‏ من الثانية في القرن الواحد‏,‏ فقد تم الاتفاق على تعيين طول الثانية ذرياً بأنها الفترة التي يتردد منها قفز الإليكترون من مدار إلى آخر حول نواة ذرة نظير عنصر‏(‏ السيزيوم ـ‏133)‏ نحو تسعة بلايين مرة‏(9.192.631.770‏ مرة‏),‏ كما يمكن تقسيم الثانية إلى وحدات أقل‏ .‏
ومع دوران الأرض حول محورها أمام الشمس من الغرب إلى الشرق يبدو لنا هذا النجم‏ ـ الشمس‏ ـ‏ صاعداً من جهة الشرق‏,‏ وغائباً في جهة الغرب في حركة ظاهرية تحدد لنا كلاً من ليل ونهار‏‏ ، وباستخدام كلٍ من المزولة أو البندول المعلق من سقف مرتفع‏,‏ أو الساعات ‏ـ باختلاف أنواعها ودرجة دقتها حتى الساعة الذرية ـ يمكن تقسيم كلٍ من الليل والنهار إلى الساعات والدقائق والثواني‏,‏ وفي بعض الحالات إلى اجزاء من الثانية ‏.

والدورة اليومية الناشئة عن دوران الأرض حول محورها دورة كاملة في كل يوم تجعل جميع ما نراه في صفحة السماء الدنيا‏,‏ وكأنه يدور من حولنا‏,‏ وليست الشمس وحدها‏،‏ فبالمثل يبدو القمر وكأنه يطلع على الأرض من جهة الشرق‏,‏ ويغيب عنها في جهة الغرب‏,‏ وهذه دورة ظاهرية‏ .
وللقمر دورة حقيقية حول محوره المائل على مستوى مداره أمام الأرض بسرعة متوسطة تقدر بنحو ‏3675‏ كيلومتراً في الساعة‏ ـ‏ أي نحو كيلو متر واحد في الثانية‏ ـ‏ وهي نفس سرعة سبحه حول الأرض في مدار به دائري يقدر طوله بنحو‏2.4‏ مليون كيلومتر لتتم هذه الدورة في أكثر قليلاً من السبعة والعشرين يوما‏ًً (27.3217‏ يوم‏),‏ ولكن نظراً لسبح الأرض حول الشمس في نفس الوقت مما يؤدي إلى تباعد نقطة البداية في كل دورة قمرية عن سابقتها، فإن القمر يتم دورته الشهرية فعلاً في نحو ‏29.5‏ يوم‏ ـ29.5309‏ يوم‏ ـ‏ هي مدة الشهر القمري‏، ويقدر متوسط بعد القمر عن الأرض بنحو‏384‏ ألف كيلومتر‏,‏ وبذلك يكون يوم القمر هو الشهر القمري للأرض‏,‏ وهو يوم يقدر طول كلٍ من ليله ونهاره بنحو ‏14.5‏ يوم أرضي ‏.‏
ويشترك في تحديد الشهر القمري كلٌ من الشمس‏ والقمر‏‏ والأرض بأوضاعها المحددة بالنسبة لبعضها البعض‏,‏ وكلٍ من حركاتها الحقيقية‏ والظاهرية‏;‏ فالقمر في سبحه في مداره حول الأرض‏ ـ وهو يواجهها بوجه واحد ـ يتم دورته في شهر قمري يتراوح طوله بين‏30,29‏ يوماً ‏(‏ بمتوسط‏29.53‏ يوم، فيبدأ بالخروج من دور المحاق‏ ـ‏ طور الاقتران‏ ـ‏ وبميلاد الهلال الجديد‏,‏ ثم بزيادة مساحة الجزء المنير من سطح القمر بالتدريج يتحرك إلى التربيع الأول‏,‏ ثم الأحدب الأول‏,‏ ثم البدر الكامل ـ‏ طور الاستقبال‏ ـ‏ وبعد ذلك تبدأ مساحة الجزء المنير من سطح القمر في التناقص بالتدريج إلى الأحدب الثاني‏,‏ ثم التربيع الثاني‏,‏ ثم الهلال الأخير حتى يدخل في طور المحاق‏,‏ فيختفي نور القمر بالكامل لمدة يوم أو يومين حسب طول الشهر القمري‏,‏ ويعاود الظهور في أول الشهر القمري التالي بميلاد هلال جديد‏,‏ وهكذا إلى أن يرث الله ـ تعالى ـ الكون بما فيه‏,‏ ومن فيه‏ .‏

