" وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ " (فصلت‏:37).


هذا النص القرآني المعجز جاء في مطلع الثلث الأخير من سورة فصلت، وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها أربع وخمسون‏,‏ ويدور محورها الرئيسي حول القرآن الكريم وعن كونه هدى وشفاء للمؤمنين‏,‏ على الرغم من صد المشركين والكافرين عنه‏,‏ وعن دعوته الرئيسية إلى توحيد الله والاستقامة على هديه ‏.‏
وقد استهلت السورة بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ :
" حم . تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "(فصلت‏:1-3)‏‏ .
وحم من الحروف المقطعة التي افتتحت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم‏,‏ والتي تضم أسماء نصف عدد حروف الهجاء الثمانية والعشرين‏,‏ والتي تعتبر من أسرار القرآن على الرغم من المحاولات العديدة التي بذلت من أجل تفسير دلالاتها‏ .‏
وبعد هذا الاستهلال‏ تحدثت السورة عن أن القرآن الكريم هو تنزيل من الله الرحمن الرحيم‏,‏ وأنه كتاب فصلت آياته أي‏:‏ مُيًّزت لفظاً ومعنى‏,‏ وأنه أنزل بلسان عربي ليخاطب العرب في المقام الأول‏,‏ وليحمله العرب إلى غيرهم من الأمم‏,‏ وقد يحتج نفر من غير العرب على إنزاله بالعربية‏,‏ ولو أنه أنزل بأية لغة أخرى لأثير نفس التساؤل‏:‏ لماذا أنزل بهذه اللغة دون غيرها؟
، ويرد عليهم ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ في نفس السورة بقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏
" وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِياًّ لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ "   (فصلت:44) .
وتركز السورة على القرآن الكريم مؤكدة أنه كلام الله الذي أنزله بشيراً ونذيرا‏ًً,‏ ووصفه بقوله‏ : " وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ . لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ "(‏فصلت‏41‏ ـ‏42)‏ .
وبينت السورة موقف كلٍ من المؤمنين والمشركين من هذا الكتاب العزيز‏,‏ وأمرت رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بالتأكيد على بشريته‏,‏ واصطفائه للنبوة وللرسالة، ولتلقي الوحي من الله‏,‏ وتبليغه للناس كافة في دعوة سماوية إلى التوحيد الخالص لله الخالق ‏(‏بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع‏)،‏ والتحذير من الوقوع في جريمة الشرك بالله‏,‏ والتأكيد على عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة‏,‏ واستشهدت السورة الكريمة بعدد من آيات الله في الكون على تفرد الخالق ‏ـ سبحانه وتعالى ـ بالألوهية والربوبية والوحدانية‏,‏ وعلى طلاقة قدرته في إبداع خلقه‏,‏ ووظفت كل ذلك في إثبات قدرته‏ ـ تبارك اسمه‏ ـ‏ على الإفناء وإعادة الخلق والبعث من جديد ‏.‏
وتنذر سورة فصلت المعرضين عن دين الله بعقاب مثل عقاب قوم عاد وثمود‏,‏ وعقاب غيرهم من الأمم التي قد خلت من قبلهم من كلٍ من الجن والإنس‏,‏ وتذكر ببعض مشاهد العذاب في الآخرة‏,‏ ومن أخطرها حوار الخاطئين مع جوارحهم التي سوف تشهد عليهم وعلى جرائمهم التي ارتكبوها في حياتهم الدنيا‏,‏ وحوار المشركين مع من أشركوا بهم‏ .‏
كما تتحدث السورة الكريمة عن عدد من المبشرات للمؤمنين الذين آمنوا بالله ربا‏ًً,‏ وبالإسلام دينا‏ًً,‏ وبسيدنا محمد‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ نبياً ورسولا‏ًً,‏ واستقاموا على منهج الله‏,‏ ومنها أن الملائكة تتنزل عليهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏,‏ وفي لحطات الموت وسكراته‏,‏ وفي أثناء حشرجة الصدر‏,‏ وخروج الروح‏ مطمئنة إياهم برضاء الله عنهم‏,‏ ومغفرته لهم‏,‏ ورحمته بهم‏,‏ ومبشرة بالنعيم المقيم الذي ينتظرهم ـ إن شاء الله تعالى ‏.‏
وتقارن السورة الكريمة بين أحوالٍ كل من المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة‏,‏ وتتحدث عن شيء من أخلاق الدعاة إلى الله‏,‏ وأساليبهم في الدعوة إليه‏,‏ كما تمايز بين كلٍ من الخير والشر‏,‏ والحسنة والسيئة‏,‏ وتؤكد أنهما لا يستويان أبدا‏ًً,‏ وتثبت رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأن من قبله من الأنبياء والمرسلين قد جوبهوا بمثل ما قوبل به من الكفار والمشركين‏,‏ وتطمئنه بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ هو صاحب المغفرة، وهو في الوقت نفسه ذو عقاب أليم‏,‏ وأن من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها‏،‏ وأن الله ـ‏ تعالى ـ‏ ليس بظلام للعبيد‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يُرد إليه علم الساعة‏,‏ وعلم كل شيء‏,‏ وهو ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ علام الغيوب‏,‏ وتخلص إلى الحديث عن شيء من طبائع النفس الإنسانية‏,‏ وتختتم بهذا الوعد الإلهي القاطع‏ :‏
" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .‏ أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ  " (‏فصلت‏:53‏-‏54)‏ .
