" َوهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ‏ " (الأعراف:57).


هذا النص القرآني القاطع جاء في مطلع الربع الثاني من سورة الأعراف‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏206,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود ذكر الأعراف فيها‏,‏ وهي أسوار مضروبة بين الجنة والنار تحول بين كلٍ من أهليهما؛‏ تكريماً لأهل الجنة‏,‏ وإذلالاً لأهل النار ‏. ويدور المحور الرئيسي للسورة الكريمة حول قضية العقيدة الإسلامية القائمة على التوحيد الخالص لله وحده‏ (‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏),‏ والعبودية الكاملة من كافة الخلق لله ـ سبحانه وتعالى ـ وهي العقيدة التي علمها ربنا‏ ـ‏ تبارك اسمه‏ ـ‏ لأبينا آدم ـ عليه السلام‏ ـ‏ منذ اللحظة الأولى لخلقه‏,‏ وأنزلها على سلسلة من أنبيائه ورسله‏,‏ وأتمها وأكملها وحفظها في رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـصلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ .‏
وتبدأ سورة الأعراف بأربعة حروف من الفواتح الهجائية‏ "‏ المص‏",‏ وهذه الحروف المقطعة من أسرار القرآن الكريم التي حاول عدد من العلماء الاجتهاد في فهم دلالاتها‏,‏ وتوقف العدد الأكبر منهم عن الخوض في تفسيرها‏,‏ واكتفوا بتفويض الأمر فيها إلى الله .‏ بعد ذلك مباشرة خاطبت السورة الكريمة خاتم الأنبياء والمرسلين  ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بألا يضيق صدراً بتكذيب قومه له وللقرآن الكريم الذي أنزله الله‏ ـ‏ تعالى ـ إليه‏,‏ ونادت على الناس جميعاً بضرورة اتباع هذه الرسالة الخاتمة التي أنزلت إليهم من ربهم‏,‏ وحذرتهم من الشرك بالله‏,‏ ومن أنهم قليلاً ما يتعظون‏,‏ وأردفت بذكر مصارع المكذبين من الأمم السابقة‏,‏ الذين رفضوا هدى ربهم‏,‏ وحاربوا أنبياءه ورسله‏,‏ كما ذكرت الآيات بعد ذلك بموقف الحساب يوم القيامة ، وبمصائر كلٍ من المفلحين والظالمين فيه‏,‏ وأشارت إلى فضل الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ على العباد بتمكينهم في الأرض تمكيناً يستوجب الشكر والحمد‏ .‏


ثم أخذت السورة الكريمة في استعراض قصة البشرية ممثلة في خلق الأسرة الأولى من آدم ـ‏ عليه السلام ـ وزوجته حواء‏ ـ‏ رضي الله عنها وأرضاها‏ ـ‏ وتكريمهما وصراعهما مع الشيطان الرجيم منذ اللحظة الأولى لوجودهما في الجنة‏,‏ وقد ابتليا وذراريهما بقدر من الاختبار والابتلاء بمحاولة الشيطان وذراريه غوايتهم عن منهج الله‏,‏ تلك الغواية التي أخرجت آدم وزوجه من الجنة‏,‏ وأدت إلى الهبوط بهما إلى الأرض لتبدأ رحلة الحياة والموت‏,‏ ومن بعدها البعث والنشور‏,‏ ويحذر الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ عباده من فتنة الشيطان وجنوده وأعوانه‏,‏ ويوصيهم بعدد من الوصايا‏,‏ ويُحِلَّ لهم الطيبات‏,‏ ويحرِّم عليهم الفواحش ما ظهر منها‏‏ وما بطن‏,‏ والإثم والبغي بغير الحق‏,‏ ومن أخطرها‏:‏ الشرك بالله‏,‏ والتقول عليه‏ ـ‏ سبحانه ـ‏ بغير علم‏,‏ وافتراء الكذب عليه‏,‏ والتكذيب بآياته‏,‏ والكفر به ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ وغير ذلك من الاعتقادات الفاسدة‏,‏ والسلوكيات الهابطة التي تودي بصاحبها إلى جهنم و بئس المصير‏ .‏ وتعرض الآيات في هذه السورة الكريمة لشيء من أحوال كلٍ من أهل الجنة وأهل النار‏,‏ وأهل الأعراف بينهما‏,‏ كما تعرض لشيء من أفضال الله على عباده ـ وما أكثرَها‏! ـ‏ وتأمر الناس بالاتجاه إلى الله‏ ـ تعالى ـ‏ دوماً بالدعاء وبالضراعة سراً بخشوع وخضوع تامين؛ خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته‏؛‏ لأنه لا يحب المعتدين المتشدقين برفع الصوت في الدعاء تظاهراً ورياء‏اً,‏ وتأمرهم بألا يفسدوا في الأرض بالكفر والشرك والمعاصي والإفساد بعد إصلاحها ببعثة الأنبياء والمرسلين‏,‏ ودعوتهم الناس إلى عبادة الله على التوحيد الخالص‏,‏ وحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة عدل الله فيها‏ . ومن قبيل التثبيت لرسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ عرضت السورة الكريمة لقصص عدد من المرسلين‏,‏ ولتفاعل أقوامهم معهم‏,‏ ولشيء من جزائهم، بدءاً بنوح‏,‏ ثم هود‏,‏ وصالح‏,‏ ولوط‏,‏ وشعيب‏,‏ وموسى ‏ـ ‏على نبينا وعليهم أجمعين من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ـ وتعرض الآيات لمصارع المكذبين في كل قصة من قصص تلك الأمم‏,‏ مؤكدة على وحدة الرسالة السماوية‏,‏ ومفصِّلة قصة موسى‏ ـ عليه السلام‏ ـ مع فرعون وملئه‏,‏ وعارضة أخذ الله لآل فرعون بالسنين والآفات‏,‏ ثم إغراق فرعون ونفر من ملئه‏,‏ وأشارت السورة الكريمة إلى انحراف بني إسرائيل، وعبادتهم العجل في غيبة من موسى‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ أثناء ميقاته مع ربه، كما أشارت إلى طلب رؤية الله‏,‏ ودك الجبل وصعق موسى‏,‏ وتنزيل الألواح عليه‏,‏ وأشارت إلى الميقات الثاني مع سبعين من قوم موسى‏,‏ وصعقهم حين قالوا‏:
"‏ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً‏ " (البقرة:55) ,‏ ثم عصيانهم في دخول القرية‏,‏ وإصرارهم على الصيد يوم السبت‏ ـ‏ وهو محرَّم عليهم‏ ـ ونتق الجبل فوقهم كأنه ظُلَّة‏,‏ ومسخ الظالمين منهم قردة وخنازير‏,‏ وبعث الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة‏,‏ وتشريدهم في الأرض عقاباً لهم على تحريفهم كلام الله‏ . وتتابع سورة الأعراف في سياقها الإشارة إلى الرسالة الخاتمة‏,‏ وذلك بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ رادَّاً على موسى في ضراعته إلى الله ألا يهلكهم بما فعل السفهاء منهم فقال‏ ـ‏ عز من قائل ـ :‏‏"...‏ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ‏ " ‏‏(‏الأعراف‏:157,156)‏ .
وفي نور هذه البشرى الإلهية بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتي سبقت مجيئه بمئات السنين‏,‏ تأمره الآيات في سورة الأعراف بالإعلان عن حقيقة رسالته‏,‏ وذلك بقول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ "(‏الأعراف‏:158) .‏
وتذكر السورة الكريمة العهد الذي أخذه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على الخلق أجمعين وهم في عالم الذر في أصلاب آبائهم ، وأشهدهم أنه لا إله إلا الله‏,‏ وأنه لا رب ولا معبود سواه‏,‏ ثم تعرض للذين آتاهم الله آياته ثم انسلخوا منها‏,‏ فأصبحوا من الغاوين‏,‏ وأصبحوا نهباً للشياطين‏,‏ وأخلدوا إلى الأرض اتباعاً للهوى‏,‏ وأصبح الفرد منهم كالكلب
" ..‏ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " (‏الأعراف‏:176)‏ .
وتأمر السورة الكريمة المؤمنين بالمداومة على ذكر الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا‏,‏ وتؤكد دور الرسول الخاتم والنبي الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأنه نذير مبين وبشير للمؤمنين‏,‏ وتشير إلى ملكوت السماوات والأرض‏,‏ وإلى خلق الله بصفة عامة‏,‏ وتحذر من اقتراب الأجل ودنو الآخرة‏,‏ التي لا يعلم وقتها إلا الله‏؛ لأنها لا تأتيهم إلا بغتة ـ كما قرر ربنا‏ تبارك وتعالى ـ‏ ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏,‏ وتحدد السورة الكريمة دور الرسول الخاتم بالإنذار والبشارة‏,‏ والتحذير من مخاطر الشرك بالله وعواقبه‏ .‏ وكما بدأت السورة بخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ تختتم بالخطاب إليه‏,‏ وإلى أمته المؤمنة إلى يوم الدين بالحض على مكارم الأخلاق‏,‏ والأخذ بضوابط السلوك‏,‏ والاستماع بإنصات إلى القرآن الكريم حين يُقرأ؛ طلباً لعفو الله ورحمته‏,‏ والأمر بذكر الله في النفس تضرعاً وخُيْفَة‏,‏ ودون الجهر من القول بالغدو والآصال‏,‏ والتحذير من الغفلة عن ذلك‏,‏ والتذكير بأن الملائكة تسبح بحمد الله وتسجد له‏ ـ‏ تعالى ـ‏ دون توقف ودون فتور ‏.


