" هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ "(النحل:10).


هذه الآية الكريمة جاءت في مقدمات سورة النحل‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها ‏(128)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى النحل ‏.‏ ويقال إن حشرة النحل قد سميت بهذا الاسم لأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ قد نحلها القدرة على إخراج العسل‏,‏ وميَّزها بها عن غيرها من الحشرات التي يقدر عدد أنواعها بأكثر من ثلاثة أرباع المليون نوع‏,‏ يمثل كل نوع منها ببلايين الأفراد ‏.‏
وتبدأ سورة النحل بالتحذير من فجائية الآخرة، ومن جريمة الشرك بالله‏,‏ فيقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " أَتَى
أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ "‏(‏النحل‏:1)‏ . وفي الآية الكريمة تحدٍ واضح للذين يستعجلون الآخرة إنكاراً لها‏,‏ ومنكرها كافر؛ لأنها من المعلوم من الدين بالضرورة‏,‏ وتثني الآية بتسبيح الله وتنزيهه‏ عن الشريك والشبيه والمنازع والصاحبة والولد؛ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ منزه عن جميع صفات خلقه‏ .‏ وتتتابع الآيات بتأكيد حقيقة الوحي الذي أنزله ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على من اصطفى من عباده الصالحين من الأنبياء والمرسلين لتبليغ الخلق بتفرد الله‏ بالألوهية، وبضرورة تقوى العباد له ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ وبإنذارهم من أخطار مخالفة ذلك ‏.‏ واستعرضت سورة النحل العديد من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة‏,‏ والشاهدة لله الخالق بالألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والوحدانية فوق جميع خلقه‏,‏ وبالعلم الشمولي‏,‏ والحكمة البالغة ‏.‏
وبعد ذلك تعرض الآيات في سورة النحل لبعض مشاهد القيامة،‏ وتنعي على الذين أشركوا ادعاءهم الكاذب بأن ذلك هو قدر الله عليهم‏,‏ وتؤكد أن ما على الرسل إلا البلاغ المبين‏,‏ وقد بعث الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ رسولاً في كل أمة من الأمم يدعوهم إلى عبادة الله‏ وحده‏,‏ وإلى اجتناب الطاغوت، فكان من هذه الأمم من هدى اللهُ,‏ ومن حقت عليه الضلالة‏ .‏ وتدعو الآيات عقلاء الأرض إلى السير في جنباتها للاعتبار بعواقب المكذبين من الأمم السابقة ‏.‏

وتخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في شأن المكذبين بالبعث،‏ وتؤكد أن المؤمنين الذين اضطروا إلى الهجرة من ديارهم فراراً من المظالم التي وقعت عليهم من جبابرة الأرض وعتاتها سوف يعوضهم الله ـ تعالى ـ‏ في الدنيا‏,‏ وسوف يضاعف لهم الأجر في الآخرة جزاء صبرهم على مالقوه دفاعاً عن دينهم‏,‏ وفي سبيل التمسك بعقيدتهم ‏.‏ وتؤكد السورة لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أن الأنبياء والمرسلين الذين أرسلوا إلى الأمم من قبله كانوا رجالاً من الإنس، اصطفاهم الله ـ‏ تعالى‏ ـ لتلقي الوحي كما تلقاه هو‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ ليبينوا للناس ما نزل إليهم‏,‏ ولم يكونوا ملائكة‏,‏ ولا آلهة‏,‏ ولا أبناء آلهة كما ادعى المبطلون‏ .‏ وتهدد الآيات الذين فعلوا السيئات بخسف الأرض بهم‏,‏ او بإتيان العذاب لهم من حيث لايشعرون‏,‏ أو وهم يتقلبون في الأرض، أو على تخوِّف منهم وهم حذرون حتى يتفكروا ويتدبروا أن الله رءوف رحيم ‏.‏ وتجزم الآيات أن كل ما يتفيأ ظلاله من خلق الله يسجد لله وهم داخرون‏,‏ وأن كل ما في السماوات والأرض من ملائكة ودواب يسجد لله وهم لايستكبرون‏ :‏ " يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ "‏  (‏النحل‏:50)‏ . وتعاود الآيات النهي عن الشرك بالله‏,‏ مؤكدة وحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وأن على الخلق أن يرهبوا خالقهم‏,‏ الذي له ما في السماوات والأرض‏,‏ وله الدين الدائم وحده‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ صاحب النعم على جميع خلقه‏,‏ وهو كاشف الضر إذا مسهم وجأروا بالشكوى إليه‏,‏ وإن كان فريق من الناس يعاود الشرك بالله بمجرد كشف الضر عنه‏,‏ وهؤلاء تتهددهم الآيات بعذاب الآخرة‏ .