وفي هاتين الآيتين الكريمتين من التأكيد القاطع بأن مستقبل الإنسانية سوف يرى من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس ما يشهد على صدق القرآن الكريم‏,‏ وأن جدل الكافرين حول قضية البعث وشكهم في إمكانية وقوعه نابع من سقوطهم في خطأ القياس على الله‏ ـ تعالى ـ‏ بقدرات الإنسان المحدودة مما دفعهم إلى ما هم فيه من كفر وضلال‏ .    


ومن الآيات الكونية التي استشهدت بها سورة فصلت ما يلي‏ :‏
(1)‏ خلق الأرض في يومين ‏(‏ أي على مرحلتين‏).
‏(2)‏ خلق الجبال‏ .‏
(3)‏ مباركة الأرض بتهيئتها للعمران‏,‏ وتقدير أقواتها فيها في أربعة أيام ‏(‏ أي‏:‏ أربع مراحل شاملة المرحلتين السابقتين‏)
.‏
‏(4)‏ إتمام بناء الكون بجعل السماوات سبعا‏ًً,‏ كما أن الأراضين سبع‏,‏ وتزيين السماء الدنيا بالنجوم‏,‏ وجعلها حفظاً لها‏ .‏
(5)‏ عقاب الكافرين من قوم عاد بريح صرصر عاتية‏ .‏
‏(6)‏ عقاب الكافرين من قوم ثمود بالصاعقة والطاغية ‏.‏
(7)‏ شهادة كلٍ من سمع وأبصار وجلود الكافرين على جرائمهم التي ارتكبوها في الحياة الدنيا‏ .
‏(8)‏ قدرة الله ـ‏ تعالى ـ على إنطاق كل شيء ‏.‏
(9)‏ تبادل كلٍ من الليل والنهار، مما يشير إلى دوران الأرض حول محورها‏ .‏
‏(10)‏ حركات كلٍ من الشمس والقمر ‏.‏
(11)‏ اهتزاز الأرض وربوها ـ‏ أي انتفاخها وارتفاعها إلى أعلى ـ‏ بمجرد نزول الماء عليها‏,‏ وذلك لكي ترق رقة شديدة، فتنشق لتفسح طريقاً سهلاً آمناً للنبتة الطرية ـ السويقة‏ ـ‏ المنبثقة من داخل البذرة النابتة‏,‏ وتشبيه هذا الإحياء للأرض بإحياء الموتى‏,‏ وإنبات كلٍ من عجب ذنبة كما تنبت البقلة من حبتها، طبقاً لحديث رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم .‏
(12)‏ رد علم الساعة وعلم كل شيء إلى الله ـ تعالى‏ .‏

(13)‏ الوعد المستقبلي بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ سوف يُري الإنسان من آيات الخلق في الآفاق والأنفس ما يشهد بصدق كل ما جاء بالقرآن الكريم ‏.
‏(14)‏ التأكيد على أن من أسباب كفر الكافرين شكهم في إمكانية حدوث البعث لقياسهم على الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بمقاييس البشر‏,‏ والتأكيد على أن الله محيط بكل شيء ‏.‏
وسوف أقصر حديثي هنا على تبادل كلٍ من الليل والنهار، وأبدأ بأقوال المفسرين السابقين في تلك القضية‏ .

من أقوال المفسرين:
في قول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
‏ " وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ "   (‏ فصلت‏:37)‏ .
أ ـ صورة من سفينة الفضاء جاليليو لكل من الأرض والقمر فى وسط ظلمة الكون ويرى نصف كل منهما المواجه للشمس منيرا والنصف الآخر غارقا فى ظلام دامس .
