" وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ‏ " ‏ (‏ ق‏:10) ‏.


هــذه الآية الكريمة جاءت في الربع الأول من سورة‏(‏ ق‏),‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏(45)‏ بعد البسملة‏,‏ ويدور المحور الرئيسي لها حول قضيتي الوحي الخاتم‏,‏ والبعث القادم‏,‏ وإنكار كلٍ من الكفار والمشركين لهما في زمن الوحي وإلى وقتنا الراهن‏ وحتى قيام الساعة‏.ولذلك تستهل السورة بقسم من الله‏ بالقرآن المجيد ـ والله غني عن القسم لعباده ـ ثم بالعديد من الآيات الكونية الظاهرة والدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبهرة في خلق الكون وجميع ما فيه ومن فيه‏,‏ والدالة كذلك على أن الخالق المبدع قادر على إفناء الخلق‏,‏ وعلى إعادة بعثة من جديد‏.‏ وكانت قضية البعث منذ الأزل هي حجة الكفار والمشركين، والضالين المتشككين‏,‏ انطلاقاً من فساد عقائدهم‏.‏وتتحدث سورة ق بعد ذلك عن حركة الحياة والموت‏,‏ وتحلل الأجساد وبلاها‏,‏ ثم بعثها وحشرها، وحسابها‏‏ وجزائها، كما تتحدث عن إرهاصات الساعة‏,‏ وعن رقابة الله ـ تعالى ـ‏ على كل نفس‏,‏ وهي رقابة لا تغفل‏‏ ولا تغيب أبدا‏ًً.‏
وتتعرض هذه السورة المباركة أيضاً لموقف من مواقف الكفار والمشركين، والظلمة المتجبرين على الخلق يومَ القيامة‏,‏ ومحاولاتهم التنصل من جرائمهم بإلقاء التبعة في ذلك على قرنائهم من شياطين الإنس والجن‏,‏ ورد قرنائهم على ادعاءاتهم‏,‏ وبيان أن خاتمة هذا الجدل هي إلقاؤهم جميعا في نار جهنم‏,‏ في الوقت الذي يكرم الله ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ الصالحين من عباده بإدخالهم في جنات النعيم‏.‏
وتوصي سورة ق خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ومن تبعه من المؤمنين بالصبر على أذى كلٍ من الكفار والمشركين، والضالين التائهين من أصحاب العقائد الفاسدة‏,‏ والديانات المحرفة‏,‏ الذين لم يعتبروا بمصائر المكذبين من الأمم السابقة عليهم‏,‏ وما أصاب تلك الأمم من دمار بسبب كفرهم بالله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ أو شركهم به ـ سبحانه ـ‏ وتكذيبهم لأنبيائه ورسله‏.
وتوصي هذه السورة المباركة بالثبات على عبادة الله الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ وحده‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏؛‏ لأن ذلك كله من صفات المخلوقين‏,‏ والله منزه عن صفات خلقه‏.‏

وتؤكد سورة ق أن دور الرسول الخاتم‏ ـ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ـ هو التذكير بأوامر الله ونواهيه دون جبر‏,‏ أو إكراه‏,‏ أو تعنت‏؛ لأن أصلاً من أصول الإسلام العظيم أنه لا إكراه في الدين‏.‏
وتبدأ هذه السورة المباركة بحرف من الحروف الهجائية المقطعة، وهو الحرف قاف‏(‏ ق‏),‏ وهي المرة الوحيدة التي استهلت فيها إحدى سور القرآن الكريم بهذا الحرف الذي أتبع بقسم بالقرآن المجيد ـ أي الكريم على الله ـ‏ تعظيماً لشأنه‏؛‏ وذلك لأن الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ غني عن القسم لعباده‏,‏ وحذف جواب القسم الذي مضمونه‏:‏ أقسم بالقرآن المجيد الذي أنزلناه إليك يا محمد لتنذر به الناس كافة‏,‏ أنه الحق المطلق من الله الخالق‏,‏ ودلالة ذلك الآية التي جاءت بعد القسم‏:‏
" ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ ‏ .‏ بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ‏ " (‏ ق‏:2,1).‏
والآية تشير إلى تعجُّب كفار قريش ومشركيهم من اختيار الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ لخاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ من بينهم‏,‏ والآية التالية تذكر استبعادهم لعملية البعث بعد الموت، وبعد أن تبلى الأجساد، وتتحلل إلى التراب‏:‏" أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ‏ " (‏ ق‏:3)‏.
وترد الآية التالية بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ:‏" قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ " (‏ ق‏:4)‏.
أي قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسادهم بعد الموت‏,‏ وعلمنا محيط بكل شيء‏,‏ وقد دوَّنَّا ذلك في كتاب حفيظ‏,‏ وهو اللوح المحفوظ‏,‏ وهذا تأكيد لقول المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ:‏" كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب " ‏(‏ صحيح مسلم‏)‏.