‏ وتعيب الآيات في سورة النحل على المشركين التشريع بغير علم‏,‏ مؤكدة أن الذي يفعل ذلك سوف يسأل عنه‏,‏ كما تعيب نسبة البنات اختلاقاً على الله‏,‏ وهو‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ المنزه عن ذلك‏,‏ ونسبتهم ما يشتهون لأنفسهم وهم لايملكون ذلك‏ ،‏ كما تنعي على أهل الجاهلية كراهيتهم لخلفة البنات إلى حد وأدهن أحياء‏,‏ مؤكدة أن للذين لايؤمنون بالآخرة مثل السوء، ولله المثل الأعلى/ وهو العزيز الحكيم‏ . وتشير الآيات إلى أن الله‏ لو يؤاخذ الناس بظلمهم ما ترك على ظهر الأرض من دابة‏,‏ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى‏,‏ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولايستقدمون‏ .‏ ومن تطاولهم ينسب المشركون إلى الله‏ ـ‏ تعالى ـ ما يكرهون أن ينسب إليهم‏,‏ ويتخيلون كذباً أن لهم الحسنى في الآخرة‏,‏ وتجزم الآيات بأن مصيرهم إلى النار ، وأنهم إليها معجّلون ‏.‏ ثم توجه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ‏ : " تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏.وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " ‏(‏النحل‏:64,63)‏ .
كذلك تنعي الآيات على الذين يعبدون من دون الله مالايملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئاً ولايستطيعون‏,‏ وتوصي بعدم ضرب الأمثال لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لأنه لايشبهه شيء من خلقه‏,‏ والله يعلم فساد الذين ضربوا هذه الأمثال وهم لايعلمون ‏.‏ وتقارن الآيات بين روعة التوحيد وفلاح الموحدين، وبين فساد الشرك والمشركين‏,‏ مؤكدة أن الغيب المطلق في السماوات والأرض لايعلمه إلا الله‏,‏ وأن من هذا الغيب أمر الساعة التي لاتأتي إلا بغتة‏,‏ وأن الله على كل شئ قدير ‏.‏
ويتكرر توجيه الخطاب إلى رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ :‏
" فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ ‏"  (النحل‏:82)‏ .
وتؤكد الآيات أن الكافرين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها‏,‏ وتصف مواقفهم يوم القيامة‏,‏ والأنبياء يشهدون على أممهم بمن فيهم خاتمهم أجمعين الذي سوف يشهد على أمته‏,‏ وعلى الذين كذبوا نبوته‏,‏ وجحدوا رسالته في زمانه وإلى يوم الدين‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
" وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ "‏‏   (‏النحل‏:89) ‏ .
ويقول‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ : "‏ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ‏"   (‏النحل‏:93) .
ويقول ـ سبحانه وتعالى ـ : "‏ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏"   (‏النحل‏:97)‏ .
وتأمر الآيات بالاستعاذة بالله العظيم من الشيطان الرجيم قبل البدء بتلاوة القرآن الكريم الذي يقول ربنا‏  ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله‏ :‏ " قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ‏"    (‏النحل‏:102) .
وتستنكر الآيات الادعاء الكاذب الذي أشاع به عدد من الكفار والمشركين بأن ما أفاء الله به على خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ من هداية إنما يعلمه إياه بشر‏,‏ وترد الآيات بأن لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين‏,‏ مستنكرة عدم الإيمان بآيات الله‏,‏ وافتراء الكذب عليه‏,‏ أو الكفر به إلا لمن أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان‏,‏ أما من شرح بالكفر صدراُ فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم‏,‏ وأنهم في الآخرة هم الخاسرون ‏.‏
وفي المقابل يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ
:‏ " ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ "   (‏النحل‏:110) .
وضربت الآيات مثلا بقرية
"‏..‏ كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ‏"    (‏النحل‏:112) .
