" فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ‏ " (‏الصافات‏:142).


هـــذه الآية الكريمة جاءت في أوائل العشر الأخير من سورة الصافات‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏ (182)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بقسم من الله ـ وهو الغني عن القسم لعباده ـ وجاء القسم بملائكته الأطهار الذين وصفتهم السورة الكريمة بعدد من صفاتهم التي من أولاها أنهم لا ينفكون عن عبادة ربهم‏,‏ ويصطفون في طاعته صفوفاً منتظمة بأفضل مما يصطف كثير من عباد الله المكلفين، ويأتي جواب القسم بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ:" إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ‏ .‏ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ المَشَارِقِ‏ " (‏الصافات‏:4،5).‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة الكريمة حول عدد من الركائز الأساسية للعقيدة الإسلامية، وفي مقدمتها توحيد الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ توحيداً كاملا‏ًً,‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله، مثل نسبة الشريك‏,‏ أو الشبيه‏,‏ أو المنازع‏,‏ أو الصاحبة، أو الولد لذاته العلية‏,‏ وهذه كلها من صفات المخلوقين والله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ منزه عن جميع صفات خلقه‏:‏" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ‏ " ‏(‏الشورى‏:11)‏.
ومن ركائز العقيدة الإسلامية أيضاً الإيمان بملائكة الله‏ ورسله، وباليوم الآخر وأهواله‏,‏ وبالوحي وحقيقته وضرورته‏,‏ وبالبعث وحتميته‏,‏ وبالخلود في الآخرة إما في الجنة أبداً، أو في النار أبداً‏.‏ وللتدليل على حقيقة هذه الركائز الإيمانية استشهدت سورة الصافات بالعديد من حقائق الكون وظواهره على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ وعلى أن الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ قادر على إفناء خلقه‏,‏ وعلى بعثه من بعد إفنائه‏,‏ وكانت قضية البعث هي حجة الكافرين والمتشككين، والضالين الفاسدين عبر التاريخ‏:‏ " أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ‏ .‏ أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ‏ .‏ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ‏ " ‏(‏الصافات‏:16‏ ـ‏18)‏.
كذلك وظفت سورة الصافات هذه الإشارات الكونية في تفنيد دعاوى المبطلين من أهل الكفر والشرك والضلال‏,‏ وفي تطهير عقولهم المتخلفة‏,‏ ونفوسهم المريضة من هذا الكم الهائل من الخرافات والأساطير التي عششت في أدمغتهم بغوايات من شياطين الإنس والجن‏,‏ وأطماعهم في استلاب شيء من حطام هذه الدنيا الفانية‏.
واستعرضت سورة الصافات سِيَر عدد من الأنبياء والمرسلين الذين بعثوا قبل خاتمهم‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ منهم نوح‏,‏ إبراهيم‏,‏ إسحق‏,‏ موسى‏,‏ وهارون‏,‏ إلياس‏,‏ لوط‏,‏ ويونس‏ ـ‏ على نبينا وعليهم من الله السلام‏ ـ‏ وعرضت لشيء من تفاعل أممهم معهم، وكيف كان ثواب المصدقين وعقاب المكذبين من تلك الأمم‏.
كذلك عرضت السورة الكريمة لشيء من أحداث الآخرة، ومواقف كلٍ من المؤمنين المكرمين في الجنة‏,‏ والكافرين والمشركين المُعذَّبين في النار‏.‏
وتشير سورة الصافات إلى محاولات مردة الجن وشياطينهم من أجل استراق السمع على أهل السماء‏,‏ وأكدت أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ قد سخر الشهب الثاقبة لتتبعهم ودحرهم‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ قد توعدهم بعذاب شديد‏.‏
ثم توجه السورة الكريمة الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بالأمر الإلهي أن يسأل منكري البعث‏,‏ المستبعدين لإمكانية وقوعه أن ينظروا في خلقهم من طين لازب‏,‏ وإلى ضعفهم وحاجتهم إلى رعاية ربهم‏,‏ وهم محدودون بحدود مكان كل فرد منهم في بقعة محددة من الأرض‏,‏ وبحدود زمانه‏ ـ‏ أي عمره‏ ـ‏ ومقارنة ذلك بخلق السماوات والأرض بأبعادهما المذهلة‏,‏ وأجرامهما اللا نهائية‏,‏ وأعمارهما المتطاولة ‏(‏ إلى بلايين السنين‏)‏، فيدرك هؤلاء المنكرون للبعث أن الذي خلقهم من طين لازب‏,‏ وحددهم بحدود المكان والزمان‏,‏ وخلق الكون بهذا الاتساع الهائل‏,‏ وتلك الضخامة المذهلة قادر على بعث آبائهم الأولين وهم أذلاء صاغرون‏.‏
ثم تعرض سورة الصافات لوصف موقف من مواقف الآخرة‏,‏ وقد أطلقت صيحة البعث‏,‏ والناس يخرجون من قبورهم مشدوهين‏,‏ مذعورين‏,‏ فزعين‏,‏ ومن بينهم الذين كانوا ينكرونه في الدنيا‏,‏ ويسخرون من إمكانية وقوعه ولسان حالهم يقول:
‏" ..‏ يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ‏ "(‏الصافات‏:20)‏.