ب ـ أحد رواد الفضاء يسبح فى ظلمة الكون ويرى طبقة نور النهار على سطح الأرض خطا رفيعا ازرق (200 كم ) .

ذكر ابن كثير‏ ـ يرحمه الله‏ ـ‏ ما نصه‏ :‏ يقول ـ تعالى ـ منبهاً خلقه على قدرته العظيمة‏,‏ وأنه الذي لا نظير له، وأنه على ما يشاء قدير‏:" وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ "‏ أي أنه خلق الليل بظلامه‏,‏ والنهار بضيائه(‏ نوره‏),‏ وهما متعاقبان لا يفتران‏,‏ والشمس وإشراقها، والقمر وضياءه‏(‏ ونوره‏)،‏ وتقدير منازله في فلكه‏,‏ واختلاف سيره في سمائه‏,‏ ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار‏,‏ والشهور والأعوام‏,‏ ويتبين بذلك حلول أوقات العبادات والمعاملات‏,‏ ثم لما كانت الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة,‏ نبه ـ تعالى ـ على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده‏,‏ تحت قهره وتسخيره فقال‏ : "‏ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏ " ‏ أي‏:‏ ولا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره‏,‏ فإنه لا يغفر أن يشرك به‏ . (انتهى قول المفسر)
وذكر صاحب الظلال‏ ـ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ ما نصه ‏:‏ وهذه الآيات معروضة للأنظار‏,‏ يراها العالم والجاهل‏,‏ ولها في القلب البشري روعة مباشرة‏,‏ ولو لم يعلم الإنسان شيئاً عن حقيقتها العلمية‏.‏ فبينها وبين الكائن البشري صلة أعمق من المعرفة العلمية‏,‏ بينها وبينه هذا الاتصال في النشأة‏,‏ وفي الفطرة‏,‏ وفي التكوين‏,‏ فهو منها وهي منه‏,‏ تكوينه تكوينها‏,‏ ومادته مادتها‏,‏ وفطرته فطرتها‏,‏ وناموسه ناموسها‏,‏ وإلهه إلهها‏..‏ فهو من ثم يستقبلها بحسه العميق في هزة وإدراك مباشر لمنطقها العريق , لهذا يكتفي القرآن غالباً بتوجيه القلب إليها‏,‏ وإيقاظه من غفلته عنها‏,‏ هذه الغفلة التي ترد عليه من طول الألفة تارة‏,‏ ومن تراكم الحواجز والموانع عليه تارة‏,‏ فيجلوها القرآن عنه‏,‏ لينتفض جديداً حياً يقظاً، يعاطف هذا الكون الصديق‏,‏ ويتجاوب معه بالمعرفة القديمة العميقة الجذور .
وصورة من صور الانحراف تلك التي تشير إليها الآية هنا‏،‏ فقد كان قوم يبالغون في الشعور بالشمس والقمر شعوراً منحرفاً ضالاً، فيعبدونهما باسم التقرب إلى الله بعبادة أبهى خلائقه‏ ، فجاء القرآن ليردهم عن هذا الانحراف‏,‏ ويزيل الغبش عن عقيدتهم المدخولة ، ويقول لهم‏ :‏ إن كنتم تعبدون الله حقاً فلا تسجدوا للشمس ولا للقمر
" وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ‏"‏ فالخالق هو وحده الذي يتوجه إليه المخلوقون أجمعون‏،‏ والشمس والقمر مثلكم يتوجهان إلى خالقهما، فتوجهوا معهم إلى الخالق الواحد الذي يستحق أن تعبدوه‏,‏ ويعيد الضمير عليهما مؤنثاً مجموعا‏ًً "‏ خَلَقَهُنَّ " باعتبار جنسهما وأخواتهما من الكواكب والنجوم‏,‏ ويتحدث عنهن بضمير المؤنث العاقل ليخلع عليهن الحياة والعقل‏,‏ ويصورهن شخوصاً ذات أعيان ‏. (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ على كاتبه من الله الرضوان ـ‏ أن في هذه الآية الكريمة رداً قاطعاً على عبدة الشمس والقمر‏,‏ كالصابئة الذين يعبدون الكواكب ‏.‏
وجاء في صفوة التفاسير‏ ـ ‏جزى الله كاتبه خيراً ـ ما نصه‏ :‏ ومن علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته تعاقب الليل والنهار‏,‏ وتذليل الشمس والقمر‏,‏ مسخرين لمصالح البشر‏ .‏


الليل والنهار في القرآن الكريم :
جاء ذكر الليل في القرآن الكريم اثنتين وتسعين مرة‏,‏ منها ثلاثة وسبعون بلفظ‏(‏ الليل‏),‏ ومرة واحدة بلفظ‏(‏ ليل‏),‏ وثماني مرات بلفظ‏(‏ ليلة‏),‏ وخمس مرات بلفظ‏(‏ ليلاً‏),‏ وثلاث مرات بلفظ‏(‏ ليال‏),‏ ومرة واحدة بكلٍ من اللفظين‏(‏ ليلها‏)‏ و‏(‏ليالي‏) .‏
وفي المقابل جاء ذكر النهار في القرآن الكريم سبعة وخمسين مرة، منها أربع وخمسون بلفظ‏(‏ النهار‏),‏ وثلاث مرات بلفظ‏(‏ نهاراً‏), كما وردت ألفاظ‏(‏ الصبح‏)‏ و‏(‏الإصباح‏),‏ و‏(‏الفلق‏),‏ و‏(‏بكرة‏)‏ ومشتقاتها بمدلول النهار في آيات أخرى عديدة‏,‏ كما جاءت كلمة‏(‏ يوم‏)‏ أحياناً بمعنى النهار في عدد من آيات القرآن الكريم .
