" وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين‏ " (المؤمنون: 20).


هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية الخمس الأول من سورة (المؤمنون)، وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ‏(118)‏ بعد البسملة‏,‏ ويدور محورها الرئيسي حول قضية الإيمان بالله‏,‏ وصفات المؤمنين بألوهيته‏,‏ وربوبيته‏,‏ ووحدانيته‏,‏ ودلالات ومؤشرات التوحيد الخالص لله‏,‏ وتنزيهه‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ ومقارنة هذا الإيمان الصادق بأضداده من الشرك بالله أو الكفر به ـ‏ تعالى الله عن ذلك الضلال علواً كبيراً ‏.‏
وقد سميت السورة باسم‏ (‏المؤمنون‏)‏ إشادة بهم‏,‏ وتأكيداً على فضائلهم‏,‏ وتمييزاً لهم عن غيرهم ممن استزلهم الشيطان فأغرقهم في أوحال الشرك أو الشك أو الكفر بالله‏ .‏
وهذه السورة الكريمة بشارة للمؤمنين برضاء الله عنهم ‏.‏ لذلك استهلت بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ .الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ .وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ .وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ .وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ .إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ .فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ .وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ .وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ .أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ .الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏"   (‏المؤمنون‏:1‏ ـ‏11)‏.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى استعراض عدد من آيات الله في الخلق للدلالة على طلاقة قدرة الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ وفي مقدمة تلك الآيات خلق الإنسان من طين‏,‏ ومروره بمراحل الجنين المتتالية في تتابع خلقه حتى أنشأه الله ـ‏ تعالى‏ ـ خلقاً آخر‏,‏وحتمية موته ثم بعثه في يوم القيامة‏,‏ ومن تلك الآيات خلق سبع سموات متمايزة‏,‏ وإنزال الماء من السماء بقدر‏,‏ وإسكانه في الأرض‏,‏ علماً بأن الله‏ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قادر على الذهاب به‏ .

 وتتضح القدرة الإلهية المبهرة في إنبات الأرض بمجرد إنزال الماء عليها‏,‏ وإنشاء جنات من نخيل وأعناب وغيرها من أشجار‏,‏ ونباتات الحبوب والثمار‏,‏ والفواكه والخضروات الكثيرة ليأكل منها الإنسان وأنعامه‏,‏ وغير ذلك من الحيوانات آكلة الأعشاب‏,‏ وخصت هذه السورة المباركة من بين ذلك كله شجرة الزيتون التي وصفتها بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ‏"‏   (‏المؤمنون‏:20)‏.وتحدثت الآيات عن معجرة خلق الأنعام‏,‏ وتكوين اللبن في أضراعها من بين دمها والفرث في أحشائها‏,‏ وما في تلك الأنعام من منافع عديدة للإنسان‏,‏ وأشارت إليها وإلى الفلك كوسيلة من وسائل النقل لهذا المخلوق المكرم من الله ‏.‏وبعد ذلك انتقلت السورة الكريمة إلى سرد قصص عدد من أنبياء الله ورسله الذين اصطفاهم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لهداية أممهم‏,‏ وأكدت أن رسالتهم جميعاً كانت رسالة واحدة، ألا وهي التوحيد الخالص لله‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة، ولا ولد‏,‏ وكانت دعوة كل واحد منهم إلى أمته دعوة واحدة تعبر عنها السورة الكريمة بقول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ  :‏  " أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ "    (المؤمنون:32) .
وسجلت سورة (‏المؤمنون‏)‏ تفاعل تلك الأمم مع رسالات ربهم‏,‏ ومن هذه الأمم أمة كل من أنبياء الله نوح‏,‏ وهود‏,‏ وصالح‏,‏ وأعداد أخرى أرسلهم الله نبياً إثر نبي‏,‏ ورسولاً إثر رسول‏,‏ حتى جاء زمان موسى وهارون‏,‏ ثم زمان عيسى ابن مريم‏ ـ على رسولنا وعليهم جميعا من الله السلام ـ‏ وكان أمر الله ـ‏ تعالى ـ‏ إليهم واحداً، مؤكداً على وحدة رسالة السماء‏,‏ وعلى الأخوة بين الأنبياء‏,‏ وعلى وحدة الجنس البشري كله‏,‏ وإن كان أتباع تلك الرسالات قد تفرقوا‏,‏ واختلفوا‏,‏ وابتدعوا‏,‏ فيما أرسل إليهم فأفسدوه إفساداً كبيراً، وظنوا أن ما يمدهم به الله من مال وبنين هو خير لهم‏ .‏ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ .وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ .فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ .فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ  .أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ..ُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ "       (‏المؤمنون‏:51‏ ـ‏56).