ويأتيهم الجواب الصادع‏:
"هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ .‏ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ‏ . مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوَهُمْ إِلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ‏ .‏ وَقِفُوَهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ‏ " ‏(‏الصافات‏:21‏ ـ‏24).‏
وتستطرد الآيات في استكمال عرض هذا المشهد من مشاهد الآخرة‏:‏ والكفار والمشركون‏,‏ والعصاة الفاسدون‏,‏ والظلمة المتجبرون على الخلق عاجزون كل العجز عن مناصرة بعضهم بعضا‏ًً,‏ والذين اتبعوا والذين اتبعوا من المشركين ومن شركائهم يتلاومون‏,‏ ويتبادلون تهم الضلال والغواية فيما بينهم‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ:‏
" فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العَذَابِ مُشْتَرِكُونَ‏ .‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ‏ .‏ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ .‏ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ .‏ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ‏ .‏ إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا العَذَابِ الأَلِيم‏ .‏ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏ "‏(‏الصافات‏:33‏ ـ‏39).‏
وفي قول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ في هذه الآيات الكريمات عن خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ما نصه‏:‏" بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ‏ "
(‏ الصافات‏:37)‏ فيه تأكيد من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لنبوة سيدنا محمد‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ولصدق رسالته‏,‏ وبرهان من خالق السماوات والأرض على وحدة رسالة السماء‏,‏ وعلى أخوة الأنبياء‏,‏ وهو في الوقت نفسه رد جازم قاطع من الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ على الذين كذبوا ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ وعلى الذين تطاولوا في الماضي القريب والبعيد‏,‏ أو يتطاولون اليوم على شخصه الكريم بألسنتهم البذيئة‏,‏ وأقلامهم المأجورة في محاولة يائسة للنيل من قدره، وهو الذي شرفه الله ـ‏ تعالى‏ ـ فوق جميع خلقه‏,‏ وختم ببعثته الشريفة دعوة جميع أنبيائه ورسله‏,‏ وجعله مثلاً أعلى للإنسانية في كمالها البشري‏,‏ ونموذجاً يُحتَذَى لمن أراد الجنة من إنسه وجنه‏،‏ وعلى الذين يقعون في هذه الخطيئة المنكرة‏,‏ ويتسترون خلف شاشات شبكة المعلومات الدولية أو ما يعرف باسم الشبكة العنكبوتية كخفافيش الظلام التي تهاب النور‏,‏ ينفثون من خلال تلك الشبكة أحقادهم الدفينة‏,‏ وسمومهم البغيضة‏,‏ وأحكامهم الجائرة المنطلقة من جهلهم الفاضح بالدين‏,‏ وعلى هؤلاء أن يدركوا أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ قادر على أن يشل ألسنتهم‏,‏ وأن يجمد الدماء في عروقهم‏,‏ وأن يجعلهم عبرة للمعتبرين كما جعل من أمثالهم السابقين، وهو سبحانه يمهل ولا يهمل‏.‏ وتقارن الآيات في سورة الصافات بين إكرام الله ـ‏ تعالى ـ لعباده المؤمنين في الآخرة بتنعيمهم في جنات الخلد‏,‏ وبالفوز العظيم برضاه‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ وبين إذلاله للكفار والمشركين في نار جهنم‏,‏ وهم يصطلون بجحيمها‏,‏ ويأكلون من زقُّومها‏,‏ ويغرقون في شوبٍ من حميمٍ فيها‏.‏ وتستمر الآيات في سورة الصافات لتؤكد أن أكثر الأمم السابقة قد ضلوا ضلالاً بعيداً على الرغم من إرسال الأنبياء والمرسلين إليهم منذرين من مغبة الكفر بالله أو الشرك به‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ ومن مغبة معصيته والخروج عن المنهج الذي وضعه لاستقامة الحياة على الأرض‏,‏ وفي إثبات ذلك استعرضت هذه السورة المباركة سِيَر عدد من أنبياء الله ورسله، مجلية معيَّة الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ لهم وللذين آمنوا معهم من عباده الصالحين‏,‏ ورحمته بهم‏,‏ وتعهده بنصرتهم على أعدائهم‏,‏ ودحر الكفار والمشركين والتنكيل بهم في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ:‏
" وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ‏ .‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ‏ .‏ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنذَرِينَ‏ " (‏الصافات‏:71‏ ـ‏73)‏.
وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ‏ ليقوم بالرد على عدد من الخرافات والأساطير التي ابتدعها أهل الزيغ والضلال من الكفار والمشركين‏,‏ والتي منها الادعاء الباطل بوجود نسب بين الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وبين الجن‏,‏ وأنه بناءاً على هذه العلاقة المختلقة الكاذبة كانت الملائكة الذين ادعى المبطلون عليهم كذباً بأنهم إناث‏,‏ وهم ليسوا كذلك‏. وكذلك الادعاء الباطل على الله‏ ـ تعالى‏ ـ بنسبة الصاحبة أو الولد إليه، وهما من صفات المخلوقين‏,‏ والله‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ منزه عن جميع صفات خلقه، ولذلك قال‏ ـ‏ عز من قائل ـ:‏
" فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ البَنَاتُ وَلَهُمُ البَنُونَ‏ . أَمْ خَلَقْنَا المَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ‏ . أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ‏ .‏ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ .‏ أَصْطَفَى البَنَاتِ عَلَى البَنِينَ .‏ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏ . أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ .‏ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ .‏ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏ .‏ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ . سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ " ‏(‏ الصافات‏:149‏ ـ‏159).‏
وتكرر السورة الكريمة في خواتيمها وعد الله لأنبيائه ورسله ولجنده المؤمنين بالنصر والتمكين‏,‏ ووعد الله حق لا يخلف‏,‏ ولذلك تطالب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ باعتزال الكفار والمشركين؛ لأنهم يستعجلون نزول عذاب الله‏,‏ وهو واقع بهم لا محالة‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ:‏
" وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ‏ .‏ إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ .‏ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ .‏ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ‏ .‏ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ .‏ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ‏ .‏ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنذَرِينَ‏ .‏ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ . وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ‏ "‏(‏الصافات‏:171‏ ـ‏179).
‏ وتختتم سورة الصافات بخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ وإلى كل مؤمن آمن به وبهم‏,‏ يؤكد تنزيه الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وإفراده ـ جل شأنه‏ ـ‏ بالربوبية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ ويؤكد كذلك على الأخوة بين جميع الأنبياء والمرسلين‏,‏ وعلى ضرورة الحمد لله رب العالمين الذي يقول في ختام هذه السورة المباركة مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله‏:‏
" سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ‏ .‏ وَسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ .‏ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ‏ " (‏الصافات‏:180‏ ـ‏182).‏

نبي الله يونس في القرآن الكريم:
سمَّى ربنا ـ تبارك وتعالى ـ باسم عبده ونبيه يونس‏ ـ عليه السلام ـ إحدى سور القرآن الكريم‏,‏ وذكره ست مرات في هذا الكتاب المجيد‏،‏ وجاء ذلك باسمه الصريح في أربع منها‏(‏ النساء‏:163;‏ الأنعام‏:86,‏ يونس‏:98;‏ والصافات‏:139),‏ ومرة بكنيته‏:‏" ذَا النُّونِ‏ " (‏ الأنبياء‏:87),‏ ومرة أخرى بصفته‏:‏" صَاحِبِ الحُوتِ " ‏(‏ القلم‏:48).‏
وهذا النبي الكريم عرَّفه لنا المصطفى ‏(‏ صلى الله عليه وسلم‏)‏ باسم يونس بن متى وذلك بقوله الشريف‏:
‏ " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " ‏(‏ البخاري ومسلم‏)‏.
ونبي الله يونس بن متى بعث إلى أهل نينوى، وهي محافظة في الشمال من أرض العراق ‏(‏ التي ندعو الله تعالى أن يطهرها من دنس الغزو الأنجلو أمريكي الصهيوني‏/‏ الصليبي الحاقد في أقرب وقت إن شاء الله تعالى‏)،‏ وتعرف هذه المحافظة اليوم باسم محافظة الموصل‏،‏ ومدينة نينوى كانت عاصمة للإمبراطورية الآشورية بعد مدينة آشور‏,‏ ويرجع ذلك إلى الألف السادسة قبل الميلاد‏,‏ وإن لم تصل أوج ازدهارها إلا في النصف الأول من الألف الأخيرة‏‏ قبل الميلاد، ثم دُمِّرت في سنة‏ 612‏ قبل الميلاد‏,‏ وبقيت أطلالها على الضفة الشرقية من نهر دجلة في مقابلة مدينة الموصل تقريبا‏ًً,‏ ولا يفصلهما إلا النهر‏,‏ وعلى الرغم من تدمير المدينة إلا أن بعض القبائل العربية قد سكنتها حتى العصور الوسطى‏.‏
وكان أهل نينوى قد انتكسوا إلى عدد من الوثنيات القديمة، فعبدوا الأصنام بعد أن كانوا على التوحيد الخالص لله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ فبعث الله إليهم نبيه يونس بن متى‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ يدعوهم إلى الإسلام‏,‏ ويردهم إلى التوحيد من جديد‏,‏ وبعد أن أقام فيهم ردحاً من الزمن يدعوهم عصوه وكذبوه‏,‏ فهددهم بعذاب الله‏,‏ وتوعدهم به‏,‏ ثم خرج غاضباً من بين ظهرانيهم قبل أن يأذن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ له بالخروج، فلامه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على ذلك بقوله‏ ـ عز من قائل‏ ـ:‏
" وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ .‏ إِذْ أَبَقَ إِلَى الفُلْكِ المَشْحُونِ‏ .‏ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ‏ . فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيم .‏ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ‏ . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏ . فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ‏ .‏ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ .‏ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ‏ .‏ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ‏ "‏      ‏(‏الصافات‏:139‏ ـ‏148).‏
ومعنى هذه الآيات المباركات أن يونس ـ عليه السلام‏ ـ‏ حين خرج من نينوى مغاضباً لقومه ركب البحر في محاولة للابتعاد عنهم‏,‏ ولكن ـ على عادة القرآن الكريم الذي لا يدخل في التفاصيل الدقيقة للحدث حتى لا يصرف القارئ عن العبرة منه ـ لم يذكر لنا اسم البحر‏,‏ وهنا تساءل المفسرون هل وقع هذا الحدث التاريخي في إحدى البحيرات القريبة من نينوى مثل بحيرة إرميا في أقصى الشمال الغربي من إيران؟، أو في البحر الأبيض المتوسط ؟، أو في أيٍ من بحر قزوين أو البحر الأسود؟، وهي البحار الكبرى حولَ نينوى؟.
الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ وحده الذي يعلم حقيقة هذا البحر الذي التقم أحد حيتانه العملاقة نبي الله يونس‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ الذي مع هول المفاجأة ظل يردد‏:‏ " لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ " (الأنبياء:87)، فاستجاب الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ لاستغاثته‏,‏ وأمر الحوت أن يلفظه على الشاطئ بعد هذه التجربة القاسية لعله يفهم العظة من الدرس الذي تلقاه، والتي تتلخص في أنه‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ ما كان له أن يتصرف في شأن من شئون الدعوة التي كلفه الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ بها بغير إذن منه.
وتروي لنا الآيات بعد ذلك أن يونس الذي ألقى الحوت به على الساحل وهو في حالة من الذهول والإعياء والهزال الشديد‏,‏ وأنبت الله‏ ـ تعالى‏ ـ عليه شجرة من يقطين‏ سترته‏,‏ وأظلته‏,‏ وربما تناول شيئاً من ثمارها‏,‏ ولامست جسده أوراقها العريضة، فعُوفِيَ من سقمه‏,‏ وغفر له ما تقدم من ذنبه‏,‏ ثم عاد إلى قومه الذين رأوا أن إرهاصات العذاب الذي توعدهم به نبيهم قد بدأت في الظهور، فسارعوا بالتوبة إلى الله ـ‏ تعالى ـ وبالإنابة إليه حتى كشف عنهم العذاب‏,‏ وعادوا مسلمين موحدين لله‏ ـ‏ تبارك اسمه‏ ـ‏ مقيمين لشعائره‏,‏ نابذين لجميع ما سبق لهم أن عبدوه من أصنام وأوثان‏,‏ فسعد بهم يونس وسعدوا به‏,‏ وعاش بينهم داعياً إلى الله على بصيرة حتى لقي ربه راضياً مرضياً بإذن الله‏.‏
وعاش أهل نينوى على الإسلام الصافي لعدة قرون بعد نبيهم يونس بن متى ـ عليه السلام‏ ـ‏ ولكن بدأت الانحرافات عن منهج الله تجتاح أهل هذه المحافظة بالتدريج حتى عادوا إلى وثنياتهم القديمة فضلوا‏‏ وأضلوا‏,‏ وإن بقي بينهم بعض الأحناف الذين تمسكوا ببقايا الحق القديم‏,‏ وكان منهم عداس مولى ولدي ربيعة الذي لقيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ في طريق عودته من الطائف إلى مكة المكرمة، وشهد لسيدنا محمد‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بالنبوة وبالرسالة لمجرد تسميته باسم الله قبل تناول الطعام‏,‏ وذكره لنبي الله يونس بن متى‏.‏
ومع تفشي الشرك بالله‏,‏ والعودة إلى عبادة الأوثان والأصنام، غضب الله على أهل نينوى، فسلط عليهم من دمر إمبراطوريتهم في حدود سنة ‏612‏ ق‏.‏ م‏،‏ فأصبحت أثراً بعد عين‏,‏ وأحاديث يرويها كل من المؤرخين‏,‏ والآثاريين‏,‏ ودروساً يعتبر بها أصحاب البصائر والعقول إلى يومنا الراهن وإلى أن يشاء الله‏.