وتؤكد الآية الخامسة من سورة‏(‏ ق‏)‏ أن تكذيب الكفار والمشركين لنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ الثابتة بالعديد من المعجزات الظاهرة‏ ـ وفي مقدمتها القرآن الكريم‏ ـ‏ يعتبر في ميزان الله أكبر جرماً من تكذيبهم بالبعث‏,‏ فقد اختلطت أمورهم وأفكارهم‏,‏ وفسدت معتقداتهم‏,‏ وأصبحوا في حالة من القلق والاضطراب والضياع لا تمكنهم من حسن التفكير أو حسن النظر في الأمور بعين البصيرة‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ:‏" بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ‏ " (‏ ق‏:5)‏.
ثم استعرضت الآيات عدداً من الشواهد الكونية الدالة على كمال القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ وعلى إحاطة علم الله الخالق بكل صغيرة وكبيرة في الكون‏,‏ وعظيم حكمته الظاهرة في كل أمر من أمور المخلوقات فيه‏,‏ والاستدلال من ذلك كله بأن الذي أبدع هذا الكون على غير مثال سابق‏‏ قادر على إفنائه وعلى إعادة خلقه من جديد، مما يؤكد حتمية البعث وضرورته‏.‏
وعرضت الآيات من بعد ذلك إلى ذكر عدد من الأمم السابقة التي كفرت بربها‏,‏ أو أشركت به‏,‏ وعصت أوامره‏,‏ وكذبت أنبياءه ورسله‏,‏ فحق عليها عذاب الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وتحقق فيهم وعد الله ووعيده‏,‏ وكان في هذا العرض ما فيه من المواساة الإلهية لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ (‏ وللمؤمنين به من بعده‏)‏ على تكذيب الكفار والمشركين لبعثته الشريفة‏.‏
ويرد الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على منكري البعث مرة أخرى بقوله ـ‏ عز من قائل‏ ـ:‏
" أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ‏ " (‏ ق‏:15).‏
ثم تستمر الآيات في تأكيد حقيقة أن الله ـ تعالى‏ ـ خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه؛‏ لأنه‏ ـ بإحاطة علمه ودوام مراقبته ـ أقرب إلى كل عبد من عباده من أقرب شيء إليه، وهو عرق الوريد بباطن عنقه‏,‏ وفوق ذلك فإن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد أوكل كل فرد من عباده إلى ملكين‏:‏ أحدهما عن يمينه لكتابة الحسنات‏,‏ والآخر عن شماله لكتابة السيئات‏,‏ فما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد من قبل هذين الملكين المتلقيين عنه‏,‏ وكلٌ منهما ملازمه‏,‏ لا يفارقه أبدا‏ًً،‏ وكلٌ منهما مهيأ لتلك المهمة ومُعَدٌّ إعداداً تاماً لها‏.‏
وبعد التأكيد على هذه الحقيقة التي يغفل عنها كثير من الخلق‏,‏ تنبه الآيات الإنسان إلى حقيقة الموت‏,‏ وسكراته‏,‏ وشدائده‏,‏ وكربه‏,‏ ونزوله بالحق ـ أي باليقين ـ الذي كان يماري فيه كل كافر ومشرك ومتشكك‏,‏ أو بالحق حيث يرى الميت وقت حشرجة الروح مكانه في الجنة أو مكانه في النار‏,‏ والرسول ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ يقول‏:‏
" الناس نيام ما عاشوا فإذا ما ماتوا انتبهوا "‏.‏ والموت حق على كل حي‏,‏ وإن كان في طبيعة الإنسان أن يستبعده عن نفسه وهو يراه واقعاً على غيره في كل يوم‏,‏ ويحاول الهروب منه‏,‏ والفرار من هجمته‏,‏ ولكن هيهات هيهات، فلا ملجأ من الله إلا إليه‏.