وتعاود السورة الكريمة سرد المزيد من صفات المؤمنين فتنعتهم بقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ :‏ " إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ‏ .وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ .وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ ‏ .وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ .أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ‏ .وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ‏"    (‏المؤمنون‏:57‏ ـ‏62).
وفي مقابلة واضحة لصفات المؤمنين ذكرت السورة بعض صفات الكفار والمشركين ممثلين في كفار قريش ومشركيهم، ومن يسير على خطاهم إلى يوم الدين‏,‏ عارضة لشيء من حسرتهم يوم القيامة . وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏ " بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ .حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُون . لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ .‏قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ .مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ .أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ .أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ‏"    (‏المؤمنون‏:63‏ ـ‏69)‏.
ثم عاودت السورة الكريمة الاستشهاد بعدد من آيات الله الدالة على طلاقة قدرته ، ومنها خلق السمع والأبصار والأفئدة‏,‏ ونشر الجنس البشري في الأرض‏، وحتمية حشر جميع الخلائق إلى الله‏,‏ الذي هو يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار‏ .‏
وردَّت السورة الكريمة على الذين ينكرون البعث‏,‏ والذين يتهمون وحي السماء زوراً بأنه من أساطير الأولين‏,‏ واستعرضت حواراً بين خاتم الانبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وبين الكفار والمشركين‏ .‏
ونزهت الذات الالهية عن كلٍ من الولد والشريك؛ لأنهما من صفات المخلوقين التي لاتليق بجلال الله‏,‏ وفي ذلك تقول‏ :‏
" مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ .عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ "(‏المؤمنون‏:92,91)‏.
وتنتقل الآيات إلى وصف ذل كلٍ من الكفار والمشركين في ساعات احتضارهم‏,‏ وبعد بعثهم‏ .‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ‏ .لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ .فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ‏ .فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ‏ . تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ .َلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ .قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ .رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ . قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ "‏       ‏(‏المؤمنون‏:99‏ ـ‏108)‏.
وتقارن الآيات بعد ذلك بين موقف المؤمنين الذين يطلبون المغفرة والرحمة من الله,‏ وموقف الكفار والمشركين الذين كانوا يقفون من المؤمنين موقف الاستهزاء والسخرية والضحك منهم، فجزى الله المؤمنين بأن جعلهم الأعلون في الدنيا، والفائزين في الاخرة‏ .‏
وتختتم السورة الكريمة بالتأكيد على أن البشر لم يُخلقوا عبثا‏ًً,‏ وأنهم حتماً راجعون إلى الله‏,‏ وعظَّمت الله الملك الحق الذي لا إله الا هو رب العرش الكريم‏,‏ واستنكرت شرك المشركين الذين هددتهم بعقاب شديد من الله‏,‏ ونعتتهم بالكافرين‏,‏ وقررت أنهم لايفلحون أبدا‏ًً,‏ وفي المقابل وجهت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن ورائه كل المؤمنين ببعثته الشريفة أن يطلبوا المغفرة والرحمة من الله خير الراحمين‏,‏ وفي ذلك تقول الايات ‏:‏
" أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ‏ .فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ .وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ .َقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ "  (‏المؤمنون‏:115‏ ـ‏118)‏ .

من ركائز العقيدة في سورة‏ المؤمنون‏ :‏
من ركائز العقيدة الاسلامية التي جاءت بها سورة ‏(‏المؤمنون‏)‏ الإيمان بما يلي ‏:‏
‏(1)‏ أن الجنة حق‏,‏ وأنه لايرث الفردوس خلوداً فيها إلا المؤمنون، الذين عددت السورة الكريمة جانباً من صفاتهم، ولذلك سُميت باسمهم‏ .‏
‏(2)‏ أن الله‏ ـ تعالى ـ هو خالق الانسان‏,‏ ومقدر مراحله الجنينية مرحلة بعد أخرى حتى تتم تسويته‏,‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو رب كل شئ ومليكه‏,‏ وأن الانسان لم يُخلق عبثا‏ًً,‏ وأنه حتماً عائد إلى ربه‏ .‏
‏(3)‏ أن الموت حق على جميع المخلوقين ‏.‏
‏(4)‏ أن الآخرة حق‏,‏ وأن البعث والحشر والحساب حق ‏.‏