وفي الترجمة الإنجليزية لسفر يونان من العهد القديم جاء ذكر أن الذي ابتلع يونس سمكة، والذي أظله شجرة عنب، وفي الترجمة العربية جاء ذكر الحوت وشجرة اليقطين والنشرة العربية صادرة عن دار‏(‏ الكتاب المقدس في الشرق الأوسط والانجليزية صادرة عن:
‏Thompson Chain Reference Bible,
New International Version .1978



من ركائز العقيدة في سورة الصافات:
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وبملائكته‏,‏ وكتبه، ورسله‏,‏ وباليوم الآخر‏,‏ وتوحيده‏ ـ‏ جل شأنه‏ ـ‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله من نحو نسبة الشريك‏,‏ أو الشبيه‏,‏ أو المنازع‏,‏ أو الصاحبة، أو الولد‏,‏ وكلها من صفات المخلوقين‏,‏ والله الخالق منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ فهو رب السماوات والأرض وما بينهما ورب كل شيء ‏.‏
(2)‏ التسليم بحتمية البعث بعد الموت وأهواله‏ رغم تكذيب المكذبين‏,‏ وإرهاصات الكافرين‏,‏ وتشكيك المتشككين ممن انحط مدلول الألوهية عندهم إلى البشرية الهزيلة‏,‏ فقاسوا على الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بمقاييس البشر، فاستحال عليهم فهم إمكانية البعث استحالة كاملة‏.‏
‏(3)‏ التصديق بأن مصير الكفار والمشركين وأعوانهم جميعاً إلى نار جهنم‏,‏ وهم في العذاب مشتركون‏,‏ ومن هؤلاء من كان يستكبر في الدنيا على كلمة التوحيد‏,‏ ومن تطاول على خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وقد جاء بالحق وصدقهم أجمعين دون أدنى تمييز أو تفريق‏,‏ ومنهم من كفر ببعثته الشريفة على الرغم من وضوح حجته وضوح الشمس في رابعة النهار‏,‏ ومنهم من تطاول على كتاب الله، وهو الحق الوحيد الموجود بين أيدي الناس اليوم في قضية الدين‏.‏ ‏
(4)‏ الإيمان بأن عباد الله المخلصين سوف يكرمهم الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بإدخالهم في جنات النعيم‏,‏ والتسليم بكل صور التكريم التي وعدهم بها ربهم الكريم‏.‏ ‏
(5)‏ التصديق بكل صور العذاب الذي لحق بجميع الذين اتبعوا آباءهم على ضلال فضلوا‏ من الأمم السابقة التي جاءتهم رسلهم بالإنذار من رب العالمين، فاستخفوا بهم وبرسالتهم، ولذلك أصابهم العذاب الأليم‏.‏ والتصديق كذلك بكل صور التكريم التي كرم بها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ عباده المُخلَصِين من الأنبياء والمرسلين‏,‏ ومن تبعهم بإحسان في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وما جزاء الدنيا في الآخرة إلا قليل‏، والإيمان بقصص الأنبياء وبجميع القصص الذي جاء بالقرآن الكريم‏.‏
‏(6)‏ الإيمان بتنزيه الله ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ عن كل وصف وصفه به أهل الكفر والشرك والضلال ممن جعلوا بينه وبين الجنة نسبا‏ًً,‏ أو ادعوا له صحابة وولداً‏,‏ فالله‏ ـ جل شأنه‏ ـ‏ لا يوصف إلا بما وصف به ذاته العلية‏,‏ ومن ذلك مغايرته لجميع خلقه‏:‏" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ‏ " ‏(‏الشورى‏:11).‏
‏(7)‏ اليقين بأن النصر في النهاية لعباد الله المخلصين‏,‏ وإن علا الباطل وزاد‏,‏ واستعلى وتجبر‏,‏ فالأمور كلها بيد الله يصرفها حسب مشيئته‏,‏ وهو‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ لا يرضى للكافرين أن يسودوا عباده المؤمنين‏.‏


من الدلالات العلمية لقول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ: " فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ‏ "‏ (الصافات:142):
وردت لفظة ‏(‏ حُوت‏)‏ بالمفرد والجمع في القرآن الكريم خمس مرات بمعنى صيد البحر‏,‏ وجاءت في أربع منها بمعنى السمكة أو السمك‏,‏ وفي مرة واحدة جاءت بمعنى أضخم حيوان بحري‏,‏ أو أضخم حيوان عَمَّر الأرض على الإطلاق، وهو حيوان الحوت عديم الأسنان لكي يكون قادراً على ابتلاع رجل كامل دون أن يؤذيه؛ لضخامة فمه، وانعدام أسنانه‏,‏ وضيق حلقه عن ابتلاعه في جوفه‏,‏ ووفرة الأكسجين في مجاري تنفسه‏.‏والتعبير‏(‏ حوت‏)‏ يطلق على ما عَظُمَ وما قل من صيد البحر؛ لأنه مشتق من الفعل‏(‏ حَاوَتَ‏)‏ بمعنى رَاوَغَ‏.‏ وأغلب الحياة البحرية تجيد المراوغة في محاولة للنجاة بنفسها من الافتراس أو الصيد‏,‏ ولذلك يطلق لفظ‏ (‏ الحوت‏)‏ على أغلب أنواع الحياة المتحركة في الأوساط المائية، ومنها الأسماك، والحيتان، والدلافين وأشباهها‏.والحيتان ‏(Whales)‏
حيوانات بحرية‏,‏ ثديية‏,‏ لبونة‏,‏ ذات دم حار‏,‏ لكل فرد منها رئتان يتنفس بهما الهواء مباشرة، وليست لها خياشيم كالأسماك‏.‏ والحيتان تلد‏,‏ وترضع الأنثى فيها صغارها‏,‏ وتضم الحيتان بمختلف أنواعها والدلافين‏(Dolphins)‏ أو الجوثيات في رتبة واحدة تعرف باسم رتبة الحوتيات‏ (OrderCetacea).
