" ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ "‏ ‏(الأنعام‏:102).


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع الثلث الأخير من سورة الأنعام‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها ‏165‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود ذكر الأنعام فيها في أكثر من موقع‏,‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من العقائد والتشريعات الإسلامية‏.‏وفي استعراض وحدة الدين السماوي جاءت الإشارة إلى عدد من الأنبياء والمرسلين السابقين على بعثة الرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ‏ كما جاءت الإشارة إلى عدد من الأمم البائدة التي عصت أمر ربها‏,‏ ورفضت هدايته على الرغم من إهلاك أمثالها من الأمم السابقة عليهم‏,‏ وعدم اعتبارهم بما حل بتلك الأمم من عذاب‏.‏
كذلك استشهدت السورة الكريمة بعدد من الآيات الكونية للتدليل على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الكون‏,‏ وعلى قدرة الخالق على البعث‏,‏ وعلى وحدانيته‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد‏,‏
ويبقى ما جاء من حق في هذه الإشارات الكونية خطاباً لأهل عصرنا ـ الذين فتنوا بالعلم ومعطياته وتطبيقاته فتنة كبيرة ـ يقيم الحجة عليهم بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏,‏ ويشهد للنبي الخاتم الذي تلقاه‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بالنبوة وبالرسالة‏.‏


من ركائز العقيدة في سورة الأنعام:
جاء في سورة الأنعام عدد من ركائز العقيدة الإسلامية يمكن إيجازها في النقاط التالية‏:‏
‏(1)‏ الإيمان بالإله الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد‏, الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً احد‏,‏ خالق السماوات والأرض وخالق كل شيء‏,‏ جاعل الظلمات والنور‏, ‏مالك الملك‏,‏ ومحصي أعمال الخلق‏,‏ محدد الآجال والأرزاق‏,‏ وجامع الناس ليوم لا ريب فيه‏,‏ كاشف الضر‏,‏ ومُنزِّل الخير‏,‏ القاهر فوق عباده‏,‏ الذي يطعم ولا يطعم‏,‏ لا يشبهه أحد من خلقه‏,‏ ولا يشاركه أحد في ملكه‏,‏ ولا ينازعه أحد في سلطانه‏,‏ السميع العليم‏,‏ والغفور الرحيم‏,‏ البَرُّ الودود‏,‏ والباعث الشهيد‏,‏ الحكيم الخبير‏,‏ والغني القادر‏,‏ العليم بالسر والعلن‏,‏ وعالم الغيب والشهادة‏,‏ فالق الإصباح‏,‏ وفالق كلٍ من الحب والنوى‏,‏ مُخرِج الحي من الميت‏,‏ ومخرج الميت من الحي‏,‏ بديع السماوات والأرض‏ وفاطرهما‏,‏ وقيُّومهما‏,‏ رب كل شيء ومليكه‏,‏ وخالق كل شيء ومبدعه‏,‏ يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار‏,‏ خير الفاصلين‏,‏ والذي لا يُرَد بأسه عن القوم المجرمين‏,‏ خالق الإنسان من طين‏,‏ ومنزل الكتاب‏,‏ ومرسل الأنبياء والمرسلين‏.‏
‏(2)‏ الإيمان بملائكة الله‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏.‏ وباليوم الآخر‏,‏ وبالقدر خيره وشره‏,‏ وتتويج ذلك الإيمان بالتسليم بالرسالة الخاتمة التي بُعِثَ بها النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وقد تكاملت فيها كل رسالات السماء السابقة، فتعهد الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ بحفظها فحفظت بنفس لغة الوحي الذي أنزلت به‏ ـ اللغة العربية‏ ـ‏ وحفظت حفظاً كاملا‏ًً:‏ سورة سورة، وآية آية‏,‏ وكلمة كلمة‏,‏ وحرفاً حرفاً‏,‏ بينما ما بقي من ذكريات بعض الرسالات السابقة موجود في لغات غير لغات الوحي مع ضياع الأصول‏,‏ وقد تعرضت هذه الكتب المنحولة ـ ولا تزال تتعرض ـ للعديد من المداخلات البشرية، والمراجعات، والحذف، والإضافات إلى يومنا هذا‏.‏
‏(3)‏ الإيمان بعوالم الغيب التي أخبرنا بها ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ دون الخوض فيها بغير علم من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ أو من خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏
(4)‏ الإيمان بحتمية البعث وضرورته‏,‏ وبحتمية الحساب والجزاء في الآخرة‏,‏ وبأن الحياة فيها خلود بلا موت إما في الجنة أبداً، أو في النار أبدا‏ًً,‏ ومن هنا كان وصف سورة الأنعام للحياة الدنيا بأنها لعب ولهو‏,‏ ووصف الآخرة بأنها خير للذين يتقون‏.‏
‏(5)‏ اليقين بأن من عَمِلَ سوءاً بجهالة ممن يؤمنون بالله وبآياته‏,‏ ثم تاب من بعده وأصلح فإن الله غفور رحيم‏.‏ ‏
(6)‏ التصديق بأن الله‏ ـ تعالى ـ‏ يجازي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويجازي السيئة بمثلها‏.‏
‏(7)‏ الإيمان بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد ختم وحيه بالقرآن الكريم‏,‏ وبسنة نبيه ورسوله الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وأكمل لنا ديننا‏,‏ وأتم علينا نعمه‏,‏ ورضي لنا الإسلام دينا‏ًً,‏ وحفظه في الرسالة الخاتمة التي تعهد بحفظها فحفظت على مدى أربعة عشر قرناً وإلى أن يرث الله ـ‏ تعالى‏ ـ الأرض ومن عليها‏.‏


من التشريعات الإلهية في سورة الأنعام:
‏(1)‏ تحريم كلٍ من الشرك بالله‏,‏ وقتل الأولاد من إملاق ـ أي من فقر‏ ـ وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق‏,‏ وأكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده‏,‏ وأكل ما لم يُذكَر اسم الله عليه‏,‏ وما أُهلَّ لغير الله به‏,‏ وأكل أيٍ من الميتة أو الدم المسفوح أو لحم الخنزير إلا من اضطر غير باغ ولا عاد‏، وتحريم الاقتراب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏.‏
‏(2)‏ تحريم افتراء الكذب على الله‏,‏ والادعاء الباطل بتلقي شيء من الوحي‏,‏ أو بالتظاهر بالقدرة على الإتيان بشيء من مثل القرآن الكريم‏.‏ ‏
(3)‏ الأمر بالتزام صراط الله المستقيم‏,‏ وإقام الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة‏,‏ وبتقوى الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ ومراقبته في جميع الأحوال‏,‏ وبالإحسان إلى الوالدين‏,‏ وبوفاء كلٍ من الكيل والميزان بالقسط‏,‏ وبالعدل في القول والإخلاص في العمل‏,‏ وبالوفاء بعهود الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ كلها‏.‏


من القصص القرآني في سورة الأنعام:

‏(1)‏ جاء في سورة الأنعام ذكر عدد من أنبياء الله ورسله الذين بعثوا قبل بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وهم‏:‏ نوح‏,‏ إبراهيم‏,‏ لوط‏,‏ إسماعيل‏,‏ إسحاق‏,‏ يعقوب‏,‏ داود‏,‏ سليمان‏,‏ أيوب‏,‏ يوسف‏,‏ موسى‏,‏ هارون‏,‏ زكريا‏,‏ يحيى‏,‏ عيسى‏,‏ إلياس‏,‏ اليسع‏,‏ ويونس‏ ـ‏ على نبينا وعليهم من الله السلام.‏ ‏
(2)‏ ذكرت السورة الكريمة عناد عدد من الأمم الباغية‏,‏ التي رفضت رسالات ربها وآياته‏,‏ وأعرضت عن أنبيائه ورسله وقاومت دعوتهم‏,‏ على الرغم من إهلاك أمثالهم من الأمم السابقة عليهم‏.‏
‏(3)‏ أكدت هذه السورة المباركة تحريف اليهود للتوراة‏,‏ وانحرافهم عن منهج الله‏,‏ كما أكدت تكامل جميع رسالات السماء في القرآن الكريم الذي أنزله الله‏ ـ‏ تعالى ـ بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ لينذر به أهل مكة المكرمة ومن حولهم أهل الأرض جميعاً لثبوت توسط هذه المدينة المباركة لليابسة‏.‏


من الآيات الكونية في سورة الأنعام:
أولا‏ًً:أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو خالق كل شيء بالحق‏,‏ وأنه على كل شيء وكيل‏,‏ ومن بديع صنعه خلق كل من‏‏ السماوات والأرض‏,‏ والظلمات والنور‏,‏ والنجوم وتوابعها‏,‏ وخلق الإنسان من طين‏,‏ وخلق السلالة البشرية كلها من نفس واحدة‏,‏ وخلق كائنات تسكن بالليل وأخرى تسكن بالنهار‏,‏ وخلق غير ذلك من أمم تشبه كل منها في أصلها الواحد وترابطها أمة بني الإنسان‏.