ومن الحقائق الكونية والتاريخية التي استشهدت بها سورة الأعراف للدلالة على صدق ما جاء بها ما يلي‏ :‏
(1)‏ خلق السماوات والأرض في ست مراحل متتالية‏ .‏
‏(2)‏ إغشاء الليل بالنهار في سرعة عالية عند بدء الخلق، بمعنى سرعة دوران الأرض حول محورها عند أول خلقها ‏,‏ وهي حقيقة لم يدركها العلماء إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ .‏
‏(3)‏ تسخير كلٍ من الشمس والقمر والنجوم بأمر الله لحفظ السماء الدنيا‏,‏ ولمصلحة الأرض ومن عليها‏ .‏
‏(4)‏ إرسال الرياح بشراً بين يدي رحمة الله لتقل السحاب الثقال بقطيرات الماء‏,‏ وتسوقه بإرادة الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ إلى بلد ميت‏,‏ فينزل الله به الماء ثم يخرج بهذا الماء من كل الثمرات‏,‏ ويضرب الله ـ تعالى ـ المثل بإخراج النبات من الأرض بعد إنزال ماء المطر‏,‏ بإخراج الموتى بعد إنزال مطر خاص، فينبت كل كائن حي من عجب ذنبه مثلما تنبت البقلة من حبتها‏,‏ كما جاء في وصف رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عدد من أحاديثه الشريفة‏ .‏
‏(5)‏ انفجار اثنتي عشرة عيناً من الماء إلى الشرق من خليج السويس بضرب موسى الحجر بعصاه كما أخبر القرآن الكريم‏ ,‏ والمنطقة تعرف اليوم باسم عيون موسى‏ .‏
‏(6)‏ إخبار القرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة سنة بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ سوف يسلط على اليهود من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة‏,‏ وقد تحقق ذلك بالفعل، وندعو الله ـ تعالى ـ لهم بالمزيد من العذاب في الدنيا قبل الآخرة‏(‏ اللهم آمين آمين آمين‏)‏ ، فقد فَجَرُوا في الزمن الحاضر، وبالغوا في فجورهم إلى الحد الذي يفوق كل تصور بدعم من الأمريكان المتجبرين‏, ‏والذين سيقلبهم الله عليهم، ثم يعاقبهم أجمعين عقاباً يفوق كل وصف‏‏ وكل خيال إن شاء الله رب العالمين ‏.‏
‏(7)‏ التنبؤ بأن اليهود الكافرين سوف يحرِّفون دينهم‏,‏ ويتقوَّلون على الله‏ ـ تعالى ـ‏ بغير الحق‏,‏ وسوف يسعون في الأرض فسادا‏ًً
"‏ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ " ,‏ وأن الله ـ تعالى ـ سوف يشردهم ويقطعهم في الأرض أمماً‏,‏ وقد تحقق ذلك‏,‏ وندعوه ـ تعالى ـ بالمزيد من تشريدهم وتقطيعهم جزاء إفسادهم في الأرض‏,‏ واستعلائهم الكاذب على الخلق في أيامنا الراهنة ‏.‏
‏(8)‏ إثبات حقيقة وجود للإنسان في عالم الذر‏,‏ وهي حقيقة لم يدركها العلماء إلا بعد اكتشاف قوانين الوراثة‏ .‏
‏(9)‏ عظمة ملكوت السماوات والأرض ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى مجلدات في شرحها، ولذلك سوف أقصر حديثي هنا على النقطة الرابعة وهي إرسال الرياح‏,‏ وقبل الخوض في ذلك أعرض لأقوال عدد من المفسرين في شرح الآية التي نحن بصددها‏,‏ وهي الآية رقم‏ (57)‏ من سورة الأعراف‏.‏ في تفسير قوله‏(‏ تعالى‏) :
‏ " وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ "    (‏الأعراف‏:57)‏.
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله ـ‏ ما نصه‏:‏ لما ذكر ـ تعالى ـ أنه خالق السماوات والأرض‏,‏ وأنه المتصرف الحاكم‏,‏ المدبر المسخر‏,‏ وأرشد إلى دعائه؛ لأنه على ما يشاء قدير‏,‏ نبه ـ تعالى ـ على أنه الرزاق‏,‏ وأنه يعيد الموتى يوم القيامة فقال
‏: "‏ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً ‏"‏  أي مبشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر‏,‏ ومنهم من قرأ بشرا‏ًً,‏ لقوله‏ : "‏ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ‏" ( الروم:46)‏ ،  وقوله‏: " بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ‏" أي بين يدي المطر‏,‏ كما قال‏: "‏ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ "   (الشورى :28).
‏ وقال‏:‏ " فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيٍْ قَدِيرٌ‏ " (الروم:50) . وقوله‏: " حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً " أي حملت الرياح سحاباً ثقالاً أي من كثرة ما فيها من الماء تكون ثقيلة قريبة من الأرض مُدْلَهِمَّة‏ . ‏وقوله ـ تعالى ـ ‏: "‏ سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ ‏" أي إلى أرض ميتة مجدبة لا نبات فيها‏,‏ كقوله‏: " وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا "  (يس :33) .