ثم تنبه الآيات بعد ذلك إلى نفخة الصور بأمر الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ فيبعث جميع من في القبور‏,‏ وهو اليوم الذي توعد الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ به كل كافر‏,‏ ومشرك‏,‏ وظالم‏.‏
وتشير الآيات إلى مجيء كل نفس معها من يسوقها من الملائكة إلى أرض المحشر‏,‏ ومن يشهد عليها بعملها‏.‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ:‏
" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ‏ .‏ إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ .‏ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ .‏ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كَنتَ مِنْهُ تَحِيدُ .‏ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ .‏ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ‏ .‏ لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ " ‏(‏ ق‏:16‏ ـ‏22).‏
أي‏:‏ فأزلنا عنك غفلتك‏,‏ وجلونا لك بصرك حتى ترى به الحق الذي كنت تكذب به في الدنيا‏,‏ وقد كنت فيها كافرا‏ًً,‏ أو مشركا‏ًً,‏ أو متشككا‏ًً,‏ أو ظالماً جائراً، لا تخشى حساب الله في الآخرة‏.‏
وفي التحذير من جريمة الشرك بالله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ تذكر الآيات أن شيطان كل من المشرك والكافر الذي أغواه وأضله‏,‏ أو الملك الموكل بكتابة سيئاته يقول عنه‏:‏

" هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ "(ق:23) أي مهيأ لجزاء الله ومُعَد له‏,‏ فيقال للسائق والشهيد‏,‏ أو للملكين من خزنة ال نار‏: "‏ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ‏ .‏ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ‏ .‏ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي العَذَابِ الشَّدِيدِ‏ " (‏ ق‏:24‏ ـ‏26).‏
وحينئذ يبدأ كل كافر ومشرك وظالم في الاعتذار إلى الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بأن شيطانه قد أغواه وأطغاه‏,‏ فيقول شيطانه مُعتَذِراً أيضاً إلى الله‏:
" ...‏ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ‏ " (‏ ق‏:27).‏
فيرد ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بقوله الحق‏:‏
‏" ...‏ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ‏ .‏ مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ‏ .‏ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ‏. وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ‏ .‏ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ‏ .‏ مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ‏ .‏ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ‏ .‏ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ " (‏ ق‏:28‏ ـ‏35).‏
وبعد هذا الاستعراض القرآني المعجز لبعض حقائق الدنيا والآخرة ووضع الإنسان فيهما‏,‏ تعاود الآيات في ختام السورة بالإشارة إلى عقاب الله‏ ـ تعالى‏ ـ للعاصين من الأمم السابقة الذين أهلكهم الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بذنوبهم، وقد كانوا أشد بطشاً من كفار قريش، والعذاب ينزل بهم‏,‏ وهم في حالة من الهلع والفزع‏,‏ يركضون في جنبات الأرض ونقوبها في محاولة يائسة للهروب من عذاب الله‏,‏ وهو واقع بهم لا محالة حتى أبادهم عن بكرة أبيهم‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:
" إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ‏ " (‏ ق‏:37).‏
وترجع الآيات مرة أخرى بالإشارة إلى خلق السماوات والأرض في ستة أيام‏,‏ وذلك بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ:‏
" وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ " (‏ ق‏:38).‏
ثم يوجه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ الذي كان يؤلمه ما يتطاول به الكفار والمشركون على الذات الإلهية‏,‏ وذلك بقول الحق ـ سبحانه وتعالى ـ:‏
" فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ‏ . وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ‏ " (‏ ق‏:40,39).‏
أي‏:‏ اصبر يا محمد على تطاول الكفار والمشركين على الذات الإلهية‏,‏ وهو مما يؤلمك‏,‏ واصبر على تكذيبهم لبعثتك الشريفة‏,‏ وهو مما يحزنك‏,
" ...‏ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ‏ " (‏ الأنعام‏:33).‏
وتأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ أن ينزه ربه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وأن يحمده حمداً يليق بجلاله‏,‏ خاصة في وقتي الفجر والعصر‏,‏ وعقب كل صلاة مفروضة‏,‏ وذلك بالتسبيح‏,‏ والتحميد‏,‏ والتكبير‏,‏ والتهليل وبالإكثار من النوافل‏.‏
وتختتم هذه السورة المباركة بالإشارة مرة أخرى إلى يوم البعث والحشر‏,‏ مؤكدة يسر ذلك على الله‏,‏ موجهة الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ جازمة بأن الله‏ ـ‏ تعالىـ هو الذي يحيي ويميت‏,‏ وأن مصير الخلائق كلها إليه‏ ـ‏ سبحانه ـ وأنه يعلم السر والنجوى، وذلك بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ:‏
" وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ المُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ‏ .‏ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ‏ .‏ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا المَصِيرُ‏ .‏ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ .‏ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ " (ق‏:41‏ ـ‏45).‏
ومن روعة بيان هذه السورة‏,‏ وشدة وقعها على السمع‏,‏ والعقل‏,‏ والقلب‏,‏ واحتفالها بعدد هائل من حقائق الوجود‏,‏ كان خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ كثيراً ما يخطب بها في صلاة العيدين والجمعة‏,‏ وكان يجعل منها موضوع خطبته في اجتماعاته الحافلة بالناس‏,‏ يحرك بمعانيها الرائعة‏,‏ وجرسها الفريد كثيراً من القلوب الغافلة‏,‏ ويُسمِع بها كثيراً من الآذان الصم‏,‏ وينير بها كثيراً من العقول المعتمة؛‏ وذلك لأن الإنسان مهما أوتي من أسباب الفصاحة‏,‏ والبلاغة‏,‏ وروعة البيان، لا يمكن له أن ينقل ما جاء بسورة ق من معانٍ بأسلوب يقترب في شيء من روعة ما جاء فيها من بيان الله الذي لا يمكن لبيان البشر أن يدانيه من قريب أو من بعيد‏.