‏ثانياً‏:‏
التأكيد على كلٍ من الحقائق التالية‏:‏
‏(1)‏ أن بالكون غيوباً مطلقة لا يعلمها إلا الله‏ ـ تعالى شأنه‏.‏
‏(2)‏ أن النوم هو صورة مصغرة عن الوفاة‏,‏ وأن اليقظة من النوم تمثل البعث بعد الموت‏.‏
‏(3)‏ أن ظلمات كلٍ من البر والبحر هي تعبير عن حقيقة أن ظلمة الكون هي الأصل‏,‏ وأن النور هو نعمة يمنُّ بها الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ على خلقه‏.‏ ‏
(4)‏ أن مكة المكرمة هي وسط اليابسة‏.‏ ‏
(5)‏ تشبيه خروج الصبح من ظلمة الليل بخروج كلٍ من الجذير والسويقة من قلب البذرة النابتة‏,‏ وأن فلق كلٍ من الحب والنوى لحظة الإنبات‏,‏ وفلق الصبح من ظلمة الليل في كل يوم هو صورة من صور طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في هذا الكون‏.‏ ‏
(6)‏ استخدام ظاهرة تبادل كلٍ من الليل والنهار للإشارة إلى حقيقة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏.‏ ‏
(7)‏ تخصيص كلٍ من الليل للسكن‏,‏ والنهار للجري وراء المعايش وعمارة الأرض‏.‏ ‏
(8)‏ أن كلاً من الشمس والقمر يجري بنظام مُحكَم دقيق يمكن الإنسان من حساب الزمن‏,‏ والتأريخ للأحداث‏,‏ وللقيام بمختلف العبادات‏,‏ والوفاء بمختلف الحقوق والعهود‏.‏
‏(9)‏ أن الحب المتراكب في النبات يخرج من الخضر‏ ـ اليخضور أو الكلوروفيل‏.
‏(10)‏ أن القنوان الدانية‏ ـ‏ وهي العراجين المتدلية من النخل‏,‏ ومفردها القنو، وهو العذق أو عنقود التمر‏ ـ تخرج من طلوع النخل على هيئة الكيزان كأول ما يبدو من ثمر النخل‏.‏ ‏
(11)‏ أنه بإنزال الماء من السماء إلى الأرض أخرج ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بعظيم قدرته جنات معروشات وغير معروشات من الأعناب والنخل والزيتون والرمان‏,‏ متشابهاً وغير متشابه‏,‏ ومن الزرع المختلف أكله‏,‏ وأن ثمره إذا أثمر وينعه لمن أروع الآيات لقوم يؤمنون‏.‏
‏(12)‏ أن التصعد في السماء‏ ـ‏ بغير وقايات حقيقية ضد مخاطر ذلك‏ ـ يجعل صدر الصاعد ضَيِّقاً حرجاً‏ً.‏
وكل قضية من هذه القضايا التي تدخل من العلوم الكونية في الصميم تحتاج إلى معالجة خاصة‏,‏ ولذلك أقصر حديثي هنا على نقطة واحدة فحواها أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو خالق كل شيء، وأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ على كل شيء وكيل كما جاء في الآية رقم ‏(102)‏ من سورة الأنعام‏,‏ ولكن قبل ذلك لابد من الرجوع إلى أقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة‏.‏


من أقول المفسرين :
في تفسير قوله ـ تعالى ـ‏:‏
" ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ " ‏(‏الأنعام‏:102)‏. ‏ ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره‏:‏ يقولـ تعالى ـ: "‏ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُم "‏ أي الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة‏. "‏ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ‏ " أي فاعبدوه وحده لا شريك له‏,‏ وأقروا له بالوحدانية‏,‏ وأنه لا إله إلا هو‏,‏ وأنه لا ولد له ولا والد ولا صاحبة له‏,‏ ولا نظير ولا عديل.‏ "‏ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ " أي حفيظ ورقيب، يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار‏.‏ (انتهى قول المفسر) ‏
وجاء في تفسير الجلالين‏( ـ رحم الله كاتبيه ـ ما نصه‏: " ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ " وحدوه.‏ "‏ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ "‏ حفيظ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
وأما صاحب الظلال ـ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ‏ فقد أفاض في شرح هذه الآية الكريمة، ونقتطف من شرحه ما يلي‏:‏ إن تفرد الله ـ سبحانه ـ بالخلق يفرده ـ سبحانه ـ بالملك‏,‏ والمتفرد بالخلق والملك يتفرد كذلك بالرزق‏،‏ فهو خالق خلقه ومالكهم‏,‏ وهو كذلك يرزقهم من ملكه الذي ليس لأحد شرك فيه،‏ فكل ما يقتاته الخلق وكل ما يستمتعون به فإنما هو من هذا الملك الخالص لله‏، فإذا تقررت هذه الحقائق ـ‏ الخلق والملك والرزق‏ ـ تقرر معها ـ ضرورة وحتماً ـ أن تكون الربوبية له ـ سبحانه‏ ـ‏ فتكون له وحده خصائص الربوبية، وهي القوامة، والتوجيه، والسلطان الذي يخضع له ويطاع‏,‏ والنظام الذي يتجمع عليه العباد ـ وتكون له وحده العبادة بكل مدلولاتها، ومنها الطاعة، والخضوع، والاستسلام‏.‏ ويضيف ‏: ..