وتعرض الآيات في أواخر سورة النحل للمحرمات من الطعام‏,‏ مؤكدة أن التحليل والتحريم من سلطات الله وحده‏,‏ ولا يتجرأ عليه إلا كاذب‏,‏ وهؤلاء الذين يكذبون على الله لا يفلحون؛ لأن متاعهم في الدنيا قليل ولهم في الآخرة عذاب أليم ‏.‏ ومن هؤلاء الذين كذبوا على الله اليهود الذين خالفوا أوامره، فحرم عليهم من الطعام‏ ما حرم بسبب تماديهم في الشر‏,‏ وتجاوزهم لحدود الله‏,‏ مع أن الله غفور رحيم، يعفو عن الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من بعد ذلك ويصلحون أعمالهم ‏.‏
وتصف الآيات نبي الله إبراهيم‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ بأنه كان أمة قانتاً لله حنيفا‏ًً‏ ولم يك من المشركين‏,‏ وأنه كان شاكراً لأنعم الله، فاجتباه الله وهداه إلى صراط مستقيم‏,‏ وآتاه في الدنيا حسنة، وجعله في الآخرة من الصالحين‏ .‏ وأوحى الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ إلى رسوله الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ـ‏ أن يتبع ملة ابراهيم حنيفاً ‏.‏
وتؤكد الآيات أن تعظيم يوم السبت كان مفروضاً على اليهود‏,‏ فخرج بعضهم عن أوامر الله‏,‏ وأن الله سوف يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏ .‏
وتختتم سورة النحل بأمر من الله‏ إلى كل مسلم من خلال توجيه ذلك الأمر إلى خاتم أنبيائه ورسلهـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ـ‏ والذي يقول فيه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ .وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ "    (‏النحل‏:125‏ ـ ‏128)‏.

من ركائز العقيدة في سورة النحل:
‏(1)‏ الإيمان بالله الواحد الأحد خالق كل شئ‏,‏ ورب كل شئ ومليكه‏,‏ الذي لامنازع له في سلطانه، ولا شريك له في ملكه‏,‏ ولا شبيه له من خلقه‏,‏ وبأنه على كل شئ قدير‏,‏ وأن أمره بكن فيكون‏,‏ وأنه رءوف بعباده‏,‏ ورحيم بهم‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه ـ‏ لا يحب المستكبرين‏,‏ ويعلم ما نسر وما نعلن‏ .‏
‏(2)‏ الإيمان بحقيقة الوحي الذي أنزله ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ على فترة من الأنبياء والمرسلين‏,‏ اصطفاهم من بين خلقه‏,‏ وبعثهم إلى مختلف الأمم‏,‏ في كل الأزمنة والعصور‏,‏ ثم أكمل وحيه وأتمه وختمه في بعثة خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد بن عبد الله‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏
ونظرا لضياع أصول الرسالات السابقة كلها‏,‏ وتعرض ما بقي من ترجمات منحولة لبعضها إلى قدر هائل من التحريف الذي دفع أهل الكتاب إلى الشرك بالله‏,‏ وإلى عدد من الوثنيات القديمة والمعتقدات الباطلة‏,‏ فقد تعهد ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بحفظ وحيه الخاتم حفظاً كاملاً كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً إلى يوم الدين بنفس لغة وحيه  ‏ـ‏ اللغة العربية‏ .‏
‏(3)‏ الإيمان بأن مهمة كل نبي من أنبياء الله‏ هي البلاغ عن الله‏,‏ وترك حرية الاختيار كاملة للناس‏,‏ ليلقوا جزاءهم في الآخرة على أساس من هذا الاختيار ‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بحقيقة البعث وحتميته ‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بحقيقة الحساب والجزاء ‏.‏
‏(6)‏ الإيمان بأن الحاكمية لله‏ وحده‏,‏ ومن ثم حق التحليل والتحريم ‏.‏