من الإشارات الكونية في سورة ق:
(1)‏ أن تحلل الجسد الميت ينتهي إلى تراب الأرض فيما عدا عجب الذنب الذي منه خلق‏,‏ وفيه يعاد تركيبه كما أخبر بذلك المصطفى ‏ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ودلت عليه الآية الرابعة من سورة ق‏,‏ وأكدته البحوث العلمية‏.‏
‏(2)‏ أن السماء بناء محكم‏,‏ مزدان بالنجوم،‏ ولا وجود للفراغ الخالي من صور المادة والطاقة فيه
ا " وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ " (ق:6)‏.‏
(3)‏ أن الأرض كروية الشكل؛ لأنها ممدودة بلا نهاية‏,‏ والمد بلا نهاية هو قمة التكور‏.‏
‏(4)‏ أن تكون الجبال عملية لاحقة لخلق الأرض‏,‏ وهي رواسي مثبتة لها في دورانها وجريها‏,‏ كما أنها مُثَبِّتة لأغلفتها الصخرية حتى لا تميد ولا تضطرب‏.
‏(5)‏ أن كل شيء في الوجود قد خلقه الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ في زوجية واضحة حتى يبقى ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ متفرداً بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏. والدراسات العلمية تؤكد الزوجية في جميع المخلوقات‏.‏
‏(6)‏ أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو الذي يحكم دورة الماء حول الأرض بعلمه وقدرته وحكمته‏,‏ وينزله من السماء ماءاً مباركاً لشدة طهارته‏,‏ وبنزوله على الأرض، فإن الله ـ‏ تعالى ـ‏ يحيي به مواتها، وينبت فيها جنات وحب الحصيد‏. ويشبِّه الله ـ تعالى ـ إخراج الأموات من قبورهم في يوم البعث بإخراج النبات من الأرض بعد إنزال ماء المطر عليها‏,‏ مما يؤكد حتمية البعث وضرورته‏.‏
‏(7)‏ وصف النخل بأنها باسقات، وأن طلعها نضيد‏.‏
‏(8)‏ إقرار حقيقة أن الإنسان مخلوق من خلق الله ـ تعالى‏ ـ وهو‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ خالق كل شيء‏,‏ وأن الموت حق على جميع المخلوقين‏,‏ وأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ هو الذي يحيي ويميت‏,‏ وأن الخلق الأول يشهد لله الخالق بالقدرة على البعث‏.‏
‏(9)‏ إقرار حقيقة أن خلق السماوات والأرض قد تم عبر ست مراحل متتالية يحاول العلم الكسبي استقراءها اليوم‏.‏
‏(10)‏ وصف انفتاح الأرض لإخراج المدفون فيها من أجداث يوم البعث بالتشقق‏,‏ وهي عملية مختلفة‏ تماماً عن عملية التصدع‏ التي أشار إليها القرآن الكريم في مقام آخر‏,‏ وفي ذلك من الدقة العلمية ما فيه‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معاملة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة السابعة في القائمة السابقة، والتي تتحدث عن النخل الباسقات وعن طلعها النضيد‏,‏ وقبل الولوج في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏.‏



من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ:
" وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ‏ " (‏ ق‏:10).‏
ذكر الطبري‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره‏: " وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ " طوالا‏,‏ والباسق هو الطويل‏. " لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ‏ "  متراكب بعضه على بعض‏. (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أرى حاجة إلى تكراره هنا‏.‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
أشارت هذه الآية الكريمة إلى النخل الباسقات‏,‏ وهو نوع خاص من النخل يتميز بطول ساقه ـ جذعه ـ‏ حتى ليتجاوز الثلاثين متراً في الارتفاع‏,‏ علماً بأن هناك من أنواع النخل القصير ما لا يتجاوز ارتفاع جذعه المترين‏,‏ وبذلك تتضح الحكمة من الإشارة إلى النخل الطوال في هذه الآية الكريمة‏,‏ ومن اتباع الوصف " بَاسِقَاتٍ " بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ:" لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ " (ق:10).في ذلك إشارة إلى القدرة الإلهية المبدعة التي تتجلى في خلق النخلة الباسقة‏‏ بهذا الطول الفاره‏,‏ وإعطائها من القدرات البينة الظاهرة‏,‏ والخفية المستترة‏,‏ ما جعل من النخل مضرب المثل في القرآن الكريم الذي ذكره في عشرين موضعا‏ًً,‏ وفضَّله دوماً على غيره من أنواع الزروع‏,‏ والفاكهة‏,‏ وجعله في مقابلة غيره من أنواع النباتات‏.‏
فمن القدرات الظاهرة للنخل ثباته في الأرض‏,‏ وارتفاعه فوق سطحها، ومقاومته للرياح‏,‏ وتحمله للحرارة الشديدة والجفاف، وقوته وتعميره‏,‏ ووفرة إنتاجيته تحت أقسى الظروف‏,‏ وتعدد أشجاره وثماره شكلاً ولوناً وطعماً وحجماً وفائدة‏ًً,‏ وتعدد الفوائد المرجوة من كل جزء من أجزاء شجرته المباركة‏.