‏ ومع أن حقيقة الخلق والتقدير فيه ـ كحقيقة انبثاق الحياة أيضاً ـ لم تكن تساق في القرآن لإثبات وجود الله ـ إذ كان الجدال في وجوده سخفاً لا يستحق من جدية القرآن العناية به ـ إنما كانت تساق لرد الناس إلى الرشاد‏ كي ينفذوا في حياتهم ما تقتضيه تلك الحقيقة من ضرورة إفراد الله ـ سبحانه ـ بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية في حياتهم كلها‏,‏ وعبادته وحده بلا شريك‏.‏ مع هذا فإن حقيقة الخلق والتقدير فيه ـ كحقيقة انبثاق الحياة أيضاً ـ تقذف في وجوه الذين يجادلون في الله ـ سبحانه ـ بالحجة الدامغة التي لا يملكون بإزائها إلا المِرَاء‏,‏ وإلا التبجح الذي يصل إلى حد الاستهتار في كثير من الأحيان‏. (انتهى قول المفسر) ‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ رحم الله كاتبه‏ ـ أن من معاني‏"‏ وَكِيلٌ‏ "‏ رقيب ومُتوَل‏ٍٍّ.‏
‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ جزاهم الله خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏:‏ ذلك المتصف بصفات الكمال‏‏ هو الله ربكم‏,‏ لا إله غيره‏,‏ خالق كل شيء مما كان وما سيكون‏,‏ فهو وحده المستحق للعبادة‏‏ فاعبدوه‏,‏ وهو وحده المُتَوَلِّي كل أمر وكل شيء‏,‏ فإليه وحده المرجع والمآب‏.‏ (انتهى قول المفسر) ‏
وجاء في صفوة التفاسير‏ ـ جزى الله كاتبه خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏:"‏ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ "‏ أي ذلكم الله خالقكم، ومالككم، ومدبر أموركم، لا معبود بحق سواه.‏"‏ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ‏ "‏ أي هو الخالق لجميع الموجودات، ومن كان هكذا فهو المستحق للعبادة وحده.‏"‏ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ‏ "‏ أي وهو الحافظ والمدبر لكل شيء، ففوضوا أموركم إليه، وتوسلوا إليه بعبادته‏.‏ (انتهى قول المفسر)



من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
أولا‏ًً:‏ في قوله ـ‏ تعالى‏ ـ:" ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ... " :‏
شاءت إرادة الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ أن يخلق كل شيء في هذا الوجود في زوجية واضحة حتى يبقى هو ـ جل جلاله ـ‏ مُتفَرِّداً بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏.‏‏وأوضح ما تكون الزوجية في الكائنات الحية التي تتكاثر بالتزاوج الجنسي‏,‏ وفي الكائنات الراقية يكون كلٌ من الذكور والإناث منفصلين عن بعضهما البعض‏,‏ ولكن في بعض الكائنات البسيطة قد يوجد كلٌ من الخلايا الذكرية والأنثوية في الفرد الواحد الذي يقايض خلاياه الذكرية مع فرد آخر‏,‏ وفي التكاثر الجنسي قد يتم الإخصاب داخلَ الجسم أو خارجه‏,‏ وفي الكائنات الأبسط قد تتكاثر بالانشطار‏,‏ أو بالتبرعم‏,‏ أو بالتجزؤ‏,‏ أو بالتجدد ـ‏ التراكم‏ ـ‏ أو بالتوالد العذري ـ بدون إخصاب ‏ـ‏ ويعرف كل ذلك بالتكاثر اللاجنسي‏,‏ وقد يتبادل الكائن الواحد كلا النوعين من التكاثر في دورة حياته‏,‏ وكلها صور من الزوجية الواضحة‏.‏
وتتضح الزوجية في النباتات المزهرة بشكل جلي‏,‏ وهي نباتات يزيد عددها على الربع مليون نوع‏,‏ وأزهارها التي تنتج عن تفتح براعمها تحمل أعضاء التكاثر من الخلايا الذكرية والأنثوية التي قد توجد في الزهرة الواحدة‏,‏ أو في زهرتين مختلفتين في النبات الواحد‏,‏ كما قد يكون من النبات الواحد الذكر والأنثى‏,‏ وتؤدي عملية الإخصاب في النباتات المزهرة إلى إنتاج البذور‏ ـ الحب أو النوى‏ ـ‏ وتحتوي كل بذرة على الجنين الحي في حالة سكون‏,‏ بالإضافة إلى مخزون من الطعام قدَّره الخالق المبدع للجنين حين يستيقظ لحظة الإنبات حتى تخرج السويقة إلى الهواء‏,‏ ثم تحمل الأوراق ـ وهي مصانع إنتاج الغذاء للنبات‏ ـ وتحفظ البذور عادة في الثمرة‏,‏ وقد تكون هي الثمرة‏,‏ أما النباتات غير المزهرة فتتكاثر بالطريقتين الجنسية واللاجنسية في تبادل للأجيال‏,‏ وفي الطريقة الأولى ينتج النبات كلاً من الخلايا الذكرية والأنثوية‏,‏ وتنفصل الخلايا الذكرية لكي تصل إلى خلية أنثوية من نبات آخر، وتقوم بتلقيحها وإخصابها بالاتحاد معها‏,‏ وفي الطريقة الثانية ينتج النبات خلايا تناسلية تعرف باسم الأبواغ‏,‏ تتناثر عن النبات الحامل لها عند نضجه لتنمو في الأوساط المناسبة لها على هيئة نباتات جديدة‏.‏
ومن معرفتنا بالزوجية في كلٍ من اللبنات والجسيمات الأولية للمادة نستطيع أن نستنتج بأن صورة من صور الزوجية تتم في كل صور التكاثر اللاجنسي.