ومن الحيتان ماله أسنان‏,‏ ومنها عديم الأسنان‏,‏ وتتميز الحيتان عموماً بأجسامها الانسيابية التي ترق في اتجاه الذيل، وبذلك تشبه أجسام الأسماك حتى تتواءم مع طبيعة حياتها البحرية‏,‏ وإن كانت أحجامها تفوق أكبر الأسماك حجماً بأضعاف كثيرة‏.‏ ويساعد على حركة أجسام هذه الحيتان العملاقة ذيل على هيئة زعنفة أفقية‏ ـ‏ بينما زعانف الأسماك رأسية‏ ـ‏ ويغطي أجساد الحيتان طبقة سميكة من الدهن‏(5‏ سم ــ‏30‏ سم في السمك‏)‏ تعمل على حماية جسم الحوت من البرد‏,‏ وتحفظ له درجة حرارة ثابتة‏.‏ وجسم الحوت نظيف من الطفيليات بصفة عامة‏,‏ فإن وجدت فتحيا حياة خارجية على الزعانف والذيل‏،‏ وعلى الرغم من أن الحوت يسبح قريباً من سطح الماء في البحر حتى يتسنى له رفع رأسه فوق سطح الماء للتنفس بالهواء الذي يعلوه كل‏(10)‏ إلى‏(15)‏ دقيقة، إلا أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ قد أعطاه القدرة على الغوص إلى أعماق من البحار والمحيطات متوسطة‏(100‏ متر‏)‏ وعميقة‏(‏ أكثر من‏500‏ متر‏)‏، والحيتان لها قدرة على الحركة حتى في تلك الأعماق من البحار والمحيطات والبقاء فيها من‏10‏ ــ‏15‏ دقيقة وبحد أقصى‏50‏ دقيقة ثم تصعد إلى السطح‏.‏
ومن أضخم أنواع الحيتان على الإطلاق‏,‏ بل أضخم حيوان عاش على أرضنا عبر تاريخها الطويل هو نوع من أنواع الحيتان عديمة الأسنان يعرف باسم الحوت الأزرق، ويتبع رتيبة خاصة تعرف باسم رتيبة الحيتان عديمة الأسنان‏ (SuborderMysticeti)
‏، ويتميز هذا الحوت الأزرق العملاق ‏(The Blue Whale = Balaenopteramusculus)‏ بلون جلده الأزرق المائل إلى الدكنة‏ ـ‏ أو اللون الرمادي‏ ـ‏ والمنقط بعدد من النقاط الأفتح قليلا في اللون‏,‏ وهو صاحب أضخم جثة لكائن حي عَمَّر الأرض في القديم والحديث‏,‏ وصاحب أعلى نبرة صوت لكائن حي‏,‏ ويصدر عن الحيتان أصوات عميقة ومدوية ذات ذبذبات منخفضة تنتشر إلى مسافات بعيدة في الوسط المائي مما يمكنها من الاتصال ببعضها بعضا عبر مئات الأميال‏.‏ ويتراوح طول الفرد البالغ من الحيتان الزرقاء بين‏20‏ مترا‏ً‏ًً و‏33‏ متراً‏,‏ ويتراوح وزنه بين‏90‏ طنا‏ًً‏ و‏180‏ طناً‏,‏ ويكون رأسه ربع طول جسده‏,‏ وجسمه الطويل يستدق في اتجاه الذنب، وهذا العملاق الذي وهبه الله ـ تعالى ـ بسطة في الجسم‏(‏ لم يهبها لمخلوق آخر نعرفه‏)،‏ يتميز بالهدوء الشديد‏,‏ وبالحياء والخجل‏,‏ وهو يسبح على سطح مياه البحار والمحيطات بسرعة تتراوح بين‏20‏ كيلو متر‏/‏ ساعة و‏50‏ كم‏/‏ ساعة‏، ويعيش في مجموعات صغيرة أو كبيرة‏,‏ ويتراوح عمر الفرد من أفراده بين‏30‏ و‏80‏ سنة‏.‏
وأنثى الحوت الأزرق أكبر حجماً من الذكر‏,‏ مما يعينها على حمل ورعاية صغارها‏,‏ وتبدأ الإناث في الحمل من سن‏(5)‏ ـ‏(10)‏ سنوات‏,‏ وتضع مولوداً واحداً كل‏(2)‏ ـ‏(3)‏ سنوات‏‏ بعد فترة حمل تطول من‏(10)‏ إلى‏(12)‏ شهرا‏ًً.‏ وعجل الحوت الأزرق يرضع من أمه أكثر من خمسين جالوناً من اللبن في اليوم الواحد‏,‏ ويزداد وزنه بمعدل عشرة أرطال في الساعة ـ أي أكثر من‏200‏ رطل في اليوم ـ وذلك في أسابيعه الأولى‏،‏ وعند مولده يصل طول عجل الحوت الأزرق إلى سبعة أمتار‏,‏ ووزنه إلى طنين‏,‏ وبعد سنة من العمر يصل طوله إلى‏18‏ مترا‏ًً,‏ وتواصل الأم إرضاع صغيرها ما بين‏(7)‏ ـ‏(8)‏ شهور‏,‏ وبحد أقصى إلى سنة ثم يفطم‏.