ومن القدرات المستترة للنخلة تلك القدرات الفائقة التي وهبها الله إياها‏‏ لتعينها على القيام بكافة وظائفها الحياتية‏,‏ وفي مقدمتها القدرة على الاستفادة بماء الأرض وعناصرها ومركباتها المختلفة‏,‏ والاختيار منها حسب حاجاتها‏,‏ ورفع العصارة الغذائية إلى قمتها‏,‏ وأوراقها وأزهارها وثمارها‏,‏ وإلى مختلف أجزائها مهما تسامقت تلك القمة‏,‏ وتباعدت تلك الأوراق والأزهار والثمار‏.‏
والعائلة النخيلية تضم حوالي المائتي جنس وأكثر من أربعة آلاف نوع من الأشجار والشجيرات والمتسلقات التي تنتشر ـ أساساً ـ في كلٍ من المناطق الاستوائية والمعتدلة‏,‏ كما يكثر بعض أنواعها، كنخيل البلح في البيئات الصحراوية القاحلة‏,‏ حيث تصل درجة حرارة الجو إلى ما فوق الخمسين درجة مئوية‏,‏ ودرجة حرارة سطح الأرض إلى تسعين درجة مئوية‏,‏ وتندر الأمطار‏,‏ ومن هنا كانت أهمية التهيئة الربانية للنخيل ـ خاصة نخيل البلح ـ للاستفادة بأقل كمية من الماء‏.‏

أهمية الماء في حياة النخيل:
من المسلمات أن الماء سائل أساسي للحياة‏,‏ ولذلك يوجد بكميات قد تصل إلى أكثر من‏95%‏ من وزن بعض الكائنات الحية‏ ـ‏ نباتية كانت أو حيوانية‏ ـ‏ وذلك لأن للماء من الصفات الطبيعية والكيميائية ما وهبه بها الله قدرات فائقة على إذابة العديد من الجوامد‏‏ والغازات‏,‏ وعلى الاختلاط والامتزاج بالعديد من غيره من السوائل‏,‏ ولذلك أصبح الماء وسطاً لازماً لإتمام جميع العمليات الحيوية‏,‏ ولتلطيف درجة حرارة الأجساد الحية بتبخره منها‏.
والنباتات بصفة عامة‏,‏ والنباتات الراقية بصفة خاصة‏,‏ والصحراوية منها بصفة أخص تحتاج إلى قدر هائل من الماء الذي تحصل عليه من الوسط الذي تحيا فيه‏‏ بواسطة الجذور‏.‏ والماء يوجد في التربة على هيئة خيوط شعرية دقيقة تنتشر في المسافات البينية‏ ـ المسام‏ ـ‏ الموجودة بين حبيبات التربة‏,‏ أو على هيئة ملتصقة بتلك الحبيبات خاصة ما لها شراهة خاصة للماء منها مثل حبيبات الصلصال، وفتات المواد العضوية‏.‏
ويصل الماء إلى التربة بعد سقوط الأمطار‏,‏ أو بواسطة الري‏,‏ أو من المخزون المائي تحت سطح الأرض‏,‏ ونظراً لندرة الأمطار في المناطق الصحراوية الحالية‏,‏ فقد زودها الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بمخزون مائي كبير من أمطار غزيرة هطلت عليها قبل آلاف السنين من تعرضها لعملية التصحر، ولذلك وهب الله ـ تعالى ـ للنخيل القدرة على الوصول بجذوره العرضية إلى أي قدر من الرطوبة الموجودة في الأرض‏,‏ وحمى جذوعه بأغطية من أعناق السعف‏(‏ تعرف الواحدة منها باسم الكربة‏)،‏ وبما جعل للسعف عند اتصاله بجذع النخلة من أغماد ليفية خشنة تزيد من متانة الجذع‏,‏ وتحفظ الماء في خلاياه من البخر كما تحفظه من التغيرات المناخية، ومن عوامل التعرية ومن التعديات الحيوانية عليه‏.
كذلك جعل الله ـ‏ تعالى ـ‏ وريقات النخل‏ ـ‏ السعف‏ ـ‏ من الخوص الجلدي المانع لتسرب الماء‏,‏ وجعلها على هيئة رمحية مدببة الأطراف، ومطوية بصورة مائلة على محورها وعلى محور الورقة‏ ـ‏ السعفة‏ ـ‏ وحور بعض الوريقات على هيئة أشواك لتقليل تسرب الماء منها بعملية النتح‏،‏ كذلك حمى الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ زهور النخلة بغلاف جلدي متين‏,‏ غير منفذ للماء مستدق الحواف يحيط بها إحاطة كاملة‏,‏ ويغطي من الخارج بخملة حمراء اللون تساعد على حفظ الماء الموجود في كلٍ من الزهور والشماريخ‏,‏ وهي فروع متحورة لحمية غليظة تحمل الزهور على هيئة نورة مركبة أو سنبلة‏,‏ وتعرف الشماريخ وما عليها من زهور باسم الأغاريض‏ ـ‏ جمع إغريض.