 ولهذا قال: " فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى "‏ أي كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها‏,‏ كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميماً يوم القيامة‏ .‏ وهذا المعنى كثير في القرآن‏,‏ يضرب الله مثلاً ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها‏,‏ ولهذا قال: " لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون    . (انتهى قول المفسر) ‏
وجاء في الظلال‏ ـ رحم الله كاتبها رحمة واسعة ـ‏ ما نصه ‏:‏
إنها آثار الربوبية في الكون‏,‏ آثار الفاعلية والسلطان والتدبير والتقدير‏,‏ وكلها من صنع الله‏,‏ الذي لا ينبغي أن يكون للناس رب سواه‏,‏ وهو الخالق الرازق بهذه الأسباب التي ينشئها برحمته للعباد‏ .‏ وفي كل لحظة تهب ريح‏,‏ وفي كل وقت تحمل الريح سحاباً‏,‏ وفي كل فترة ينزل من السحاب ماء‏,‏ ولكن ربط هذا كله بفعل الله ـ كما هو في الحقيقة ـ هو الجديد الذي يعرضه القرآن هذا العرض المرتسم في المشاهد المتحركة كأن العين تراه‏ .‏
إنه هو الذي يرسل الرياح مبشرات برحمته‏,‏ والرياح تهب وفق النواميس الكونية التي أودعها الله هذا الكون ‏..‏ وحمل الرياح للسحاب يجري وفق نواميس الله في الكون أيضاً ‏،‏ ولكنه يقع بقدر خاص‏,‏ ثم يسوق الله السحاب ـ بقدر خاص منه ـ إلى
" لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ"..‏ صحراء أو جدبا‏ًً..‏ فينزل منه الماء ـ بقدر كذلك خاص ـ فيخرج من كل الثمرات ـ بقدر منه خاص ـ يجري كل أولئك وفق النواميس التي أودعها طبيعة الكون وطبيعة الحياة ‏.‏
إن التصور الإسلامي في هذا الجانب ينفي العفوية والمصادفة في كل ما يجري في الكون ‏..‏ كما ينفي الجبرية الآلية‏,‏ التي تتصور الكون كأنه آلة‏,‏ فرغ صانعها منها‏,‏ وأودعها القوانين التي تتحرك بها‏,‏ ثم تركها تتحرك حركة آلية جبرية حتمية وفق هذه القوانين ‏.
إنه يثبت الخلق بمشيئة وقدر‏,‏ ثم يثبت الناموس الثابت والسنة الجارية‏,‏ ولكنه يجعل معها القدر المصاحب لكل حركة من حركات الناموس‏,‏ ولكل مرة تتحقق فيها السنة‏,‏ القدر الذي ينشئ الحركة، ويحقق السنة‏,‏ وفق المشيئة الطليقة من وراء السنن والنواميس الثابتة‏ .‏ إنه تصور حي‏,‏ ينفي عن القلب البلادة‏,‏ بلادة الآلية والجبرية‏,‏ ويدعها أبداً في يقظة وفي رقابة‏ ..‏ كلما حدث وفق سنة الله‏,‏ وكلما تمت حركة وفق ناموس الله‏,‏ انتفض هذا القلب‏,‏ يرى قدر الله المنفذ‏,‏ ويرى يد الله الفاعلة‏,‏ فيسبِّح الله ويذكره ويراقبه‏,‏ ولا يغفل عنه بالآلية الجبرية ولا ينساه‏ .‏
هذا تصور يستحيي القلوب‏,‏ ويستجيش العقول‏,‏ ويعلقها جميعاً بفاعلية الخالق المتجددة‏,‏ وبتسبيح البارئ الحاضر في كل لحظة وفي كل حركة‏,‏ وفي كل حدث آناء الليل وأطراف النهار ‏.‏
كذلك يربط السياق القرآني بين حقيقة الحياة الناشئة بإرادة الله وقدره في هذه الأرض‏,‏ وبين النشأة الآخرة‏,‏ التي تتحقق كذلك بمشيئة الله وقدره‏,‏ على المنهج الذي يراه الأحياء في نشأة هذه الحياة‏ :
"‏ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " ....‏
إن معجزة الحياة ذات طبيعة واحدة‏,‏ من وراء أشكالها وصورها وملابساتها‏..‏ هذا ما يوحي به هذا التعقيب‏...‏ وكما يخرج الله الحياة من الموت في هذه الأرض‏,‏ فكذلك يخرج الحياة من الموتى في نهاية المطاف ‏...‏ إن المشيئة التي تبث الحياة في صور الحياة‏ وأشكالها في هذه الأرض‏,‏ هي المشيئة التي ترد الحياة في الأموات‏,‏ وإن القدر الذي يجري بإخراج الحياة من الموات في الدنيا‏,‏ لهو ذاته القدر الذي يجري بجريان الحياة في الموتى مرة أخرى ‏...." لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏" فالناس ينسون هذه الحقيقة المنظورة‏,‏ ويغرقون في الضلالات والأوهام‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ على كاتبه من الله الرضوان‏ ـ ما نصه‏:
" بُشْراً ‏"‏ بضم فسكون الشين‏,‏ مخفف"‏ بُشُرَاً‏ " بضمتين جمع بشير‏,‏ كنذير ونُذُر‏,‏ أي مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق . "‏ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً " بما فيه من الماء‏,‏ وحقيقة أقله‏:‏ وجده قليلاً ثم استعمل بمعنى حمله‏؛ لأن الحامل يستقل ما يحمله بزعم أن ما يرفعه قليل‏ . و‏"‏سَحَابا‏" اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء‏,‏ روعي معناه في قوله‏: "‏ ثِقَالاً" ولفظه في قوله‏: "‏ سُقْنَاهُ ‏" و‏" ثِقَالاً " جمع ثقيلة من الثُقَل ـ كعنب ـ ضد الخفة . قال‏:‏ ثَقُلَ ـ ككَرُمَ ـ ثقلا وثقالة‏,‏ فهو ثقيل وهي ثقيلة‏  " لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ"‏ مجدب لا ماء فيه ولا نبات‏ . "‏ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى" ‏ أي كما أحيينا الأرض بعد موتها بإحداث القوى النامية فيها‏,‏ وإنزال الماء عليها‏,‏ وتطريتها بأنواع النبات والثمرات نخرج الموتى من الأرض، ونبعثهم أحياءاً في اليوم الآخر‏ .‏
وذكر بقية المفسرين كلاماً مشابهاً لا أرى ضرورة لإعادته هنا ‏.‏



إرسال الرياح في القرآن الكريم :
جاء ذكر الريح بالإفراد والجمع في‏29‏ موضعاً من القرآن الكريم‏,‏ منها‏19‏ مرة بالإفراد وعشر مرات بالجمع‏,‏ والريح هو الهواء المتحرك‏,‏ وأغلب المواضع التي ذكر الله ـ تعالى ـ فيها إرسال الريح بلفظ الواحد كانت متعلقة بالعذاب‏,‏ وأغلب المواضع التي جاء فيها ذكر الرياح بصيغة الجمع هي متعلقة بالرحمة‏,‏ وإن كانت هناك بعض الاستثناءات‏,‏ وذلك مثل قوله ـ تعالى‏ ـ :‏
(1)" هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ ... "   ‏‏(‏يونس‏:22) .‏
(2)" وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ "   ‏‏‏(‏الأنبياء‏:81)‏ .
(3)" وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ‏..." (‏ سبأ‏:12)‏ .
(4)" فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ‏ " (‏ ص‏:36) .‏
(5)" وَمِنْ آيَاتِهِ الجَوَارِ فِي البَحْرِ كَالأَعْلامِ . إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ "(‏ الشورى‏:32ـ33) .‏
(6)‏"...‏ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ "  (‏ البقرة‏:164) .‏
(7)" وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ‏.."  (‏ الأعراف‏:57)‏ .
(8) 
" وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ‏ " ‏(‏الحجر‏:22) .‏
(9)" اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ..." (‏ الروم‏:48)‏ .
وتصف الآيات القرآنية حركة الرياح دوماً بالتصريف والإرسال؛‏ وذلك لأنها حركة منتظمة السلوك‏,‏ ومحكمة التوزيع بدقة فائقة حول الكرة الأرضية على الرغم من ظاهرها الذي يصفها بالهياج‏,‏ وعلى الرغم من تعدد وتشابك القوى المحرِّكة‏ لها‏,‏ فذلك كله لا يخرجها عن كونها جنداً من جند الله يرسلها بالرحمة والعذاب كيفما يشاء ‏.‏

إرسال الرياح في منظور العلوم المكتسبة :
تُعرف الرياح بأنها أجزاء من الغلاف الغازي للأرض، تتحرك حركة مستقلة عن الأرض ـ على الرغم من ارتباطها بها ـ في عدد من الاتجاهات المختلفة‏,‏ التي يمكن إدراكها إلى ارتفاع يصل إلى‏65‏ كيلو متراً فوق مستوى سطح البحر ‏.
‏ والغلاف الغازي للأرض يقدر سُمْكه بعدة آلاف من الكيلو مترات‏,‏ وتُقدر كتلته بنحو الستة آلاف مليون مليون طن ‏(61201210‏ طن‏),‏ ويقع أغلب هذه الكتلة ‏(%99‏ من كتلة الغلاف الغازي للأرض‏)‏ دون ارتفاع‏50‏ كيلو متراً فوق مستوى سطح البحر، أي دون مستوى نطاق الركود الطبقي
(The Stratopause)‏، وعلى ذلك فإن حركة الرياح تكاد تتركز أساساً في هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وأعلى سرعة للرياح تقع فوق نطاق الرجع مباشرة‏,‏ والذي يتراوح سُمْكه بين ستة عشر‏(16)‏ كيلو متراً فوق خط الاستواء‏,‏ وعشرة كيلو مترات فوق القطبين‏,‏ وبين سبعة‏(7)‏ وثمانية‏(8)‏ كيلو مترات فوق خطوط العرض الوسطى‏,‏ ولذلك فإن الرياح حينما تتحرك من خط الاستواء في اتجاه القطبين فإنها تهبط فوق هذا المنحنى الوسطي‏,‏ فتزداد سرعتها‏,‏ هذا بالإضافة إلى أن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق يجبر كتل الهواء على التحرك في اتجاه الشرق بسرعات فائقة تعرف باسم التيارات النفاثة (The Jet Streams ) . وتنخفض درجة الحرارة في نطاق التغيرات الجوية‏ ـ‏ نطاق الرجع ـ‏ باستمرار مع الارتفاع حتى تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته فوق خط الاستواء‏؛‏ وذلك للتباعد عن مصدر الدفء‏,‏ وهو سطح الأرض الذي يمتص‏47%‏ من آشعة الشمس أثناء شروقها، فترتفع درجة حرارته‏,‏ ويعيد إشعاع تلك الحرارة على هيئة آشعة تحت حمراء إلى الغلاف الغازي للأرض بمجرد غياب الشمس فيدفئه ‏.