‏(5)‏ أن أنبياء الله ورسله ورسالاته حق‏ .‏
‏(6)‏ أنه لا إله الا الله‏,‏ وأن آيات الله حق‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو عالم الغيب والشهادة‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ هو رب العرش الكريم، وأن الشرك بالله كفر‏,‏ وأنه لايفلح الكافرون‏ .‏
‏(7)‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو خير الرازقين‏,‏ وأنه هو الذي يحيي ويميت‏,‏ وأن له اختلاف الليل والنهار‏,‏ وأنه ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ منزه عن الصاحبة والولد‏,‏ وعن الشريك والشبيه‏,‏ وعن كل وصف لايليق بجلاله ‏.‏
‏(8)‏ وبضرورة الاستعاذة بالله من همزات الشياطين ـ ومن أن يحضرون‏ .‏
‏(9)‏ وبأنه لاعودة بعد الموت إلا في يوم البعث‏؛‏ وذلك لأن الأموات وراءهم برزخ إلى يوم يبعثون‏,‏ وبأنه عند نفخة الصور الأولى يُصعق كل حي، وعند النفخة الثانية يُبعث كل ميت ‏.‏
‏(10)‏ وأن من ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون‏,‏ وأن من خفت موازينه فأولئك الذين خسروا انفسهم في جهنم خالدون ‏.‏
‏(11)‏ وأن طلب المغفرة والرحمة هو من الله خير الراحمين‏ .‏

من الآيات الكونية في سورة‏‏ المؤمنون :
‏(1)‏ خلق الإنسان من سلالة من طين ‏.‏
‏(2)‏ وصف المراحل المتتالية في تكوين الجنين البشري بدقة بالغة ‏.‏
‏(3) وصف كلٍ من الغدد التناسلية والرحم بأنه قرار مكين ‏.‏
‏(4)‏ خلق السماوات السبع ومابينها من فواصل ‏.‏
‏(5)‏ إنزال الماء من السماء بقدر وإسكانه في الأرض ‏.‏
‏(6)‏ إخراج النبات من الأرض بعد إنزال الماء من السماء‏,‏ وإنشاء جنات من نخيل وأعناب وغير ذلك من النباتات، ومالها من الثمار والفواكه الكثيرة‏ .‏
‏(7)‏ وصف شجرة الزيتون بأنها تنبت بالدهن وصبغ للآكلين‏,‏ والإشارة إلى شجر الزيتون الذي ينبت في طور سيناء بصفة خاصة‏ .‏
‏(8)‏ وصف الأنعام بأن فيها عبرة للمعتبرين خاصة مايخرج من بطونها من اللبن‏,‏ ومايؤكل منها من لحم‏,‏ وغير ذلك من المنافع الكثيرة ‏.‏
‏(9)‏ الإشارة إلى إمكانية استخدام كلٍ من الأنعام والفلك كوسائل للتنقل ‏.‏
‏(10)‏ الإشارة إلى سبق خلق السمع وخلق كلٍ من الأبصار والأفئدة‏ .‏
‏(11)‏ الإشارة إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس بتعبير اختلاف الليل والنهار ‏.

ذكر الزيتون وزيته في القرآن الكريم‏ :‏
جاء ذكر الزيتون وزيته في سبعة مواضع من القرآن الكريم على النحو التالي ‏:
‏(1)"   وَهو الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ "   (الأنعام:99) .
‏(2)‏ " وَهُو الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ "    (الأنعام:141) .
‏(3)" يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "     (النحل:11) .
‏(4)‏" شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ"      ‏(‏المؤمنون‏:20).
‏(5)‏ " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "      (النور:35).
‏(6) "‏ فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ.أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً .ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً .فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً .وَعِنَباً وَقَضْباً .وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً "‏‏    (‏عبس‏:24‏ ـ‏29)‏.
‏(7)‏ " وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ .وَطُورِ سِينِينَ .وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ "     (‏التين‏:1‏ ـ‏3)‏.
وفي هذه الآيات الكريمة من سورة التين يقسم ربنا ـ تبارك وتعالى ، وهو الغني عن القسم ـ بكلٍ من التين والزيتون، وطور سينين‏ .‏ أي الجبل الذي نودي موسى ـ عليه السلام ـ من جانبه في شبه جزيرة سيناء‏ ـ أي طور سيناء‏ ـ والبلد الأمين‏ ـ‏ أي مكة المكرمة أشرف بقاع الأرض على الإطلاق‏ ـ‏ على أن الله قد فطر الإنسان على حب الإيمان وكراهية الكفر‏,‏ وعلى حب الخير والنفور من الشر‏,‏ وحب مكارم الأخلاق وكراهية الإسفاف في الحديث أو السلوك‏,‏ وحببه في الالتزام بذلك كله حتى يصل إلى درجات من الكمال ترفعه إلى مافوق منازل الملائكة إذا التزم بذلك‏,‏ ولكن إذا انحرف الإنسان عن الفطرة التي فطره خالقه عليها‏,‏ وانغمس في وحل الشرك أو الكفر أو الضلال والانحلال الأخلاقي، فإنه ينتكس انتكاسة تهوي به إلى أسفل السافلين‏ .‏
والتين قد أشير إليه في القرأن الكريم كله مرة واحدة فقط في هذه السورة المباركة وحدها ‏.‏
وكل آية من هذه الآيات السبع تحتاج في شرح دلالتها العلمية إلى معالجة خاصة‏,‏ ولكني سوف أقصر الحديث هنا على الآية العشرين من سورة‏ (‏المؤمنون‏),‏ وقبل البدء في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين القدامى والمعاصرين في شرح هذه الآية الكريمة‏ .