وينتقل الماء من التربة إلى خلايا المجموع الجذري للنخلة المنغرسة في تلك التربة بفعل الفرق في جهد الماء بين محاليل التربة‏,‏ والعصارات المختزنة في الأوعية الخشبية للنخلة‏,‏ وهو ما يعرف باسم الضغط الجذري‏,‏ ثم تتوالى حركة الماء من الجذور إلى خلايا قشرة الساق حتى يصل إلى الطبقة الداخلية منها‏,‏ ثم إلى الأوعية الخشبية في قلب جذع النخلة عبر خلايا خاصة لمرور الماء وما به من عناصر ومركبات مذابة توجد في مواجهة الأوعية الخشبية مباشرة‏,‏ ويتحكم في حركة الماء هنا كذلك التدرج في قيمة جهده من خلية إلى أخرى‏.‏ كذلك فقد أعطى الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ للماء من الصفات الطبيعية ما جعله واحداً من أشد السوائل تماسكاً وتلاصقا‏ًً,‏ وأقواها بعد الزئبق على تحقيق ظاهرة التوتر السطحي؛ وذلك بسب ما وهبه الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ من خاصية القطبية المزدوجة التي جعلها الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ مميزة لجزيء الماء‏.‏
وبتعاظم التوتر السطحي للماء تتعاظم قدرته على تسلق جدران الوعاء الذي يتواجد فيه‏,‏ خاصة إذا كان قطر هذا الوعاء صغيرا‏ًً,‏ وكلما دق هذا القطر ارتفع فيه الماء بسرعة أشد‏,‏ ووصل إلى مستويات أعلى‏,‏ وهذه الخاصية المائية المعروفة باسم الخاصية الشعرية هي التي تتيح للماء الذي تمتصه جذور النخلة من الوصول إلى قمتها النامية وما حولها من أوراق، وزهور، وثمار بتدبير من الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وبذلك يبقى ماء الأرض وما به من عناصر ومركبات مذابة على هيئة متصلة من قاعدة النبات إلى قمته‏,‏ ويعين على هذا الاتصال المستمر قوة الشد الناتجة عن عملية النتح‏,‏ وهي عملية يطرد بها النبات الماء الزائد عن حاجته إلى الغلاف الجوي المحيط به على هيئة بخار الماء الذي يخرج من ثغور الأوراق والوريقات على وجه الخصوص‏.‏ وتتأثر عملية النتح هذه بعدد وحجم وتوزيع الثغور على جسم النبات، ودرجات الحرارة، والرطوبة النسبية في البيئة المحيطة‏,‏ وسرعة الرياح‏,‏ والتركيب الداخلي للأوراق والوريقات‏,‏ ويساعد عملية النتح في التخلص من الماء الزائد داخلَ النبات عملية أخرى تسمى عملية الإدماع، وتكثر في النباتات التي تحيا في المناطق العالية الرطوبة‏.‏
وقد شاءت إرادة الخالق المبدع‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ أن يجعل الأوعية الخشبية في قلب شجرة النخيل صغيرة الأقطار بشكل ملحوظ مما يساعدها على رفع العصارة الغذائية بالخاصية الشعرية إلى قمتها النامية، والتي يصل ارتفاعها في بعض الأحوال إلى أكثر من ثلاثين مترا‏ًً.‏ وبتضافر كلٍ من الضغوط الجذرية‏,‏ والخاصية الشعرية‏,‏ وقوة الشد الناتجة عن عملية النتح، ينشأ في داخل جذع النخلة قوة شد تصل إلى عشرات الضغوط الجوية تعمل على رفع العصارة الغذائية النيئة في الأوعية الخشبية ضد قوى الجاذبية من أسفل النخلة إلى قمتها مهما بلغ ارتفاع تلك القمة‏,‏ بينما تهبط العصارة الغذائية الناضجة بعد تكوينها في الأوراق من قمة النبات إلى جذوره خلال خلايا لحاء الشجرة بفعل الجاذبية الأرضية‏.