‏كذلك تتضح الزوجية في الخلايا التناسلية الذكرية والأنثوية‏,‏ وعند اتحادهما يكونان نطفة مختلطة‏ ـ نطفة أمشاج‏ ـ‏ تبدأ في الانقسام المطرد ـ بإذن الله ـ لتكوين الجنين الكامل‏.‏
والزوجية تتضح كذلك في النطفة التي قد تحمل صبغيين متشابهين أو مختلفين‏,‏ فنطفة الرجل على سبيل المثال تحمل صبغيين، أحدهما مؤنث‏(X)‏
، والآخر مذكر‏(Y) ,‏ بينما تحمل نطفة أنثاه صبغيين أنثويين‏(XX) ،‏ وحتى الصبغيات‏ ـ‏ حاملات الوراثة‏ ـ‏ توجد في زوجية واضحة على هيئة سلم حبلي مفتول يعرف باسم اللولب المزدوج، ويتكون من خيطين متصلين ببعضهما البعض بواسطة جزء عرضي دقيق يعرف باسم اللحمة المركزية يربط هذين الخيطين البالغين الدقة في الحجم والرقة في السمك‏,‏ والتي يحدد بعددها نوع الحياة‏,‏ وتتكدس حاملات الوراثة عادة في داخل الخلية‏.‏ وعدد الصبغيات في خلايا الإنسان محدد بستة وأربعين صبغياً في ثلاثة وعشرين زوجا‏ًً.‏
وتتكون الصبغيات أساساً من الحمض النووي‏,‏ وجزيء الحمض النووي يوجد أيضاً في زوجية على هيئة حلزون مزدوج الجدار يتكون من جزيئات السكر والفوسفات‏(‏ في زوجية واضحة‏),‏ ويترتب بين هذين الجدارين‏,‏ وعلى مسافات محددة منهما أزواج من القواعد النيتروجينية‏(‏ في زوجية واضحة كذلك‏).‏
وفي الإنسان تتكون الشفرة الوراثية في الخلية الواحدة‏،(‏ والتي لا يتعدى قطرها في المتوسط‏ 0.03 من الملليمتر‏)‏ من ‏18,6‏ بليون جزيء من القواعد النيتروجينية والسكر والفوسفات موزعة بالتساوي بين هذه المركبات الثلاثة‏ (6,2‏ بليون جزيء لكلٍ في زوجية ناطقة وشاهده لله الخالق بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏).‏
وتتوزع وحدات الوراثة‏(‏ المعروفة باسم الجينات‏)‏ على طول كل واحد من الصبغيات على هيئة قطع منفصلة من الحمض النووي في زوجية واضحة‏,‏ ثم يأتي أحد هذه المورثات للجنين من الأب، والآخر يأتيه من الأم حتى تتحقق الزوجية في الخلق على جميع المستويات‏.‏
والقواعد النيتروجينية التي تكتب بها الشفرة الوراثية هي أربع قواعد فقط تنطق بالزوجية‏,‏ حيث يرتبط كل اثنين منهما معا‏ًً.‏
وبالإضافة إلى الحمض النووي يوجد في الصبغيات أزواج من الجزيئات البروتينية التي تتكون من أزواج من الأحماض الأمينية، ويعرف من الأحماض الأمينية المكونة لأجساد الكائنات الحية عشرون حمضاً في زوجية ناطقة بكلمة التوحيد لله الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ والأحماض الأمينية يوجد كلٌ منها في نظيرين تترتب الذرات في أحدهما ترتيبا يسارياً، وتترتب في الآخر ترتيباً يمينيا‏ًً.‏
وتظل الزوجية تتكشف على مستويات أقل، فتتضح في زوجية شقي المادة الموجب ‏(Cation)‏
والسالب‏(Anion)،‏ وفي اللبنات الأولية للمادة وأضدادها، وقد ثبت أن للمادة قرابة الثلاثين نوعاً من أنواع اللبنات الأولية‏,‏ ولكل نوع منها نقيضه‏,‏ وأن المادة ككل‏(Matter)‏ لها نقيض المادة ‏(Antimatter)‏، وإذا التقت النقائض فإن بعضها يفني بعضاً‏,‏ حيث يتخليان عن طبيعتهما المادية ويتحولان إلى طاقة‏,‏ والطاقة نفسها منها الموجب والسالب‏(‏ كما هو الحال في الكهرباء‏),‏ والعادي والمقلوب ‏(‏ كما هو الحال في المغناطيسية‏),‏ والموجي والجسيمي‏(‏ كما هو الحال في الضوء‏).‏
وبتحول المادة إلى طاقة تفني المادة فتؤكد حقيقة الإيجاد من العدم‏,‏ والإفناء إلى العدم‏,‏ وفي ذلك ما يماثل الحياة والموت‏,‏ ويؤكد حقيقتي الخلق والبعث‏,‏ ولا يقوى عليهما إلا الله‏ ـ سبحانه وتعالى.‏