من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله ‏(‏ تعالى‏ ) :‏ " وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ‏ "  (‏المؤمنون‏:20). ذكر الطبري ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ مامختصره‏ :" وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ ‏"‏ وشجرةً منصوبة عطفاً على ‏" جَنَّاتٍ "‏ يعني بها شجرة الزيتون .‏"‏ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ ‏ " جبل‏ مبارك نودي منه موسى ـ عليه السلام ـ واختلف فيه . ‏"‏ تَنْبُتُ ‏ "‏ . تثمر " بِالدُّهْنِ "‏ ‏. " وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ "‏ مايأتدمون به‏ .‏ (انتهى قول المفسر)وذكر ابن كثير ـ رحمه الله ـ‏ مامختصره‏ :" وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ "‏ يعني الزيتونة‏,‏ والطور هو الجبل‏,‏ وقال بعضهم إنما يسمى طوراً إذا كان فيه شجر‏,‏ فإن عري عنها سمي جبلاًً لا طوراً والله أعلم ." طُورِ سَيْنَاءَ ‏" هو طور سينين‏,‏ وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ـ عليه السلام ـ وماحوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون‏,‏ وقوله‏ "‏ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ "‏ أي تنبت الدهن‏...,‏ ولهذا قال‏: " وَصِبْغٍ "‏ أي أدم (قاله قتادة) .‏ " ‏لِلْآكِلِينَ ‏"‏ أي فيها ماينتفع به من الدهن والاصطباغ‏,‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ : "‏ كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ َ " ( رواه ابن ماجه والترمذي وأحمد)،‏ وروي عبد بن حميد في مسنده عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: " ائتدموا بالزيت وادهنوا به‏,‏ فإنه يخرج من شجرة مباركة‏ ".‏ (انتهى قول المفسر)

وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ‏ رحم الله كاتبيه‏ ـ ما مختصره ‏:‏ ‏‏ وأنشأنا‏" شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ
طُورِ سَيْنَاءَ"‏ جَِبل‏,‏ بكسر السين وفتحها‏,‏ ومنع الصرف للعلمية والتأنيث للبقعة أي‏:‏ لأنه اسم علم على البقعة التي فيها جبل الطور‏ . "‏ تَنْبُتُ "‏ بضم التاء وكسر الباء من الرباعي أنبت‏,‏ وفي قراءة بفتح التاء وضم الباء من الثلاثي نبت‏ ."‏ بِالدُّهْنِ ‏ "‏ الباء زائدة على الأول‏,‏ ومعدية على الثاني‏,‏ وهي شجرة الزيتون‏ ."وَصِبْغٍ ‏لِلْآكِلِينَ "‏ عطف على الدهن أي‏:‏ إدام يصبغ اللقمة بغمسها فيه وهو‏:‏ الزيت‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في الظلال‏ ـ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة ـ‏ ما نصه‏: "‏ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ "
..‏ وهي من أكثر الشجر فائدة بزيتها وطعامها وخشبها‏، وأقرب منابتها من بلاد العرب طور سيناء‏ .‏ عند الوادي المقدس المذكور في القرآن‏.‏ لهذا ذكر هذا المنبت على وجه خاص‏,‏ وهي تنبت هناك من الماء الذي أسكن في الأرض وعليه تعيش‏ . (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ـ رحم الله صاحبها ـ ما نصه‏ : " شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ "
‏ أي وأنشأنا لكم شجرة تخرج من الجبل المعروف بهذا الاسم وهو جبل المناجاة . ‏"‏ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ"‏ تنبت ملتبسة بالدهن ومصحوبة به‏....‏ والدهن عصارة كل شيء ذي دسم‏,‏ والمراد به هنا‏ :‏ زيت الزيتون‏,‏ وقريء تنبت بضم التاء‏,‏ من أنبت بمعنى نبت‏,‏ أو من أنبت (المتعدي بالهمزة)‏,‏ كأنبت الله الزرع‏,‏ والتقدير‏:‏ نبت جناها مصحوبا بالدهن‏ . "‏ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ‏ "‏ أي وبإدام للآكلين‏,‏ والصبغ والصباغ ـ بالكسر فيهما ـ‏ :‏ الإدام؛ لأنه يصبغ الخبز‏,‏ وأصل الصبغ ما يلون به الثوب‏,‏ فكان الزيت إداما يؤتدم به، كما كان دهناً يدهن به ويسرج منه‏.‏ والتغاير بين المعطوف والمعطوف عليه باعتبار الصفات لا باعتبار الذات‏ .‏ (انتهى قول المفسر)‏
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ جزاهم الله خيراً‏ ـ‏ ما نصه‏ :‏ وخلقنا لكم شجرة الزيتون التي تنبت في منطقة طور سيناء‏,‏ وفي ثمارها زيت تنتفعون به‏,‏ وهو إدام للآكلين‏ .‏ (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في تعليق الخبراء بالهامش ما يلي‏:...‏ تقرر هذه الآية الكريمة أن شجرة الزيتون من ضمن النعم التي أنعم الله بها على الانسان، وعدَّد بعضها في الآيات السابقة واللاحقة لهذه الآية، إذ أنها من الأشجار الخشبية التي تعمر طويلاً لمدد تزيد على مئات السنين‏,‏ فلا يأخذ أمرها جهداً من الانسان، إنما تثمر ثماراً مستمرة طبيعية‏،‏ كما تتميز بأنها دائمة الخضرة، جميلة المنظر،‏ وتفيد الأبحاث العلمية أن الزيتون يعتبر مادة غذائية جيدة‏,‏ فيه نسبة كبيرة من البروتين ‏.‏ كما يتميز بوجود الأملاح الكلسية‏,‏ والحديدية‏,‏ والفسفورية‏,‏ وهي مواد مهمة وأساسية في غذاء الانسان‏,‏ وعلاوة على ذلك فإن الزيتون يحتوي على فيتامين‏ (‏أ‏)‏ وفيتامين ‏(‏ب‏) .‏ ويستخرج من الثمار زيت الزيتون الذي يحتوي على نسبة عالية من الدهون السائلة‏,‏ وهذا الزيت يستعمل بكثرة في التغذية ‏.‏
وتضيف الأبحاث الطبية إلى زيت الزيوت فوائد عديدة‏,‏ فهو يفيد الجهاز الهضمي عامة‏ والكبد خاصة‏,‏ وهو يفضل جميع أنواع الدهون الأخرى نباتية أو حيوانية‏,‏ إذ لا يسبب أمراضاً للدورة الدموية أو الشرايين كغيره من الدهن‏,‏ كما أنه ملطف للجلد‏,‏ إذ يجعله ناعماً ومرنا‏ًً,‏ ولزيت الزيتون استعمالات أخرى كثيرة صناعية‏,‏ إذ تحضَّر منه بعض المركبات‏,‏ ويدخل في انتاج أفضل وأحسن أنواع الصابون‏,‏ وغير ذلك من مختلف الصناعات الغذائية والطبية ‏.‏ (انتهى قول المعلق)‏
وذكر صاحب صفوة التفاسير ـ جزاه الله خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏ : "‏ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ‏ "
‏ أي ومما أنشأنا لكم بالماء أيضا شجرة الزيتون التي تخرج حول جبل الطور، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى‏ . ‏ " تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ‏ "‏ أي تنبت الدهن أي الزيت الذي فيه منافع عظيمة . ‏"‏ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ "‏ أي وإدام للآكلين‏,‏ وسمي صبغاً لأنه يلوِّن الخبز إذا غُمس فيه‏,‏ فقد جمع الله في هذه الشجرة بين الأدم والدهن ‏....‏ (انتهى قول المفسر)‏


من الدلالات العلمية للآية المباركة :