الأجزاء الرئيسية للنخلة‏:‏

نعرف من أجزاء النخلة الرئيسية ما يلي‏:‏
أولا‏ًً:‏ المجموع الجذري‏:‏
يبدأ المجموع الجذري لنخيل البلح في التكون بمجرد إنبات النواة إذا كان التكاثر بواسطة زرع النواة‏,‏ وإن كان التكاثر يمكن أن يتم بواسطة الفسائل‏,‏ أو باستخدام تقنيات استزراع الأنسجة‏,‏ وفي كل هذه الحالات تبدأ النبتة بتكون المجموع الجذري‏,‏ ويعرف المجموع الجذري الخارج من النواة النابتة باسم المجموع الجذري الوتدي‏,‏ ثم تبدأ هذه الجذور الأولية في التلاشي بالتدريج لتحل محلها جذور عرضية تنشأ من قاعدة البادرة‏,‏ وتأخذ هذه الجذور العرضية في الازدياد حجماً وعدداً مع زيادة نمو النبتة‏,‏ وهي جذور ليفية‏,‏ خالية من الشعيرات الجذرية‏,‏ وتقوم بامتصاص الماء والغذاء من التربة عن طريق خلايا السطح في هذه الجذور العرضية‏.‏ ويتميز النخيل بقدرته الفائقة على سرعة تكوين الجذور وانتشارها في التربة‏ ـ‏ خاصة التربة الرملية‏ ـ لتعين على تثبيت النخلة في الأرض وعلى إمكانية انتصابها قائمة لارتفاعات شاهقة‏.‏

ثانياً‏:‏ المجموع الخضري: ويشمل‏‏:
(1)‏ جذع النخلة‏:‏ جذع النخلة اسطواني الشكل‏ بقطر يتراوح بين‏40‏ سم‏,90‏ سم، وارتفاع يتراوح بين أقل من مترين وأكثر من ثلاثين مترا‏ًً,‏ وليست له فروع‏,‏ ومغطى بنوع خاص من الليف‏,‏ وبنهايات السعف القديم الذي تعرف الواحدة منه باسم الكربة، وهي تُقَوِّي الجذع‏,‏ وتحميه من عوارض الجو‏,‏ ومن تعدي الحيوانات‏,‏ ومن بخر ما به من ماء‏,‏ وتعينه على الانتصاب قائماً لعشرات الأمتار فوق سطح الأرض‏.
(2)‏ القمة النامية للنخلة‏:‏ وتعرف باسم‏(‏ الجمارة‏),‏ وتحتوي على البرعم القمي الوحيد الموجود في رأس النخلة‏,‏ وتختزن فيه كمية كبيرة من العصارة الغذائية الناضجة‏,‏ ويقوم هذا البرعم القمي الوحيد بعمليات النمو الرأسي، فيؤدي إلى استطالة الجذع‏,‏ وتكوين الأوراق عليه‏,‏ وتكوين كلٍ من الزهور والثمار‏,‏ وبموت هذه القمة النامية تموت النخلة‏,‏ ولذلك أحاطها الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ بغلاف عازل سميك‏,‏ مكون من قواعد السعف الملتفة والمتراصة لحمايتها من التغيرات المناخية والجوية‏.‏ وتنقسم هذه القمة النامية إلى جزء سفلي يخرج منه السعف والليف، ويعرف باسم قلب الجمارة‏,‏ وجزء علوي تخرج منه العذوق‏ ـ‏ جمع عذق ـ‏ ويعرف باسم طلع الجمارة، أو طلع النخلة، وعود العذق‏ ـ‏ العرجون‏ ـ أو القنو من النخل هو ما بين الشماريخ إلى منبته من النخلة‏,‏ والعذق هو حامل الشماريخ ـ‏ جمع شمراخ وشمروخ‏ ـ‏ وهو العود الرفيع الذي عليه البسر، ويسمى أحياناً باسم العثكال‏.
(3)‏ أوراق النخل‏(‏ سعف النخل‏):‏ وهي أوراق مركبة‏,‏ ريشية الشكل‏,‏ طويلة جداً، إذ يتراوح طولها بين حوالي الثلاثة والستة أمتار تقريباً‏,‏ وتنتج النخلة الواحدة بين العشرة والعشرين سعفة في السنة بدءاً من قمتها النامية‏ ـ‏ الجمارة‏.‏ والورقة لها نصل‏ ـ‏ عرق وسطي‏ ـ‏ طويل‏,‏ مرن‏,‏ قوي‏,‏ متين‏,‏ يزيد عرضه عند اتصاله بالجذع‏,‏ ويتناقص في اتجاه طرفه‏,‏ ويتباين لونه من الأصفر إلى الأحمر القاني إلى البني‏,‏ ويحمل هذا النصل الوريقات‏ ـ الخوص‏ ـ التي يتراوح عددها بين‏240,120‏ وريقة ـ خوصة ـ‏ وطولها بين‏15‏ سم‏,100‏ سم‏,‏ وعرضها بين 1 سم و‏6سم، هذا بالإضافة إلى عدد من الأشواك في الجزء السفلي من السعفة‏,‏ وكل شوكة عبارة عن وريقة متحورة‏,‏ وقد تتواجد مفردة أو في مجموعات‏,‏ وتتصل الوريقة بالمحور الرئيسي للورقة بواسطة انتفاخ عند قاعدة الخوصة‏.‏ ويوجد لكل ورقة غمد يحيط بالساق‏,‏ وتنفصل منه المادة الليفية الحمراء التي تحيط بالجذع‏,‏ وتعمل على زيادة متانته‏,‏ وقوته‏,‏ كما تعمل على حمايته، وعلى حفظ ما به من سوائل‏.‏