وقد جارت شركات صيد الأسماك على الحوت الأزرق طوال النصف الأول من القرن العشرين حتى كادت تفنيه‏,‏ ومثَّل صيده‏90%‏ من صناعة صيد الحيتان حتى وصل مجموع ما تم صيده في فصل واحد من فصول الصيد في سنة‏1931‏ م أكثر من ثلاثين ألفاً من الحيتان الزرقاء فقط، ونتيجة لذلك أخذت أعدادها في التناقص المستمر في مختلف البحار والمحيطات حتى أوشك هذا النوع العملاق على الانقراض‏,‏ وليس أدل على ذلك من أن الأعداد المتوقعة اليوم من هذا الحيوان العملاق لا تكاد تتعدى الأحد عشر ألفاً من أصل يزيد على المائتي ألف، وذلك بفعل كلٍ من الصيد الجائر والتلوث البيئي‏.‏
ويتميز الحوت الأزرق بأنه عديم الأسنان‏,‏ وعوضاً عنها زوده الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بعدد من الألواح القرنية التي تتكون من مادة تعرف باسم الكيراتين‏(Keratin),‏
يتراوح بين الثلاثمائة والأربعمائة لوح تعرف باسم البالينات‏(Baleens)‏، وتتدلى من جانبي الفك العلوي‏,‏ ويخرج من كل واحدة من تلك الألواح شعيرات دقيقة في نهاياتها الداخلية باتجاه اللسان‏,‏ وهذه الألواح يبلغ طول الواحد منها أكثر من المتر، ويتناقص إلى حوالي نصف المتر في اتجاه مقدمة الفم‏,‏ ويتسع فم الحوت الأزرق ليحتوي خمسين طناً من الماء في الرشفة الواحدة؛ لأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ قد زود جسمه بحوالي‏50‏ ــ‏70‏ طية تمتد من بداية الفك السفلي إلى منتصف أسفل الجسم‏ ـ‏ السُّرَّة‏ ـ لتساعد على الانتفاخ عند أخذ هذا الكم الهائل من مياه البحار والمحيطات‏,‏ وما بها من مختلف صور الحياة الهائمة‏ ـ الطافية‏ ـ والسابحة‏,‏ وفي مقدمتها صغار القشريات الشبيهة بالجمبري، والتي تعرف باسم كريل‏(Krill).‏ وعند إغلاق الحوت الأزرق لفمه فإن الماء يطرد من خلال ألواح البالينات التي تمسك بما كان فيها من كائنات حية في جهة اللسان من أجل ابتلاعه‏,‏ ويخرج الماء الصافي من جانبي الفم؛ لأن بوزه عريض جداً ومُسطَّح على هيئة حرف‏(U)‏، وبداخله حافة وحيدة عند مقدمة الفم‏، وبذلك يمكن للفرد البالغ من الحيتان الزرقاء أن يأكل ما بين‏4‏ و‏6‏ أطنان من أحياء البحر الهائمة والسابحة في اليوم الواحد، والتي يبلغ عددها في المتوسط أربعين مليوناً من الكائنات الحية‏.‏
والحيتان الزرقاء تمضي فصلي الخريف والشتاء في كلٍ من المناطق المعتدلة وشبه الاستوائية حيث تتكاثر‏,‏ وتنتقل في كلٍ من الربيع والصيف إلى المناطق الباردة والقطبية حيث الوفرة في الغذاء الذي تحتاجه‏، ولا يعرف أحد كيف تتوجه الحيتان في مياه البحار والمحيطات لمثل هذه المسافات الطويلة‏,‏ وربما تستخدم في ذلك المجال المغناطيسي للأرض‏,‏ أو الموجات الصوتية التي تحدثها في رسم خرائط طبوغرافية لقاع المحيط وتحديد المواقع عليها بدقة بالغة‏.‏
وللحوت الأزرق منخاران في قمة الرأس يستخدمهما للتنفس فوق سطح الماء‏,‏ ويندفع منهما الماء بشدة إلى أعلى لحوالي العشرة أمتار أثناء الزفير على هيئة النافورة‏,‏ ويمكن أن يسمع صوت ذلك لعدة أميال‏.‏ ولبعض الحيتان منخار واحد فقط‏.‏ والعضلات القوية للحوت الأزرق التي أعطته اسمه العلمي‏,‏ خاصة عضلات زعانفه الذيلية تعينه على المناورة بجثته الهائلة إلى أعلى أو إلى أسفل‏,‏ وكائن بهذا الحجم العملاق لو عاش على الأرض لانسحق هيكله العظمي تحت وزنه الكبير‏,‏ ومن هنا كانت حكمة الله البالغة في جعل الحيتان كائنات بحرية حتى يحملها ماء البحار والمحيطات‏,‏ ولو قُدِّر لكائن بهذا الحجم العملاق أن يحيا على اليابسة ما كان ممكناً له أن يجد على اليابسة طعاما يكفيه‏.‏