كذلك يتناقص الضغط كلما ارتفعنا في الغلاف الغازي للأرض لتناقص كثافة الهواء حتى يصل إلى واحد من ألف من الضغط الجوي فوق مستوى سطح البحر بالارتفاع إلى‏48‏ كيلو متراً فوق هذا المستوى‏ .ويقدر ما يقع من وزن كتلة الغلاف الغازي المحيط بالأرض على كل فرد من بني الإنسان بنحو الطن‏,‏ ومن رحمة الله بنا أننا لا نشعر بثقله؛ لأن الضغط الداخلي في جسد كلٍ منا يقاوم هذا الوزن الذي يعرف باسم الضغط الجوي‏,‏ فنحن نعيش ومعنا بقية الكائنات الأرضية الحية وسط الغلاف الغازي للأرض‏,‏ كما تعيش الأحياء المائية في داخل وسطها المائي‏,‏ ويوثر في هذا الضغط الجوي كلٌ من الجاذبية الأرضية‏,‏ ودرجة حرارة الجو‏,‏ وتضاريس سطح الأرض‏ بين عدد من العوامل الأخرى ‏.

التغيير في الضغط الجوي أحد عوامل حركة الرياح :
تنجم التغيرات في الضغط الجوي أساساً عن التغيرات في كم الحرارة الذي يصل إلى الأجزاء المختلفة من سطح الأرض أثناء دورانها حول محورها المائل على دائرة البروج بزاوية مقدارها ست وستون درجة ونصف تقريباً أمام الشمس‏,‏ وفي مدار حولها‏ .‏
ويؤدي الاختلاف في درجات حرارة الغلاف الغازي للأرض إلى تكون مناطق ذات ضغط مرتفع‏,‏ وأخرى ذات ضغط منخفض‏,‏ وتُرسل الرياح بإرادة الله ـ تعالى ـ‏ وحسب قوانينه وسننه في حركة رأسية وأفقية متصلة من مناطق الضغط المرتفع إلى مناطق الضغط المنخفض حسب شدة انحدار أو ارتفاع خطوط تساوي الضغط حول كل منطقة من مناطق الضغط الجوي‏ .
ويعين على ذلك سرعة دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق‏,‏ والتي تساعد في توجيه حركة الرياح، وتؤدي إلى تكسر كلٍ من الرياح الساخنة المتدفقة من المناطق الاستوائية في اتجاه القطبين‏,‏ والرياح الباردة المتدفقة من القطبين في اتجاه خط الاستواء على هيئة عدد من الخلايا الهوائية الكبيرة، بعضها خلايا دافئة ورطبة ترتفع إلى أعلى لتكون السحب الممطرة بإذن الله‏,‏ وبعضها خلايا باردة وجافة تهبط إلى أسفل‏,‏ وبعضها خلايا متوسطة البرودة والجفاف‏,‏ وهي أيضاً تمثل رياحاً هابطة إلى أسفل ‏.ويؤثر دوران الأرض حول محورها أمام الشمس تأثيراً عمودياً في حركة الرياح سرعة واتجاها‏ًً,‏ فتحرفها جهة اليمين بصفة عامة في نصف الأرض الشمالي‏,‏ وجهة اليسار بصفة عامة في نصفها الجنوبي‏,‏ ويزداد هذا الأثر في طبقات الجو العليا بمعدلات أكبر، مما يؤدي إلى تغيير اتجاه الرياح تدريجياً حتى يصبح موازياً لخطوط تساوي الضغط
(( Geostrophic Wind، أما قريباً من سطح الأرض، فإن الرياح لا تهب بموازاة خطوط تساوي الضغط تماماً بسبب احتكاكها مع تضاريس سطح الأرض ‏.‏ كذلك تُرسل الرياح بإذن من الله ـ تعالى ـ في حركات رأسية، حيث يدفأ الهواء الملامس لسطح الأرض فيرتفع إلى أعلى‏,‏ ويحل محله تيار من الهواء البارد الهابط إلى أسفل‏ .