نظراً لتميزها الواضح فإن شجرة الزيتون أصبحت تصنف اليوم ضمن رتبة خاصة بها من رتب النباتات المزهرة تعرف باسم رتبة الزيتونيات (‏ORDER OLEALES)‏‏,‏ بعد أن كانت تجمع من قبل في رتبة أخرى تعرف باسم رتبة الملتفات ‏(Order Contortae) ، وتضم هذه الرتبة عائلة واحدة هي العائلة الزيتونية (‏Family Oleaceae‏) التي تقسَّم إلى اثنتين مما هو تحت هذه العائلة هما‏:‏ تحت العائلة الزيتونية (‏Subfamily Oleoideae) ، وتحت العائلة الياسمينية (‏Subfamily jasminoideae) .‏وتضم أشجار العائلة الزيتونية ‏28‏ جنساً‏,‏ وما بين‏500‏ إلى‏600‏ نوع من أنواع النباتات المزهرة التي تنتشر انتشاراً واسعاً في كل أنحاء الأرض ما عدا المناطق المتجمدة والباردة‏,‏ إذ تنتشر في كل من المناطق المعتدلة والمدارية بصفة خاصة‏,‏ وتكثر ـ بالذات ـ في حوض البحر الأبيض المتوسط‏,‏ وفي جنوب غربي آسيا‏,‏ وعلى الرغم من هذا الانتشار الواسع إلا أن أشجار هذه العائلة نادراً ما تكون هي الأشجار السائدة في المنطقة الواحدة‏,‏ ومن هذه الأشجار ما هو دائم الخضرة كشجرة الزيتون‏,‏ ومنها ما هو متساقط الأوراق‏ .‏
وتضم العائلة الزيتونية أشجاراً خشبية‏,‏ كما تضم عدداً من الشجيرات‏,‏ وبعض المتسلقات‏,‏ ولكن تتميز كلها بأوراقها الريشية المتقابلة أو المتبادلة‏,‏ البسيطة أو المركبة‏,‏ والتي يمكن أن تكون لها أذينات صغيرة عند قاعدة الورقة‏,‏ والثمرة في أفراد العائلة الزيتونية إما أن تكون حسلية كما هو الحال في ثمرة الزيتون‏ ـ‏ وهي ثمرة عصارية‏,‏ حقيقية‏,‏ تكونت من نمو مبيض الزهرة فقط‏,‏ ولها بذرة صلبة في قلبها‏ ـ‏ وقد تكون الثمرة لبية أو علبية كما هو الحال في بعض شجيرات الزينة والأسوار التابعة لهذه العائلة‏,‏ والبذور فيها إندوسبيرمية أي مغطاة بطبقة من الأنسجة التي تمثل غذاء للجنين الذي يأخذ شكلاً مستقيماً في العادة‏ .‏
والنباتات المنطوية في الرتبة الزيتونية لها من الأهمية الاقتصادية والجمالية مايتمثل في شجر الزيتون بأنواعه وأصنافه المختلفة‏,‏ وثمره وزيته وخشبه,‏ كما يتمثل في شجر الدردار ‏
(Ashes) ‏المشهور بأخشابه الصلبة والشديدة التماسك‏,‏ وفي عدد من الشجيرات والمتسلقات ذات العطور العبقة ، مثل البنفسج‏ (lilacs)‏ والياسمين بأنواعه المختلفة ‏(Jasminum=Jasmines) .‏
وأشجار الزيتون تتميز بأنها أشجار معمرة، حيث يمكن للشجرة الواحدة أن تعيش لأكثر من ألفي سنة‏,‏ وينبت في مصر صنفان من نوع الزيتون المعروف خطئاً باسم الزيتون الأوروبي ‏(Oleaeuropaea والذي كان من الأصح تسميته باسم الزيتون السينائي ‏(Oleasinaensis) ؛ ‏لأن زراعته انتقلت أصلاً من شبه جزيرة سيناء إلى باقي أجزاء حوض البحر الأبيض المتوسط ‏.‏
وأحد هذين الصنفين يعرف باسم الزيتون التفاحي‏,‏ ويتميز بثمرته الكبيرة الحجم نسبيا‏ًً,‏ والقليلة الزيت نسبيا‏ًً,‏ ولذلك يصلح أكثر للتخليل‏,‏ وتكثر زراعة هذا الصنف في واحات صحراء مصر الغربية، وفي منطقة الفيوم‏ .‏
أما الصنف الآخر فيعرف باسم الزيتون الشملالي ويمتاز بثماره الصغيرة الحجم نسبياً والغنية بالزيت، ولذلك يصلح للعصر واستخراج ما به من زيت‏,‏ وتكثر زراعته في شبه جزيرة سيناء وعلى طول سواحل البحر الأبيض المتوسط‏ .‏
والآية القرآنية الكريمة التي اتخذناها عنواناً لهذا المقال تشير بوضوح إلى شجرة الزيتون التي تؤكل ثمارها‏,‏ ويؤتدم بزيتها وبما فيه من منافع‏,‏ وقد جاءت الإشارة إليها منسوبة إلى طور سيناء، مما يرجح أن هذه المنطقة هي أصل منبت شجرة الزيتون‏,‏ كما ترجح وجود ميزات للصنف من الزيتون الذي ينبت في تلك المنطقة تميزه عن غيره‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ"       (‏المؤمنون‏:20)‏.