وفي هذه الآيات يمن علينا ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بتبادل الليل والنهار، ويعتبرهما من آياته الكبرى؛ لأن في ذلك استقامة للحياة على الأرض‏,‏ وعوناً للإنسان على تحديد الزمن‏,‏ والتأريخ للأحداث المتتالية‏,‏ وبدون هذا التبادل بين الليل المظلم والنهار المنير تتوقف الحياة على الأرض‏,‏ ويتلاشى إحساس الإنسان بمرور الزمن‏,‏ وتتوقف قدرته على متابعة الأحداث والتأريخ لها‏ .‏
والليل والنهار آيتان كونيتان عظيمتان من آيات الله في الخلق، تشهدان على دقة بناء الكون‏,‏ وعلى انتظام حركة الأرض حول محورها المائل بقدر محدد‏,‏ وبدقة فائقة‏ في مدار محدد حول الشمس‏,‏ وما يستتبعه ذلك من تحديد لسنة الأرض‏,‏ وتبادل للفصول المناخية‏,‏ ومرور للشهور‏,‏ والأسابيع‏,‏ والأيام‏,‏ وتعاقب الليل والنهار على نصفي الأرض‏ .‏
ويحدد سنتنا دورة كاملة للأرض في مدارها حول الشمس‏,‏ ويقسمها إلى اثني عشر شهراً دورة القمر حول الأرض دورة كاملة في كل شهر‏,‏ كما يمكن تحديد كل شهر من تلك الشهور بواسطة البروج التي تتراءى للناظر فوق سطح الأرض مع جريها في مدارها حول الشمس‏,‏ كما تحدد منازل القمر كلاً من الأسابيع‏‏ والأيام بدقة فائقة‏,‏ ويحدد اليوم تعاقب كلٍ من الليل والنهار بانتظام دقيق‏,‏ وإحكام بالغ‏,‏ وتحدد المزولة أوقات اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها‏ .‏ على ذلك فإن السنة الهجرية‏(‏ الإسلامية‏)‏ هي سنة شمسية قمرية‏,‏ ويشير إلى ذلك قول ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ :
" وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ "  (‏فصلت‏:37)‏ .



تبادل الليل والنهار في منظور العلوم الكونية :
إن التبادل المنتظم بين الليل المظلم والنهار المنير على نصفي الكرة الأرضية هو من الضرورات اللازمة للحياة الأرضية‏,‏ ولاستمرارية وجودها بصورها المختلفة حتى يرث الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الأرض ومن عليها‏,‏ فبهذا التبادل بين الظلمة والنور يتم التحكم في توزيع ما يصل إلى الأرض من الطاقة الشمسية‏,‏ وبالتالي يعين على التحكم في درجات الحرارة‏,‏ والرطوبة‏,‏ وكميات الضوء في مختلف البيئات الأرضية‏,‏ كما يعين على التحكم في العديد من الأنشطة الحياتية وغير الحياتية ، مثل التنفس والأيض في كلٍ من الإنسان والحيوان‏,‏ وعمليات النتح والتمثيل الضوئي في النباتات‏,‏ كما يتم ضبط التركيب الكيميائي للغلافين الغازي والمائي المحيطين بالأرض‏,‏ وضبط الكثير من دورات النشاط الأرضي ، مثل دورة الماء بين الأرض والطبقات الدنيا من غلافها الغازي‏,‏ وحركات الرياح والسحاب في هذا الغلاف‏,‏ وتوزيع نزول المطر منه‏ ـ بتقدير من الله ـ‏ كما تتم دورة تعرية الصخور بتفتيتها‏,‏ ونقل هذا الفتات أو إبقائه في مكانه‏ من أجل تكوين التربة‏,‏ أو الرسوبيات والصخور الرسوبية وما بها من خيرات أرضية ‏.