‏(7)‏ الإيمان بأن الله ـ‏ سبحانه ـ قد وهب للناس عقولاً تدرك‏,‏ وإرادة حرة تختار وتوجه‏,‏ وبين لهم طريق الاستقامة الموصل إلى الخير‏,‏ وطرق الانحراف الموصلة إلى الشر‏,‏ وترك الخيار كاملاً لكل فرد ‏.‏
‏(8)‏ الإيمان بأن كل شيء في الوجود يسجد لله ‏ـ تعالى ـ وأن مختلف الأوثان التي اصطنعها المشركون من الحجر‏,‏ والشجر‏,‏ والنجوم‏,‏ والكواكب وغيرها‏,‏ كلها مخلوقة وعاجزة عن الخلق‏,‏ وخاضعة لله بالعبادة ‏.‏
‏(9)‏ الإيمان بأن لله ما في السماوات وما في الأرض‏,‏ وأن الدين له وحده دائماً ‏.‏

من مكارم الأخلاق في سورة النحل:
‏(1)‏ الدعوة إلى إقامة عدل الله في الأرض‏,‏ والإحسان إلى الخلق‏,‏ والوفاء بالعهد‏,‏ وإلى غير ذلك من ضوابط السلوك‏‏ وقواعد المعاملات المنطلقة من مخافة الله ‏.‏
‏(2)‏ الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله‏، وإلى إيتاء ذي القربى ‏.‏
‏(3)‏ الدعوة إلى الهجرة في سبيل الله ‏.‏
‏(4)‏ التحذير من الوقوع في الفتن‏ ـ‏ ومن أخطرها فتنة الكفر بعد الإيمان ‏.‏
‏(5)‏ النهي عن الشرك بالله نهياً قاطعاً‏,‏ وعن الفحشاء والمنكر والبغي ‏.‏
‏(6)‏ التذكير بنعم الله العديدة على العباد‏,‏ ومنها اللجوء إليه ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ في كل شدة فيكشفها .‏
‏(7)‏ التذكير بأحوال الإنسان ابتداءاًً من مراحل الأجنة‏,‏ إلى الشباب والفتوة‏,‏ ثم الشيخوخة والهرم‏,‏ حتى الاحتضار والموت، ومقارنة ذلك بالانتقال من أحوال الشدة والبلاء إلى النعمة والرخاء ، وبالعكس ‏.‏



من الآيات الكونية في سورة النحل:
حفلت سورة النحل بالعديد من الآيات الكونية التي يمكن إيجازها فيما يلي‏:
‏(1)‏ خلق السماوات والأرض بالحق‏,‏ وتأكيد أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو خالق كل شيء‏ .‏
‏(2)‏ خلق الإنسان من نطفة‏,‏ وعلى الرغم من ذلك فهو كثيراً ما يقابل فضل خالقه بالجحود والنكران.‏
‏(3)‏ خلق الأنعام‏ ـ‏ الإبل‏,‏ والبقر‏,‏ والضأن‏,‏ والماعز‏ ـ‏ وجعل العديد من المنافع فيها للإنسان‏ .‏
‏(4)‏ خلق الخيل والبغال والحمير‏,‏ وغير ذلك من وسائل الركوب التي لم تكن معروفة في زمن الوحي‏,‏ والله يخلق ما لا يعلمه الإنسان ‏.‏
‏(5)‏ إنزال الماء من السماء للشراب‏,‏ ولإنبات كلٍ من الشجر والزروع ـ‏ ومن أهمها‏ :‏ الزيتون‏,‏ والنخيل‏,‏ والأعناب ـ وقد جعل ربنا في ذلك آية للذين يتفكرون‏ .‏
‏(6)‏ تسخير الأرض لعمارتها، وذلك بـتكويرها‏,‏ وتدويرها حول محورها أمام الشمس‏ (‏حتى يتبادل عليها الليل والنهار‏),‏ وكذلك تسخير كلٍ من الشمس والقمر والنجوم بأمر من الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ لاستقامة الحياة في هذا الكون ‏.‏
‏(7)‏ نشر مختلف صور وألوان كلٍ من الأحياء والجمادات في كوكبنا الأرض‏ .‏
‏(8)‏ تسخير البحر للإنسان بما فيه من أحياء ذات لحم طري‏,‏ وهياكل تصلح لصناعة الحلي‏,‏ وقدرة على حمل الفلك ذات الأحجام المختلفة، التي تجري بمصالح العباد شاقة عباب مائه‏,‏ وما فوق الماء من هواء ‏.‏

‏(9)‏ إلقاء الجبال على الأرض‏,‏ وجعلها رواسي لها‏,‏ كي لاتميد ولاتضطرب‏,‏ وإلا ما كانت الأرض صالحة للعمران‏,‏ وارتباط تكون الجبال بنبع الأنهار من قممها‏,‏ ودور حركة الأنهار من منابعها إلى مصابها في تفتيت الصخور‏,‏ وتكوين التربة‏,‏ وتركيز العديد من المعادن والصخور النافعة‏,‏ والثروات الأرضية الأخرى‏,‏ وفي تسوية سطح الأرض، وشق الفجاج والسبل فيها‏ .‏