و‏" تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ‏ " أي تنبت ثمارها متلبسة بالدهن، وهو زيت الزيتون‏ ."‏ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ‏ "‏ أي‏:‏ إدام وطعام لهم‏,‏ سمي صبغاً لكونه إداماً‏؛‏ ولأنه يصبغ الخبز إذا لامسه‏,‏ ولعل في ذلك إشارة إلى ما هو غير الدهن من مئات المركبات الكيمائية المهمة التي مكن الله ـ‏ تعالى‏ ـ شجرة الزيتون من استخلاصها من ماء وتربة الأرض‏,‏ ونقلها في العصارة الغدائية‏,‏ وتخليقها في أوراقها وثمارها‏,‏ مما تعجز أكبر المصانع التي بناها الإنسان عن تحقيقه‏ ، لذلك امتدح ربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ كلاً من شجر الزيتون وزيته في ستة مواضع أخرى من القرآن الكريم‏,‏ وأقسم بالتين والزيتون في موضع منها‏ .‏
وشجرة الزيتون هي شجرة صغيرة‏,‏ ولكنها شجرة معمرة‏,‏ دائمة الخضرة‏,‏ تتحمل الجفاف بشكل كبير‏,‏ وثمرتها من أهم ثمار الزيوت النباتية‏,‏ إذ يشكل زيتها ما بين ‏%60 ، 70%‏ من وزن الثمرة في المتوسط‏,‏ ويتكون زيت الزيتون من عدد من المركبات الكيميائية المهمة‏,‏ والتي منها مركبات الجليسرين والأحماض الدهنية المعروفة باسم الجليسريدات
‏(Glycerides) .‏ ويكون الحمض الدهني نسبة كبيرة من وزن الزيت‏,‏ ولذلك فإن صفات كل زيت تتوقف إلى حد كبير على نوع الحمض الدهني المكون لمركب الجليسريدات فيه ‏.‏ ومن أشهر الأحماض الدهنية في الزيتون والدهون بصفة عامة ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ حمض زيت الزيتون
‏(
Oleic Acid) .‏
‏(2)‏ حمض زيت النخيل‏ (Palmatic Acid)‏ .
‏(3)‏ حمض زيت الكتان ‏
(Linoleic Acid)‏ .
‏(4)‏ حمض الشمع‏
(Stearic Acid) .‏
‏(5)‏ الحمض الغامض‏ (‏حمض المستريك‏)
(MystricAcid) .‏
هذا ومن المعروف أن مركبات الجليسيريدات ‏(Glycerides)‏ قد تكون مفردة الحامض أو مكونة من أخلاط من تلك الأحماض الدهنية‏,‏ فإذا كانت ناتجة عن اتحاد الجليسرين مع حمض دهني واحد فقط سميت اسم الجليسريدات البسيطة (‏Simple Glycerides )‏، ولكن إذا نتجت عن اتحاد الجليسرين مع أكثر من حمض دهني ـ وهو الأمر الغالب ـ سميت باسم الجليسريدات المختلطة
(Complex or Mixed Glycerides)‏ ، وعادة ما تكون الزيوت والدهون مركبة من جليسريدات مختلطة إلا أن بعضها قد يحتوي على نسبة عالية من نوع معين من الجليسريدات البسيطة، وذلك مثل زيت الزيتون الذي يحتوي على نسبة عالية من جليسريدات حمض زيت الزيتون ‏(OLEAIC ACID)‏ تتراوح بين ‏%67,%84‏ مما ميزه عن غيره من الزيوت النباتية والدهون الحيوانية‏ .‏
وبالإضافة إلى ذلك يحتوي زيت الزيتون على لبروتينات وعلى نسب متفاوتة من عناصر البوتاسيوم‏,‏ الكالسيوم‏,‏ المغنسيوم‏,‏ والفسفور والحديد‏,‏ النحاس‏,‏ الكبريت وغيرها بالإضافة إلى نسبة من الألياف‏,‏ وتدخل هذه المكونات في بناء حوالي الألف مركب كيميائي حيوي في زيت الزيتون‏,‏ كلها نافعة لجسم الإنسان، وبعضها ضروري لسلامته‏ . ومن هنا كان فضل هذا الزيت على غيره من الدهون والزيوت التي تمثل مركبات عضوية لها تركيب كيميائي متشابه، فإذا بقيت سائلة عند درجة حرارة (20)‏ درجة مئوية سميت زيتا‏ًً,‏ وإذا بقيت جامدة عند نفس الدرجة سميت دهناً‏,‏ ومنها الدهون المتعادلة‏,‏ والشموع‏,‏ والدهون المعقدة‏ (‏الليبيدات المختلطة‏) .‏
وأهم مصادر الزيوت النباتية هي بعض البذور الزيتية مثل بذور كلٍ من القطن‏,‏ والكتان‏,‏ والسمسم‏,‏ودوار الشمس‏,‏ والخروع‏,‏ والفول السوداني‏,‏ وفول الصويا ‏.‏
لذلك يمكن الحصول على الزيوت النباتية من بعض الثمار الزيتية مثل ثمار الزيتون‏,‏ وجوز الهند‏,‏ والنخيل الزيتي‏,‏ أو من بعض أجنة الحبوب من مثل القمح‏,‏ والذرة‏,‏ والارز ‏.‏
وتستخلص الزيوت النباتية بطريقة الهرس ثم الكبس أو العصر في مكابس خاصة‏,‏ وتعرف المادة الصلبة المتبقية من هذه العملية باسم الكسب الذي يستخدم علفاً للحيوان لغنائه بالبروتين‏,‏ وقد يستخدم ما يتخلف عن عصر بذور السمسم غذاء للانسان‏ .‏