تكون الكتل والجبهات الهوائية :
بهذه الحركة الدائبة للرياح أفقياً ورأسياً ينقسم الغلاف الغازي المحيط بالأرض‏(‏ في نطاقي الرجع والتطابق) أساساً إلى أعداد من الكتل الهوائية المتجاورة‏,‏ والكتلة الهوائية تُمثل بكمية هائلة من الهواء المتجانس فيما بينه في درجتي الحرارة والرطوبة النسبية‏,‏ تمتد أفقياُ لعدة كيلو مترات‏,‏ ورأسياً بين ثلاثمائة وثلاثة آلاف متر‏,‏ ومن هذه الكتل الهوائية ما هو دافئ‏,‏ وما هو بارد‏,‏ ومنها ما هو رطب‏,‏ وما هو جاف‏,‏ ومنها ما يغير درجة رطوبته النسبية بمروره فوق مساحات مائية كبيرة، أو فوق مساحات من الصحاري الجافة القاحلة‏ .‏
ويتكون بين الكتل الهوائية المتجاورة أفقياً ورأسياً ما يسمى باسم الجبهات الهوائية‏,‏ والجبهة الهوائية هي الحد الفاصل بين كتلتين متجاورتين من كتل الهواء المتباينة في درجات حرارتها ورطوبتها النسبية‏,‏ ولذلك تكون منطقة تفاعل جوي نشط‏ .
وإذا التقت كتلتان من الهواء فإن الباردة منها تنزل تحت الدافئة‏,‏ ويتكون بينهما منطقة انتقالية هي منطقة الجبهة الهوائية التي تحول دون اختلاطهما‏,‏ وتفصل بين صفاتهما الفيزيائية والكيميائية‏,‏ وسرعة الرياح واتجاهاتها في كلٍ منهما ‏.
وعبور الجبهة الهوائية لمنطقة ما يؤثر في ظروفها المناخية تأثيراً بالغا‏ًً,‏ فإذا كانت الجبهة باردة أدت إلى انخفاض درجات الحرارة‏,‏ وإلى تكون السحب الطباقية ونزول المطر بإذن الله‏,‏ وإذا كانت الجبهة دافئة ، أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة‏,‏ وإلى تكون السحب الركامية‏
(Cumuliform or heap clouds) المتجمعة على هيئة أكوام مكدسة من السحاب فوق بعضها البعض، بما يشبه سلاسل الجبال المفصولة بالأودية والأخاديد‏,‏ مما يعكس الارتفاعات المتعددة للهواء المشبع ببخار الماء من أماكن متفرقة‏,‏ واستمرار تدفق الهواء المشبع ببخار الماء إلى أعلى يؤدي إلى زيادة إمكانية تكثف بخار الماء فيها‏,‏ وبالتالي إلى إمكانية هطول المطر منها بإذن الله ‏.
وتؤدي الكتل الهوائية الدافئة الرطبة إلى تكون كلٍ من السحاب والضباب والندى‏,‏ ومع إرسال الرياح تتشكل السحب الطباقية بإذن الله‏
((Stratiform orlayeredclouds، وهي تتكون من طبقات تمتد أفقياً لمئات من الكيلومترات المربعة، تعكس الارتفاع المنتظم للهواء المشبع ببخار الماء عبر مساحات كبيرة‏,‏ ولذلك فهي عادة ما تكون أغزر أنواع السحب إمطاراً، وأوسعها انتشاراً بإذن الله .‏ أما إذا كانت الكتل الهوائية دافئة وجافة‏,‏ فينتج عنها تكون الصقيع في الصباح الباكر أيام فصل الشتاء‏,‏ وإثارة الغبار والأتربة والزوابع الشديدة في فصل الصيف، خاصة إذا رافقتها رياح شديدة السرعة نسبيا‏ًً .‏

المرتفعات الجوية :
يعرف المرتفع الجوي بأنه جزء من الهواء فوق منطقة معينة من الأرض، يتميز بضغط أعلى من ضغط الهواء في المناطق المحيطة به‏,‏ ومنها ‏:‏
‏(1)‏ المرتفعات الجوية الدافئة : التي تتشكل في المناطق شبه المدارية‏,‏ وتتكون بسبب هبوط‏,‏ الهواء البارد من أعلى وانضغاطه‏,‏ وبالتالي ارتفاع درجة حرارته مع زيادة ضغطه ‏.‏
‏(2)‏ المرتفعات الجوية الباردة‏ :‏ وتتشكل فوق مناطق الجليد الواسعة بفعل التبريد المستمر للهواء الساكن فوق تلك المناطق، مما يؤدي إلى تقلص الهواء وزيادة كثافته وارتفاع ضغطه ‏.‏ وتعد المناطق الهوائية ذات الضغط المرتفع مصدراً من مصادر إرسال الرياح بإذن الله؛‏ لأنها تدفع بالهواء الداخل فيها من قمتها إلى أسفل هابطاً ليخرج من قاعدتها في اتجاه عقارب الساعة، كما تدفع الهواء من حولها بعيداً عن مركزها مما يؤدي إلى حركة الكتل الهوائية‏,‏ وانتقالها تدريجياً من أماكنها بحركات دورانية رأسية وأفقية واسعة‏,‏ وهبوط الهواء من الأجواء العليا في المرتفع وانتشاره أفقياً فوق سطح الأرض من عوامل تكون كتلة هوائية مستقرة نسبياً ومتجانسة التركيب‏ .‏ ويصاحَب المرتفع الجوي عادة بشيء من صفاء الجو‏,‏ مع قلة الرطوبة النسبية‏,‏ وإن كان خروج تيار الرياح من قاعدة المرتفع قد يثير شيئاً من غبار الأرض‏,‏ ويؤدي إلى تكون عدد من الزوبعات الترابية ‏.‏