‏(10)‏ جعل تضاريس الأرض المختلفة علامات للاهتداء بها على اليابسة في وضح النهار‏,‏ وجعل النجوم علامات للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر ‏.‏
‏(11)‏ وصف عقاب بعض الأمم السابقة وصفاً ينطبق بدقة كبيرة على ما تحدثه الزلازل في زماننا من قبل أن يدرك أحد من الخلق ميكانيكية حدوث تلك الهزات الأرضية‏ .،‏ وتأكيد أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ قد خسف الأرض بالذين مكروا السيئات في الماضي‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه ـ‏ قادر على أن يخسفها بهم في الحاضر والمستقبل‏,‏ وفي ذلك تأكيد أن فهم الإنسان لميكانيكية حدوث مختلف صور الكوارث الأرضية لايخرجها عن كونها جنداً من جند الله يسلطها على من يشاء من عباده عقاباً للعاصين‏,‏ وابتلاءاً للصالحين‏,‏ وعبرة للناجين ‏.‏
‏(12)‏ الإشارة إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس بمد الظل وقبضه‏,‏ واعتباره صورة من صور السجود التسخيري لله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ في خضوع وطاعة تامين ‏.‏
‏(13)‏ تأكيد الإعجاز في خلق الأنعام‏,‏ وفي تكوين اللبن في ضروعها من بين فرث ودم‏,‏ وخروجه لبناً خالصاً سائغاً للشاربين‏ .‏
‏(14)‏ جعل ثمار النخيل والأعناب مصدراً للرزق الحسن‏,‏ وإن أساء بعض الناس استخدامها في صناعة المسكرات ‏.‏
‏(15)‏ خلق حشرة النحل‏,‏ ومنح إناثها القدرة على بناء بيوتها في الجبال‏,‏ وفي الأشجار‏,‏ وفيما يعرش لها الناس بهذه الدقة الهندسية البديعة‏,‏ وإعطائها خصوصية جمع الرحيق وحبوب اللقاح من مختلف الزهور عبر مسافات شاسعة الاتساع دون أن تضل عن بيوتها‏,‏ وصناعة ذلك الشراب العجيب، والمختلف الألوان ، والمعروف باسم عسل النحل في بطونها، الذي جعل الله فيه شفاءاً للناس ‏.‏
‏(16)‏ خلق الأزواج من ذات النفس الواحدة‏,‏ وخلق البنين والحفدة من الأزواج‏,‏ في دورة للحياة تنطبق على كل حي‏,‏ ومن الأحياء الإنسان الذي قد يتوفى طفلا‏ًً,‏ أو شاباً أو كهلاً‏,‏ ومنهم من يرد إلى أرذل العمر‏,‏ ومن مظاهره فقدان الذاكرة جزئياً أو كليا‏ًً .‏
‏(17)‏ إخراج المواليد من بطون أمهاتهم لايعلمون شيئا‏ًً,‏ و جعل الله‏ لهم السمع والأبصار والأفئدة لعلهم يشكرون،‏ والقرآن الكريم يقدم السمع على البصر دوما‏ًً,‏ والعلم يثبت سبق حاسة السمع على حاسة البصر في خلق الأجنة‏ .‏
‏(18)‏ الإشارة إلى أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ هو الذي يمسك الطيور مسخرات في جو السماء ‏.‏
‏(19)‏ الإشارة بلفظة (الحَر) إلى كلٍ من الحر والبرد؛ لأن كلاً من الحالين يمثل بدرجة حرارة إما إيجاباً وإما سلبا‏ًً .‏
‏(20)‏ تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهل لغير الله به‏,
" ...‏ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "   (‏ النحل‏115).
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك سوف أقصر حديثي هنا على النقطة الخامسة فقط من القائمة السابقة‏,‏ وقبل البدء في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة الآية العاشرة من سورة النحل‏ .‏


من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏
" هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ‏ "    (‏النحل‏10)‏.