وهذه الزوجية لها من الشواهد‏ ما يؤكد وحدانية الخالق ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏,‏ فقد ثبت أن المادة والطاقة وجهان لعملة واحدة‏ ولجوهر واحد يشير إلى وحدانية الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وبذلك تؤكد العلوم المكتسبة وحدانية الله‏‏ التي نزلت بها كل رسالات السماء، وتكاملت في القرآن الكريم، وفي سنة خاتم النبيين ـ‏ صلى الله عليه وسلم.‏

ثانيا‏ًً:‏ في قوله‏ ـ تعالى‏ ـ: " ...‏ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ‏ ...‏ "
تؤكد الدراسات الفلكية أن الجزء المدرك لنا من الكون شاسع الاتساع‏,‏ دقيق البناء‏,‏ محكم الحركة‏,‏ ومنضبط في كل جزئية من جزئياته، مما يؤكد أن الكون لا يمكن أن يكون قد وجد بمحض الصدفة‏,‏ ولا أن يكون قد أوجد نفسه بنفسه‏,‏ بل لابد وأن يكون له موجد عظيم‏,‏ أوجده بعلمه وحكمته وقدرته‏,‏ وأن هذا الموجد العظيم لابد وأن يكون مغايراً لخلقه‏,‏ وأن يكون له من صفات الكمال والجمال والجلال ما يميزه عن جميع خلقه‏,‏ فهو‏ ـ تعالى ـ‏ لا يحدُّه أيٌ من المكان أو الزمان؛ لأنه هو الذي أوجدهما من العدم‏,‏ ولا يشكله أيٌ من المادة أو الطاقة؛ لأنه‏ ـ‏ جل جلاله ـ هو خالقهما من العدم‏,‏ ولا نعرف عنه إلا ما وصف به ذاته العلية فقال‏ ـ عز من قائل ـ‏:‏
" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " ‏(‏ الشورى‏:11)‏.
وكانت قضية الخلق عبر التاريخ وإلى اليوم هي حجة المتشككين والضالين من الخلق‏,‏ ولو نظر أيٌ من هؤلاء التائهين في نفسه أو في شرابه وطعامه‏,‏ أو في كيفية إنجابه ومراحل خلقه‏ ـ‏ مراحله الجنينية ـ‏ أو في الكون من حوله لأدرك أن ذلك كله ينطق بأعلى صوته‏:‏ الله خالق كل شيء‏,‏ وهو ما أكدته هذه الآية الكريمة في الوقت الذي ارتفعت أصوات بأن لا عقل‏,‏ ولا روح‏,‏ ولا دين‏,‏ ولا إله‏,‏ وأن الأحياء لا يهلكها إلا الموت‏.‏
وكان الشيطان قد وسوس إلى الإنسان بإنكار الخلق‏,‏ والادعاء الباطل بأزلية العالم‏,‏ وبنسبة كل شيء إلى الطبيعة دون أن يحدد كنه هذه الطبيعة‏.‏
وجاءت الدراسات المتتابعة لتؤكد أننا نحيا في كون يقدر عمره بأكثر من عشرة مليارات من السنين‏,‏ وعلى أرض يقدر عمر تيبس أقدم الصخور فيها بأربعة آلاف وستمائة مليون سنة‏,‏ والمنطق السوي يؤكد أن كل ما له بداية فلابد حتماً وأن تكون له نهاية‏,‏ مما يؤكد حقيقة الخلق‏.‏
كذلك لاحظ العلماء أن شمسنا تفقد من كتلتها في كل ثانية على هيئة طاقة ما يقدر بنحو الخمسة آلاف مليون طن ‏(4.6‏ بليون طن‏),‏ وأنه باستمرار هذه العملية وحدها لابد وأن ينتهي وجود الشمس‏,‏ وانتهت الحياة على الأرض‏,‏ وبالإضافة إلى ذلك فإننا نرى في استمرار انتقال الحرارة من الأجرام السماوية فائقة الحرارة ـ كالنجوم ـ إلى الأجرام الأبرد منها أو الباردة جداً‏‏ أنه لابد وأن يأتي وقت على كل أجرام السماء تتساوى فيها درجة حرارتها وتنتهي الحياة‏,‏ مما يؤكد حتمية الآخرة‏,‏ وإن كنا نؤمن ـ نحن المسلمين ـ بأن الآخرة لا تأتي إلا بقرار من الله ـ تعالى ـ لا يتوقف على سنن الدنيا وقوانينها‏,‏ ولذلك قال فيها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِ لاَ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ "
(‏الأعراف‏:187)‏ .