والأرض تسبح حول الشمس في فلك محدد لها ـ‏ ومعها قمرها‏ ـ‏ لتتم دورة كاملة في سنة شمسية يقدر طولها في زماننا الراهن بنحو‏(365.25‏ يوم‏)‏ موزعة على اثني عشر شهراً بعد بروج السماء ‏.‏
ونظراً لميل محور دوران الأرض، فإن فصول السنة تتبادل‏:‏ الربيع‏,‏ والصيف والخريف‏,‏ والشتاء‏,‏ وذلك بتقدير العزيز الحكيم‏ .‏

ولقد شاءت إرادة الله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ أن يتحدد يوم الأرض‏ ـ بليله ونهاره‏ ـ عن طريق دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏,‏ وأن يتحدد شهر الأرض القمري بواسطة دورة القمر الشهرية حول الأرض‏,‏ ويتحدد شهرها الشمسي عن طريق بروج السماء‏,‏ وأن يقسم شهرها القمري إلى أسابيع‏,‏ وأيام بواسطة منازل القمر‏,‏ وأطواره المتتالية في كل شهر‏ .‏
والسنة القمرية هي الفترة الزمنية التي يتم فيها القمر اثنتي عشرة دورة كاملة حول الأرض‏,‏ ويستغرق ذلك‏ (354.37‏ يوم‏),‏ وكسر اليوم يجمع ليكون يوماً في كل ثلاث سنوات تقريبا‏ًً .‏ ومن هنا اعتبرت السنة القمرية البسيطة‏354‏ يوما‏ًً,‏ والكبيسة‏355‏ يوما‏ًً، بينما تستغرق السنة الشمسية ‏365.25‏ يوم‏ .
ومن الناحية الشرعية فإن الشهر القمري يبدأ برؤية الهلال الجديد بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين أو الثلاثين من الشهر القمري السابق‏,‏ وينتهي برؤية الهلال الجديد الذي يليه بعد غروب شمس التاسع والعشرين أو الثلاثين منه‏، وعلى ذلك فإن الفترة الزمنية للشهر القمري تكون عدداً صحيحاً من الأيام‏,‏ إما تسعة وعشرين يوما‏ًً,‏ أو ثلاثين يوما‏ًً .
ومن المعلوم أن الطول الفعلي للشهر القمري يتراوح بين‏ (29‏ يوما‏ًً,5‏ ساعات‏),‏ و‏(29‏ يوما‏ًً,19‏ ساعة أو أكثر قليلا‏ًً),‏ وعلى ذلك فإن مدته الوسيطة تقدر بنحو‏(29‏ يوماً‏,12‏ ساعة‏,44‏ دقيقة‏) .‏ وانطلاقاً من ذلك فإن الأشهرالكاملة قد تتوالى مرة أو مرتين‏,‏ كما قد تتوالى الأشهر الناقصة مرة أو مرتين‏,‏ وسطح الأرض منقسم إلى قسمين يفصل بينهما خط اتحاد المطالع‏,‏ وجميع الأماكن التي تقع إلى الغرب من هذا الخط إذا رأت الهلال بدأ عندها الشهر القمري الجديد من اليوم التالي للرؤية‏,‏ بينما جميع الأماكن الواقعة إلى الشرق من خط اتحاد المطالع، فإنها لا ترى الهلال إلا في اليوم التالي ‏.
واليوم يبدأ في التقويم القمري من غروب الشمس إلى غروبها التالي‏,‏ وبذلك يكون الليل سابقاً للنهار‏،‏ وفي التقويم الشمسي يبدأ اليوم من منتصف الليل إلى منتصفه التالي ‏.‏
وعلى ذلك فقد أصبحت حركات كلٍ من الأرض والقمر والشمس معلومة لنا بدقة كبيرة لدرجة أن الساعات الزمنية تضبط اليوم على حركاتها
.
وصدق الله العظيم الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق :"‏ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ " ‏(‏ الأنعام‏:96) .
وصدق ربنا‏(‏ العزيز الحكيم‏)‏ الذي أنزل كذلك قوله الحق‏:‏ " الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ "‏
(‏ الرحمن‏:5) .‏
أي بحساب مُحكَم دقيق، يعين الإنسان على إدراك الزمن وحسابه، والتأريخ للأحداث‏,‏ وأداء العبادات‏‏ والحقوق‏,‏ ولولا ذلك لتعذرت الحياة على الأرض‏,‏ وهي قضايا لم يدركها الإنسان إلا في أزمنة متأخرة بقرون طويلة بعد تنزل القرآن الكريم‏,‏ وورود تلك الإشارات في القرآن الكريم لمما يقطع بأنه كلام الله الخالق‏,‏ ويشهد بالنبوة‏ والرسالة للرسول الخاتم الذي تلقاه بحق‏,‏ وأبلغه بأمانة‏ وصدق‏,‏ وجاهد في سبيله حتى أتاه اليقين‏,‏ فصلِّ اللهم وسلم وبارك عليه‏,‏ وعلى آله وصحبه‏,‏ ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين ‏. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