ذكر ابن كثير ـ رحمه الله ـ مامختصره ‏:‏ لما ذكر ـ تعالى ـ ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب‏,‏ شرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء ـ وهو العلو ـ مما لهم فيه بلغة ومتاع لهم ولأنعامهم‏ .‏ فقال‏:
"‏ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ "‏ أي جعله عذباً زلالاً يسوغ لكم شرابه‏,‏ ولم يجعله ملحاً أجاجا‏ًً . " وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ‏"‏ أي وأخرج لكم منه شجراً ترعون فيه أنعامكم‏,‏ كما قال ابن عباس‏: "‏ تُسِيمُونَ ‏"‏ أي ترعون، ومنه الإبل السائمة‏,‏ والسوم‏:‏ الرعي ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
 وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لاأري حاجة إلى تكراره هنا‏.‏


من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
أولا‏:‏ في قوله‏ ـ تعالى ـ :
"‏ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ‏.... "‏:
في استهلال هذه الآية الكريمة بالضمير ‏(‏هو‏)‏ العائد على لفظ الجلالة ‏(‏الله‏)‏ تأكيد أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ هو الذي ينزل ماء السماء‏,‏ وأنه لا سلطان لمخلوق في هذا الأمر الحيوي أبدا‏ًً,‏ الذي بدونه لاستحالت الحياة على الأرض ‏.‏ وقد ثبت علمياً أن أرضنا هي أغنى كواكب المجموعة الشمسية بالماء الذي يغلفها بغلاف محيط يعرف باسم الغلاف المائي للأرض، تقدر كميته بنحو ‏1.4‏ بليون كيلومتر مكعب موزعة كما يلي تقريباً ‏:
‏‏1375,000,000‏ كيلو متر مكعب في البحار والمحيطات‏ (97.5%‏ من مجموع ماء الأرض‏) .‏ ‏28,000,000‏ كيلو متر مكعب جليد فوق قطبي الأرض‏,‏ وفي قمم الجبال‏ (2%‏ من مجموع ماء الأرض‏) .‏ ‏6.720.000‏ كيلو متر مكعب ماء مخزون تحت سطح الأرض ‏(0.48%‏ من مجموع ماء الأرض‏) .‏ ‏280,000‏ كيلو متر مكعب ماء البحيرات الداخلية والمجاري المائية ‏(0.02%‏ من مجموع ماء الأرض‏) .‏ ‏140‏ ألف كيلو متر مكعب رطوبة التربة‏ (0.01%‏ من مجموع ماء الأرض‏) .‏ ‏14,000‏ كيلو متر مكعب رطوبة الجو ‏(0.001%‏ من مجموع ماء الأرض‏) .‏ ويغطي الماء نحو‏71%‏ من مساحة سطح الأرض المقدرة بنحو ‏510‏ ملايين كيلومتر مربع‏,‏ بينما يغطي الجليد نحو ‏9%‏ من مساحة سطح الأرض ‏.‏ كذلك ثبت أن كل ماء الأرض قد أخرجه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ أصلاً من داخل الأرض عبر ثورات البراكين‏,‏ وقد سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى هذه الحقيقة‏,‏ وذلك بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
" وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا .‏أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ‏ "(‏النازعات‏:31,30)‏ وعندما بدأ بخار الماء الذي يكون أكثر من‏70%‏ من الغازات والأبخرة المتصاعدة من فوهات البراكين في الارتفاع إلى المستويات العليا من نطاق المناخ، وجد أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ قد هيأ له منطقة يتناقص فيها الضغط مما يؤدي إلى تمدده‏,‏ وبالتالي إلى تبرده‏,‏ بالإضافة إلى تناقص درجة الحرارة في قمة هذا النطاق إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر فوق خط الاستواء ‏.