ثالثاً‏:‏ المجموع الزهري والثمري للنخلة‏:‏

تخرج نورة النخلة من إبط الورقة‏,‏ والنورة عبارة عن إغريض مركب ومتفرع إلى عدة أفرع ـ‏ شماريخ ـ يحمل كلٌ منها أزهاراً أو منغرسة في الفرع المحمولة عليه‏,‏ والإغريض عبارة عن سنبلة مركبة تشمل الشماريخ والأزهار‏,‏ والشماريخ‏ ـ جمع شمراخ وشمروخ‏ ـ‏ هي فروع متحورة‏,‏ لحمية‏,‏ غليظة تحمل الأزهار‏,‏ والأزهار وحيدة الجنس ـ‏ إما مؤنثة أو مذكرة‏ ـ‏ منتظمة‏,‏ بدون عنق‏,‏ أي محمولة على الشمراخ مباشرة‏,‏ وهناك ما يقرب من العشرة آلاف زهرة على الطلع الواحد‏,‏ ومن هنا كان التعبير القرآني‏:" لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ " (ق:10) ـ أي منضود ـ ويحمل النورة محور يصلها برأس جذع النخلة‏,والأزهار المذكرة بيضاء اللون‏,‏ مائلة إلى شيء من الصفرة‏,‏ وتوجد في فحول النخل، أما الأزهار المؤنثة فهي صفراء اللون‏,‏ وهي أصغر حجماً من الأزهار المذكرة‏,‏ وتوجد على إناث النخل‏.‏وفي الحالتين يتركب الطلع من غلاف جلدي متين يحيط بالأزهار‏,‏ ويعرف باسم الجف‏,‏ ويعرف ما بداخل هذا الغلاف من أزهار، وعذوق، وشماريخ باسم الأغاريض‏,‏ وتتميز الأغاريض المذكرة بقصر شماريخها‏,‏ وكثرة عذوقها‏,‏ وتحمل أزهاراً متلاصقة‏,‏ أما الأغاريض المؤنثة فتحمل عدداً أقل من الأزهار‏,‏ تتوزع متباعدة عن بعضها البعض على شماريخ أطول وأدق‏.‏
وعند حدوث التلقيح بين فحول النخل وإناثه إما تلقيحاً طبيعياً ـ أي فطريا‏ ـ‏ بواسطة كلٍ من الرياح والحشرات‏،‏ أو تلقيحاً صناعيا‏ًً ـ‏ يدوياً أو آلياً ـ‏ تتم عملية الإخصاب، فتنتج الثمرة من أحد الكرابل الثلاث التي تكون الزهرة المؤنثة‏,‏ وتضمحل الكربلتان الأخريان وتسقطان على الأرض‏. ويتكون المجموع الثمري للنخلة من الطلع‏(‏ الكفري‏),‏ والعذوق‏,‏ والشماريخ‏,‏ والثمار‏,‏ وثمرة البلح حسلية‏,‏ بداخلها نواة ذات فلقة واحدة تحتضن جنين النخلة بداخلها‏,‏ وتحيط به طبقة الأندوسبرم على هيئة سويداء قرنية لحماية الجنين وتغذيته في فترة الإنبات‏.
وفي حالة عدم تلقيح الزهرة المؤنثة تستمر الكرابل الثلاث في النمو، وتعطي ثماراً صغيرة بدون نوى‏,‏ ومجتمعه مع بعضها تحت قمع واحد‏,‏ وهي ثمار لا قيمة لها من الناحية الاقتصادية أو الغذائية‏.
ويزرع نخيل البلح لثماره التي تؤكل‏,‏ ولخشبه وجريده وخوصه‏,‏ وأليافه التي لها من الاستخدامات ما لا يتسع المقام لحصره‏.
فسبحان الذي أنزل من قبل أربعة عشر قرناً قوله الحق‏:" وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ " (ق:10)، ثم يأتي العلم الكسبي بعد أربعة عشر قرناً ليؤكد لنا روعة القوى التي وضعها الله‏ ـ تعالى ـ‏ في النخلات الطوال كي تمكنها من رفع العصارة الغذائية من التربة إلى قمتها‏,‏ ويؤكد لنا حقيقة أن هناك ما يقرب من العشرة آلاف زهرة على الطلع الواحد منضودة ـ أي متراكبة ـ بعضها فوق بعض، فتأتي الثمار منضودة كذلك‏,‏ وهي حقائق لم تكن معروفة في زمن الوحي‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ أبقاها الله‏ ـ تعالى ـ في محكم كتابه شاهدة له بأنه كلام الله الخالق‏,‏ وشاهدة للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏.‏ فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏.‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