المنخفضات الجوية:
يعرف المنخفض الجوي بأنه جزء من الهواء فوق منطقة معينة من الأرض، يتميز بضغط أخفض من ضغط الهواء في المناطق المحيطة به‏,‏ ومنها‏ :‏ ‏
(1)‏ المنخفض الجوي الحراري ‏:‏ وينشأ بسبب تسخين الهواء بملامسته لسطح الأرض، مما يؤدي إلى تمدده‏,‏ وتناقص كثافته وارتفاعه إلى أعلى كما يحدث في المناطق الحارة‏ .‏
‏(2)‏ المنخفض الجوي الجبهي ‏:‏ وينشأ عند التقاء جبهتين هوائيتين إحداهما دافئة، والأخرى باردة‏,‏ فيصعد الهواء الدافئ إلى أعلى‏,‏ ويدخل الهواء البارد تحته، فتتشكل كتلتان هوائيتان دافئة وباردة ‏.‏ وتدور الرياح حول المنخفض الجوي في عكس اتجاه عقارب الساعة نحو الداخل، وعلى ذلك فإن نمو المنخفض الجوي أو اضمحلاله يعتمد على معدل دخول الهواء فيه عند سطح الأرض ومعدل خروجه منه إلى أعلى ‏.‏ وتتحرك الرياح من المرتفع الجوي إلى المنخفض الجوي قرب سطح الأرض‏,‏ وفي الأجواء العليا تتحرك بشكل أفقي معاكس بالنسبة للمرتفع الجوي ، أي يخرج من قمة المنخفض الجوي بحركة دورانية ليتجه مع الاتجاه السائد للرياح العليا‏,‏ بينما يدخل في قمة المرتفع الجوي هابطاً إلى أسفل ليخرج من قاعدته ‏.‏ ونظراً لقدوم الكتل الباردة من المناطق القطبية‏,‏ والكتل الدافئة من المناطق المدارية، فإن التقاءهما يكون غالباً فوق مناطق العروض المتوسطة‏,‏ ونظراً لانحراف الكتل الهوائية أثناء سيرها نحو اليمين في نصف الكرة الشمالي‏,‏ ونحو اليسار في نصفها الجنوبي‏,‏ فإن الجبهتين عند التقائهما تدور الرياح حول مركز المنخفض في اتجاه معاكس لاتجاه عقارب الساعة‏ .‏ وصعود الهواء الرطب إلى أعلى في منطقة الضغط المنخفض يساعد على تكثيف ما به من بخار الماء‏,‏ وعلى تكوين السحب الركامية‏,‏ وحدوث ظواهر الرعد والبرق فيها وربما إلى نزول المطر بإذن الله‏ .‏

حركة المنخفضات الجوية والجبهات الهوائية :
تتحرك المنخفضات الجوية في غالبيتها من الغرب إلى الشرق مع اتجاه دوران الأرض حول محورها بسرعات تتراوح بين‏30,20‏ كم‏/‏ ساعة‏,‏ ويرافقها في حركتها وتدور حولها جبهاتها الهوائية‏,‏ ويلاحظ تباطؤ سرعة المنخفض الجوي عند مروره فوق اليابسة‏,‏ وانحراف اتجاهه نحو القطب الشمالي أو الجنوبي للأرض‏ (‏ حسب وضعه في أي من نصفي الأرض‏)‏، خاصة إذا صادف تضاريساًَ معترضة كالسلاسل الجبلية التي يصطدم بها‏,‏ فتزيد من إمكانية صعوده إلى أعلى‏,‏ وتكون السحب الركامية‏,‏ وزيادة إمكانية تكثف بخار الماء فيها‏,‏ وبالتالي إمكانية هطول المطر منها بإذن الله‏ ، ‏ولذلك يمنُّ علينا ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ بقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏ " وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ " (‏ الاعرف‏:57) .‏
وتشير الآية الكريمة إلى حركات الرياح الأفقية والرأسية‏,‏ ودورها في تكوين وحمل السحاب الثقال‏(‏ المزن المثقلة بما فيها من قطرات الماء‏),‏ وسوقه أفقياً إلى حيث يشاء الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ وإنزال ما به من ماء‏(‏ حين تصل كتلة قطرة الماء حدا لا يقوي السحاب على حمله‏),‏ فيحيى به الله ـ‏ تعالى‏ ـ الأرض بعد موتها، ويخرج به من كل الثمرات‏,‏ ويضرب ذلك مثلاً لإخراج الموتى .
‏ فسبحان الذي أنزل القرآن بهذه الدقة العلمية الفائقة حتى في مقام ضرب المثل‏,‏ وصلِ اللهم وسلم وبارك على النبي الأمي الذي تلقاه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين‏ .‏