‏ وعند انخفاض درجة حرارة الهواء المحمل ببخار الماء ، وتناقص ضغطه فإن رطوبته النسبية ترتفع نظراً لانخفاض كثافته‏,‏ وعندما تصل رطوبته النسبية إلى‏100 %‏ فإن ضغطه يساوي ضغط بخار الماء‏,‏ وتسمى درجة الحرارة تلك باسم درجة حرارة التشبع ببخار الماء أو نقطة الندى ‏.‏ وانخفاض درجة حرارة الهواء المشبع ببخار الماء إلى نقطة الندى، أو إلى ما دون ذلك، لا يتم إلا بارتفاعه إلى مستويات عليا من نطاق الرجع‏,‏ أو بالتقائه مع موجات هوائية باردة‏,‏ أو بارتطامه بسلاسل جبلية مرتفعة‏,‏ ويؤدي ذلك مباشرة إلى تكثف بخار الماء على هيئة قطيرات متناهية الضآلة في الحجم لايتعدى قطر الواحدة منها عشر الميكرون، فتتكون بذلك السحب التي تتجمع عادة على ارتفاع يتراوح من ‏2‏ إلى ‏8‏ كيلومترا فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وإن أمكن تكونها خارج تلك الحدود‏ .‏ ويتطلب سقوط هذه القطيرات المائية من السحب على هيئة مطر نموها إلى الحجم والكتلة اللذين يسمحان بشدها إلى الأرض بفعل الجاذبية‏,‏ ولايتأتى ذلك إلا بتلقيح السحاب ببعض هباءات الغبارأو الأملاح، أو بتكون نويات من البرد أو بللورات من الثلج تعمل كنوى لمزيد من تكثف بخار الماء في السحاب‏,‏ وإلى نمو قطيرات الماء إلى الحجم والكتلة اللذين يعجز الهواء عن حملهما فتسقط مطراًً‏,‏ يتراوح متوسط حجم قطرات الماء فيه بين عشري الملليمتر ونصف الملليمتر‏ .‏ وبسقوط الماء على الأرض بدأت له دورة منضبطة حولها تعرف باسم الدورة المائية‏,‏ وهي تتم بقدر من الأحكام والثبات يشهدان لله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ بطلاقة القدرة‏,‏ وعظيم الصنعة‏,‏ وإتقان الخلق‏,‏ فتبخر حرارة الشمس سنوياً ‏380‏ ألف كيلومتر مكعب من ماء الأرض الذي يصعد إلى الجزء السفلي من غلافها الغازي، حيث يتكثف ويعود مطراً إلى الأرض‏,‏ منها‏320‏ ألف كيلومتر مكعب يتبخر من أسطح البحار والمحيطات‏,‏ و‏60‏ ألف كيلومتر مكعب يتبخر من اليابسة‏,‏ ثم يعاود هذا الماء الرجوع إلى الأرض بتوزيع جديد، فيسقط ‏284‏ ألف كيلومتر مكعب على البحار والمحيطات‏ (‏بنقص‏36‏ ألف كيلومتر مكعب عما تبخر منها‏)‏، ويسقط ‏96‏ ألف كيلومتر مكعب على الياسبة‏,(‏بزيادة‏36‏ ألف كيلومتر مكعب عما تبخر منها‏),‏ وهذه الزيادة تفيض مرة أخرى إلى البحار والمحيطات ليبقى منسوب الماء فيها ثابتاً في الزمن الواحد ‏.‏ وتوزيع الماء على سطح الأرض‏,‏ ودورته المعجزة من حولها لعب ـ ولايزال يلعب ـ دوراً أساسياً في تهيئة الأرض لاستقبال الحياة‏,‏ فلولا هذه المساحات المائية الشاسعة لارتفعت حرارة غلافها الغازي إلى أكثر من مائة درجة مئوية بالنهار‏,‏ وإلى ما دون المائة درجة مئوية تحت الصفر بالليل .‏ وبدورة الماء حول الأرض شُقت الفجاج والسبل‏,‏ والأودية والجداول‏,‏ ومجاري الأنهار‏,‏ وتكونت التربة‏,‏ وتركز العديد من الثروات الأرضية‏,‏ وبعد ذلك فاضت إلى منخفضات الأرض مكونة البحيرات والبحار والمحيطات‏,‏ كما تجمد جزء من هذا الماء على هيئة طبقات الجليد المتجمعة فوق قطبي الأرض‏,‏ وفي القمم السامقة للجبال‏,‏ وتسرب بعض هذا الماء عبر منكشفات الصخور المنفذة إلى ما تحت سطح الأرض على هيئة عدد من التجمعات المائية المختزنة في صخور القشرة الأرضية‏,‏ ويبقى بعض هذا الماء بالتربة أو بالغلاف الغازي للأرض‏ على هيئة قدر من الرطوبة‏,‏ وكل ذلك من ضرورات الحياة‏ .‏ من ذلك يتضح بجلاء أن الذي أنزل ـ ولايزال ينزل ـ الماء من السماء هو الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ ولا سلطان لأحد في ذلك إلا الله‏ .