وعلى الرغم من الوضوح الكامل في البيان الإلهي المعجز الذي أنزله رب العالمين بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله فقال ـ عز من قائل ـ‏:‏
" ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ‏... " (‏ الأنعام‏:102).‏
فإن الشيطان قد دخل للإنسان من زاوية قدم العالم ليزعزع في قلبه فطرة الإيمان بالله الخالق‏,‏ فثبت أن أقدم أثر للحياة على الأرض يعود إلى ثلاثة آلاف وثمانمائة من ملايين السنين‏,‏ وأن الحياة في بداياتها الأولى كانت قليلة العدد، بسيطة التركيب‏,‏ ثم بالتدريج ازدادت في العدد وفي تعقيد البناء‏,‏ ودفع ذلك بأعداد من الماديين الدهريين‏ والملاحدة الكافرين إلى الادعاء الباطل بعشوائية الخلق الأول‏,‏ وبعشوائية تدرج عمارة الأرض بمختلف صور الحياة‏,‏ وبربط خلق الإنسان عشوائياً بسلاسل الحياة السابقة على وجوده‏.‏
وعلى الرغم من تسليمنا بقدم وجود الحياة على الأرض‏,‏ وبتدرج عمارتها بأنماط متدرجة من الخلق، إلا أن لكلٍ من هذا القدم وذاك التدرج حكمة بالغة‏,‏ فلو أن الله قد خلق الخلق كله في لحظة واحدة ـ وهو تعالى رب ذلك والقادر عليه ـ لما استطاع الإنسان التعرف على العديد من أنواع الثروات الأرضية‏,‏ والتي وسيلة التعرف عليها هو بقايا الحياة المتدرجة في الخلق في صخور الأرض،‏(‏ أو ما يعرف باسم المستحاثات أو الأحافير‏),‏ ثم إن كل مرحلة من هذا الخلق قد لعبت دوراً مهماً في تهيئة الأرض لاستقبال المرحلة التالية‏,‏ وربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ يريدنا أن نعرف ذلك، فنعلم أن لهذا الكون إلها‏ًً,‏ قادراً‏,‏ حكيماً‏,‏ عليما‏ًً.
وللرد على الادعاء الباطل بعشوائية الخلق الأول فإن أحدث الدراسات في علوم الحياة تؤكد أن الخلية الحية في تعقيد بنائها‏,‏ وفي ما تقوم به من وظائف تفوق كل ما صنع الإنسان من أجهزة ومصانع‏,‏ وأن تركيب الشفرة الوراثية فيها تعجز البشرية مجتمعة عن الإتيان بشيء من مثلها‏,‏ وتكفي في ذلك الإشارة إلى ما جاء في الفقرات السابقة من إيجاز عنها‏,‏ وأن جميع أنشطة الخلية الحية وانقساماتها للتكاثر لا تتم في غيبة قدر من الصفات الوراثية فيها‏,‏ والتي تعرف باسم عقل الخلية الحاكم‏.‏
ثم إن التدرج في عمارة الأرض بالخلق يتجه عموماً نحو الاكتمال‏,‏ وهذا لا يمكن أن يتم إلا بتدبير محكم دقيق من خالق عليم خبير‏,‏ خاصة أن الغالب من عمليات ظهور الخلق واندثاره يتم بفجائية ملحوظة تؤكد حقيقة الخلق‏.‏
وإذا أضفنا إلى الإعجاز في بناء كلٍ من الجزيء البروتيني ولبناته من الأحماض الأمينية إلى التعقيد المعجز في بناء الخلية الحية‏,‏ وإلى تعاظم ذلك في بناء شفرتها الوراثية‏,‏ وإلى الأدوار المعجزة التي تقوم بها تلك الشفرة، اتضح للخلق من الأدلة المنطقية ما يخرس كل الأبواق المدعية‏.‏
فجميع خلايا الأحياء تتكون إما من الكربوهيدرات، أو من البروتينات‏,‏ أو منهما معاً‏.‏ والكربوهيدرات هي مركبات عضوية بسيطة تتكون جزيئاتها باتحاد ذرات الكربون مع كلٍ من ذرات الهيدروجين والأكسجين‏.‏ أما البروتينات فهي مركبات عضوية معقدة التركيب‏,‏ تتكون جزيئاتها العملاقة باتحاد ذرات الكربون بذرات كلٍ من الهيدروجين‏,‏ والأكسجين، والنيتروجين، بالإضافة إلى ذرات كلٍ من الكبريت، والفسفور‏ ـ أحياناً‏ ـ‏ لتكون سلاسل عملاقة من الأحماض الأمينية التي نعرف منها عشرين نوعاً في جزيئات البروتين العملاقة‏,‏ تنتظم في ترتيب محدد‏,‏ وأعداد محددة‏,‏ وفي تتابعات محددة‏,‏ ووسائط ترابط محددة‏,‏ بل إن من المدهش حقاً أن نجد أن جميع جزيئات الأحماض الأمينية المكونة للبروتينات تترتب فيها الذرات ترتيباً يساريا‏ًً,‏ وتترتب هي في الجزيء البروتيني ترتيباً يسارياً كذلك‏.‏