وأفضل الزيوت النباتية على الاطلاق هو زيت الزيتون‏,‏ وذلك لما أعطاه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ من خاصية خفض ضغط الدم‏,‏ وتقليل امتصاص الجسم للكوليسترول بصفة عامة، وإنقاص المعدل الكلي للكوليسترول في الدم بحوالي‏13%,‏ وإنقاص معدل الكوليسترول الضار في الدم والمعروف باسم الكوليسترول الخفيف ‏.‏
[LOW DENSITY LEPIDO PROTEIN(L.D.L)‏ بنسبة‏21‏% فيرفع بذلك نسبة الكوليسترول المفيد نسبياً في الدم‏,‏ والمعروف باسم الكوليسترول الثقيل
(High Density lepido protein(H.D.L) .  ‏ ومن الثابت طبياً أنه كلما انخفضت نسبة الكوليسترول الضار وزادت نسبة المفيد منه في الدم كلما قلت نسبة الإصابة بالجلطات القلبية خاصة الإصابة المعروفة باسم احتشاء العضلة القلبية‏,‏ وعلى ذلك فإن تناول زيت الزيتون بكميات منتظمة يحمي القلب من أمراض انسداد الشرايين، وهي من أكثر الأمراض إنتشاراً في الزمن الحاضر‏,‏ خاصة في الدول الغنية التي يبالغ أفرادها في تناول الطعام إلى حد التخمة‏ .‏
وعلى الرغم من ذلك فقد لوحظ أن أقل نسبة إصابة بمرض الشرايين التاجية‏ (‏الإكليلية‏)‏ القلبية يوجد في حوض البحر الابيض المتوسط خاصة في بلدانه التي يتناول أفرادها الزيتون وزيته بكميات ثابتة ومنتظمة‏,‏ ويعتبرون كلاً من هذه الثمرة المباركة وزيتها مصدراً أساسياً للدسم في طعامهم مما يشير إلى الدور الفاعل لهما في الوقاية من أمراض شرايين القلب‏,‏ خاصة أنه ثبت بالتحليل الدقيق احتواء كلٍ من الثمرة وزيتها على مركبات كيميائية تمنع تخثر الدم ‏.‏ وانطلاقاً من ذلك يوصي الأطباء كل من أجريت لهم عمليات توسعة شرايين القلب بتناول ‏4‏ ـ‏5‏ ملاعق من زيت الزيتون يومياً وبشكل روتيني كجزء من العلاج‏ .‏

هذا‏,‏ وقد جاء ذكر الزيتون وزيته في سبعة مواضع من القرآن الكريم‏,‏ وأقسم به ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏‏ ، وهو الغني عن القسم ـ وأكد على قيمة زيته وقيمته الغذائية مما أثبتته البحوث العلمية والطبية في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وتعتبر هذه الإشارات من المعجزات العلمية للقرآن الكريم الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة‏,‏ ومن معجزات الرسول الخاتم الذي تلقاه
والذي يروى عنه‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قوله‏ :‏ "‏ كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ َ " ‏(‏أخرجه الامام أحمد عن مالك بن ربيعة الساعدي مرفوعاً‏),وقوله‏ ـ‏ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ـ في نفس المعنى‏:‏ " ائتدموا بالزيت وادهنوا به‏,‏ فإنه يخرج من شجرة مباركة ‏" (‏رواه عبد بن حميد في مسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما‏) .‏
وهنا يتبادر إلى الذهن سيل من الاسئلة منها‏ :
لماذا أنزل ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ هذه الاية المباركة فيما أنزل من قرآن على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وأنطقه بما نطق به عن شجرة الزيتون‏,‏ وثمرها وزيتها؟ وللإجابة نقول‏:‏ إن الله ـ تعالى ـ يعلم بعلمه المحيط أن الإنسان سوف يصل في يوم من الأيام إلى اكتشاف قيمة الزيتون وزيته، فتكون هذه الآية المباركة‏,‏ كما تكون أقوال رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ مما يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ ويشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏ .
‏ فالحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على نعمة الاسلام‏,‏ والحمد لله على بعثة خير الأنام‏,‏ خاتم الانبياء والمرسلين‏,‏ وإمام الغر المحجلين، والحمد لله في الأولى والآخرة‏,‏ والحمد لله في كل وقت وفي كل حين‏,‏ وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين‏,‏ وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