وكل شيء في الحوت الأزرق عملاق، فمتوسط طول الفرد البالغ منه‏(25)‏ متراً للذكر‏,(29)‏ متراً للأنثى‏,‏ ومتوسط وزنه يتراوح بين‏150‏ و‏175‏ طناً‏,‏ مما يصل به إلى حجم الطائرة البوينج العملاقة‏,‏ وقلبه الذي يزن‏-45‏ كيلو جراماً يصل إلى حجم سيارة من السيارات الصغيرة، ويضخ‏(6400)‏ كيلو جرام من الدم إلى مختلف أجزاء الجسم‏,‏ ولسانه الذي يمتد لأكثر من سبعين متراً في المتوسط يتسع لخمسين رجلاً بالغاً للوقوف عليه‏,‏ وبلغ من ضخامة عروقه أن رجلاً بالغاً يمكن له أن يزحف داخلَ أحد عروق الدم الرئيسية في جسمه مثل الأبهر‏ ـ‏ الأورطة ـ‏ بمنتهي السهولة‏.‏

من هذا العرض يتضح أن الحوت الذي سخَّره الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ لابتلاع سيدنا يونس بن متى‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ وبما كان من نوع الحوت الأزرق الذي كان يملأ بحار ومحيطات الأرض في عهده‏,‏ وإن كانت هذه معجزة‏,‏ والمعجزات لا تعلل؛ لأنها خوارق للسنن‏,‏ إلا أن من رحمة الله بنا أن أبقيى لنا الحيتان ـ بصفة عامة ـ والحيتان الزرقاء ـ بصفة خاصة ـ بضخامتها التي نشهدها‏,‏ وسعة أفواهها التي تتسع لأكثر من خمسين رجلا‏ًً,‏ وانعدام أسنانها‏,‏ ومطاطية حلوقها‏,‏ وضيق بلاعيمها التي لا تتسع لابتلاع أكثر من الكائنات الدقيقة الهائمة أو السابحة في الطبقة العليا من مياه البحار والمحيطات‏,‏ واضطرارها للارتفاع برؤوسها فوق سطح الماء لكي تتنفس الهواء مرة كل‏(10)‏ إلى ‏(15)‏ دقيقة‏,‏ ونظافة أجسادها من الطفيليات بصفة عامة‏,‏ وغير ذلك من الصفات التي اختص الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ‏ بها الحيتان الزرقاء‏,‏ لكي ييسر على الإنسان فهم إمكانية حدوث تلك المعجزة، فلا يستصعب حدوثها ـ ولو أن الله لا يصعب شيء على قدرته‏ ـ ومن الغريب أنه في الترجمة الانجليزية لسفر يونان جاءت الإشارة إلى أن الذي ابتلع يونس بن متى سمكة كبيرة‏,‏ وأن الذي أظلته شجرة عنب‏,‏ وفي الترجمة العربية ابتلعه حوت وأظلته شجرة من يقطين‏(‏ يقطينة‏)‏، ولا نجد تفسيراً لهذا الاختلاف إلا النقل عن القرآن الكريم في الطبعة العربية‏.‏
والإشارة في الآية الكريمة التي نحن بصددها إلى الحوت ـ دون غيره من الحيوانات البحرية ـ للقيام بهذه المعجزة لمما يؤكد أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏,‏ في نفس لغة وحيه ـ‏ اللغة العربية ـ على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد وإلى أن يرث الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ الأرض ومن عليها‏.‏
فالحمد لله الذي أنعم علينا برسالته الخاتمة‏,‏ والحمد لله الذي أكرمنا ببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ الذي جعل ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ منه مثلاً أعلى للأنبياء‏,‏ وتجسيداً حياً للبشرية في كمالها الإنساني‏,‏ حتى تبقى سيرته العَطِرَة على مر التاريخ مثلا يُحتَذَى‏,‏ ونوراً يُجتَلَى في فهم حقيقة رسالة الإنسان في هذه الحياة‏,‏ وفي معرفة كيفية تحقيق تلك الرسالة على الوجه الذي يرتضيه الله‏,‏ فيفوز بخيري الدنيا والآخرة‏، والحمد لله على حفظ كتابه الخاتم وسنة نبيه الخاتم هذا الحفظ المعجز الذي أبقى ـ تعالى ـ خاتم الأنبياء والمرسلين هادية للخلق أجمعين، وكأنه لا يزال ماثلاً بين ظهراني الثقلين إلى يوم الدين‏,‏ يأمر بأوامر الله‏,‏ وينهى بنواهيه.‏
فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين حمد العابدين الشاكرين‏,‏ وهي آخر دعوى المحسنين‏.‏