ويحتوي جزيء الحمض الأميني على مجموعة أمين‏(NH2)
‏ بالإضافة إلى مجموعة الحمض‏,‏ وقد توجد مجموعة الأمين في عدة مواضع‏,‏ ولكنها في أجساد الكائنات الحية توجد في موضع محدد‏,‏ إذا تغير انهار هذا البناء‏.‏
ومن المدهش أيضاً ملاحظة أنه بمجرد وفاة الكائن الحي فإن جزيئات الأحماض الأمينية المكونة للبروتينات في جسده تبدأ في إعادة ترتيب ذراتها إلى الترتيب اليميني بمعدلات ثابتة يمكن أن تعين على تحديد لحظة الوفاة بدقة فائقة‏.‏
وهذه الملاحظات غيض من فيض بدأ ينساب به علم الحياة الجزيئي‏,‏ والذي ينفي بكل تأكيد الادعاء الباطل بعشوائية الوجود الأول للحياة‏,‏ وعشوائية تدرجها‏,‏ ويؤكد حقيقة الخلق وإعجازه‏,‏ وواجب الخضوع للخالق بالطاعة والعبادة‏.‏

ثالثاً‏: " ...‏ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ":‏
تؤكد المشاهدات المتأنية في الجزء المدرك من الكون دقة خلقه‏,‏ وإحكام حركاته‏,‏ وانتظام سنن الله فيه حتى يرث الله‏ ـ‏ تعالى ـ الأرض ومن عليها‏,‏ كما تؤكد أنه مليء بالمخاطر‏,‏ والتي تحمينا منها رعاية الله وعنايته ورحمته‏,‏ والتي لولاها لانتهى هذا الكون إلى العدم في طرفة عين أو أقل من ذلك، فالتقاء أضداد كلٍ من المادة والطاقة ينهي وجود الكون إلى العدم‏,‏ وأقل اختلال في القوى الممسكة بأطراف هذا الكون ومكوناته ولبناته ـ مثل قوى الجاذبية‏,‏ والكهرومغناطيسية‏,‏ والنووية الشديدة والضعيفة، والقوة الطاردة‏ (‏ النابذة‏)‏ المركزية ـ لابد وأن يؤدي إلى انفراط عقد الكون‏,‏ وأهون اضطراب في نطق الحماية التي جعلها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ حفظاً لأهل الأرض لأفنتهم الأشعات الكونية والشمسية المختلفة‏,‏ ولدمرتهم النيازك المتساقطة عليهم‏.‏
من هنا كان من أحب الأدعية إلى قلب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قوله الشريف‏:
‏ " اللهم لا تكلنا لأنفسنا ولا لأحد من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك‏. "‏
ومن هنا أيضاً كان وصف ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ لذاته العلية بقوله‏ ـ‏ عز من قائل ـ‏ في الآية التي نحن بصددها‏:‏
" ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ "‏(‏ الأنعام‏:102).‏ ويأتي العلم الكسبي في قمة من قممه مؤكداً أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ واحد لا إله إلا هو‏,‏ وأنه ـ‏ سبحانه وتعالى ـ خالق كل شيء‏,‏ وأنه ـ‏ جل جلاله‏ ـ‏ على كل شيء وكيل‏,‏ ومن هنا كانت عبادته واجبة‏(‏ بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة، ولا ولد‏),‏ وكان تنزيهه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ عن كل وصف لا يليق بجلاله أمراً واجباً‏,‏ وكان الخضوع له بالطاعة هو طوق النجاة في الدنيا والآخرة‏.‏
فالحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على الدوام‏,‏ وصلى الله وسلم وبارك على جميع أنبيائه ورسله، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين‏,‏ ونخص منهم بأفضل الصلاة وأزكى التسليم خاتمهم أجمعين، سيدنا محمد النبي الأمين، الذي بلغ الرسالة الخاتمة‏,‏ وأدى الأمانة حقها‏,‏ وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين‏,‏ فنسأل الله‏ ـ تعالى ـ‏ أن يجزيه خير ما جازى نبياً عن أمته‏,‏ ورسولاً على حسن أداء رسالته‏,‏ وأن يؤتيه الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة، والله‏ ـ تعالى‏ ـ رب ذلك والقادر عليه‏,‏ اللهم آمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