ثانيا ـ في قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :
" ...‏ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ ‏... ":‏
يتعذر وجود ماء نقي تماماًً على سطح الأرض‏,‏ غير أن ماء المطر والثلوج المتساقطة معه يعدان من أنقى حالات الماء الطبيعي الذي ما أن يصل إلى سطح الأرض حتى يبدأ في إذابة العديد من أملاح صخورها القابلة للذوبان في الماء‏,‏ وعلى ذلك فلولا أن ماء المطر وثلوجه يجددان عذوبة ماء الأرض باستمرار، ما وجد الإنسان قطرة ماء صالحة للشرب على سطح الأرض‏,‏ ولذلك يمنُّ علينا ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بقوله‏ :"لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ ...‏ " كذلك فإن ماء الأرض يتطهر باستمرار مما يتجمع فيه من ملوثات على هيئة مواد ذائبة فيه أو عالقة به‏,‏ وتمتد عملية التطهير المائي تلك من نحو الكيلومتر تحت سطح الأرض إلى ارتفاع يتراوح بين‏7‏ كم‏,17‏ كم فوق مستوى سطح البحر ‏.‏ ويقدر متوسط تركيز الأملاح في ماء البحار والمحيطات بنحو ‏34.481‏ جزء في المليون، تضم أربعين نوعاً من ذرات العناصر المشحونة بالكهرباء‏ (‏المتأينة‏)‏ التي يزيد تركيز كلٍ منها على جزء واحد في المليون‏,‏ بالإضافة إلى آثار طفيفة جداً من أيونات العناصر الأخرى التي يقل تركيزها عن ذلك ‏.‏ ويتراوح تركيز تلك الأملاح السائدة في ماء البحار والمحيطات بين ‏32‏ ألف جزء في المليون و‏42‏ ألف جزء في المليون‏,‏ وقد يزيد تركيز الأملاح على ذلك كثيراًًًً في البحار المغلقة وشبه المغلقة‏,‏ خاصة في المناطق الجافة، مثل منطقة المشرق العربي، حيث تصل ملوحة ماء البحر الميت إلى ‏285‏ ألف جزء في المليون ‏.‏ والماء يعتبر عذباًًًً إذا كانت ملوحته لاتتعدى الألف جزء في المليون، بينما ملوحة ماء المطر لا تكاد تتعدى العشرين جزءاًً في المليون‏,‏ والماء يشكل العنصر الأساسي في بناء أجساد جميع الكائنات الحية‏,‏ وأن جميع الأنشطة الحيوية وتفاعلاتها المتعددة لا تتم في غيبة الماء‏ .‏

ثالثا‏:‏ فيقوله ـ تعالى ـ ‏:".....‏ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ"
:‏
من الثابت علمياً أن الماء سابق في وجوده على الأرض لخلق جميع أحيائها‏,‏ وأن النبات سابق في وجوده لخلق الحيوان‏,‏ وكلاهما سابق في وجوده لخلق الإنسان‏ ،‏ والحكمة من ذلك جلية واضحة‏؛‏ وذلك لأن النبات لعب ـ ولايزال يلعب ـ الدور الرئيسي في إمداد الغلاف الغازي للأرض بالاكسجين‏,‏ وأنه هو المصنع الرباني الذي تتخلق فيه الجزيئات العضوية اللازمة لبناء أجساد كلٍ من النبات والحيوان والإنسان‏,‏ ومن هنا كان اعتماد كلٍ من الإنسان والحيوان في غذائه أساساً على النبات‏ . من هنا تتضح روعة الإشارة القرآنية في قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : " هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ "   ‏(‏النحل‏10) .
فسبحان منزل القرآن على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ أنزله بعلمه الشمولي الكامل‏,‏ وتعهد بحفظه في نفس لغة وحيه ـ‏ اللغة العربية ـ‏ حفظاً كاملاً كلمة كلمة‏,‏ وحرفاً حرفاً على مدى أربعة عشر قرنا‏ًً,‏ وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها‏,‏ وبهذا الحفظ بقي القرآن الكريم بإشراقاته النورانية‏,‏ وأنواره الربانية‏,‏ وحقيقته الإلهية شاهداً بأنه لايمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏,‏ وشاهداً للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة والرسالة . فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين . والحمد لله رب العالمين ‏.