وبالإضافة إلى ذلك فإن في اختلاف الليل المظلم والنهار المنير تقسيماً لليوم الأرضي إلى فترة للحركة والعمل والنشاط‏,‏ وفترة للراحة والاستجمام والسكون‏,‏ فالإنسان ـ على سبيل المثال ـ محتاج إلى السكينة بالليل كي يخلد فيه إلى شيء من الراحة النفسية بالعبادة والتفكر‏,‏ والراحة البدنية بالاسترخاء والنوم والإغفاء حتى يستعيد كلاً من نشاطه البدني والذهني‏,‏ ويستجمع قواه، فيتهيأ للعمل بالنهار التالي وما يتطلبه ذلك من القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ وقد ثبت علمياً أن أفضل النوم يكون بالليل‏,‏ وأقله فائدة هو نوم النهار‏ ـ فيما عدا فترة القيلولة‏ ـ كما ثبت أن كثرة النوم بالنهار تؤثر في نشاط الدورة الدموية في جسم الإنسان‏,‏ وتتهدده بالتيبس في العضلات‏, ‏وتؤدي إلى تراكم الدهون‏,‏ وزيادة الوزن‏,‏ وإلى العديد من صور التوتر العصبي والقلق النفسي‏,‏ وربما كان من مبررات التوجيه الرباني بالنوم بالليل والنشاط بالنهار‏,‏ أن طبقات الحماية التي أوجدها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ في الغلاف الغازي للأرض‏,‏ ومن أهمها النطق المتأينة
‏(Ionospheres)‏ و ما بها من أحزمة الإشعاع‏ ( Radiation Belts) ، تتمدد بالنهار فتزداد قدراتها على حماية الحياة الأرضية، مما يسمح للإنسان بالحركة والنشاط دون مخاطر‏,‏ وهذه النطق تنكمش انكماشاً ملحوظاً بالليل، مما يقلل من قدراتها على الحماية، فينصح الإنسان بالركون إلى النوم والراحة حماية له من تلك المخاطر‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً ‏.‏ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً " ‏  (‏النبأ‏:11,10)‏.
وقال‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏ " فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العليمِ "(‏الأنعام‏:96)‏ .             
وقال‏ ـ تبارك اسمه‏ ـ :‏ " هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ "  (‏يونس‏:67)‏.
وقال ـ سبحانه‏ ـ :‏ " أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ "(‏النمل‏:86).
وقال‏ ـ‏ تعالى ـ :‏ " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ علىكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ . قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ علىكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ . وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " (‏القصص‏:71‏ ـ‏73)‏.
وقال‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ :‏ " اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ "(غافر‏:61)‏ .      
ثم إن التبادل بين الليل المظلم‏,‏ والنهار المنير‏,‏ يحدد لنا يوم الأرض‏,‏ ويعيننا على إدراك الزمن‏,‏ وعلى تحديد الأوقات بدقة وانضباط ضروريين للقيام بمختلف الأعمال‏,‏ ولأداء كل العبادات‏,‏ وإنجاز كافة المعاملات‏,‏ والوفاء بمختلف العهود والمواثيق والعقود‏,‏ وغير ذلك من النشاطات الإنسانية‏,‏ وإن هذه النعمة لهي بحق من نعم الله‏ ـ تعالى‏ ـ على الإنسان في هذه الحياة‏,‏ وعلى كافة الأحياء الأرضية من حوله‏؛ لأنه بدونها لا تستقيم الحياة على الأرض‏,‏ ولا يستطيع الإنسان أن يميز ماضياً من حاضر أو مستقبل‏,‏ وبالتالي فإنه بدونها لابد وأن تتوقف مسيرة الحياة‏ .
من هنا كان التدبر في ظاهرة تعاقب الليل والنهار دعوة إلى الخلق كافة للإيمان بالله‏,‏ وإدراك شيء من بديع صنعه في هذه الحياة‏,‏ ومن هنا أيضا جاءت الآية الكريمة التي نحن بصددها‏,‏ وغيرها من الآيات التي تشير إلى تبادل الليل والنهار في صياغة معجزة ـ شأنها في ذلك شأن كل آيات القرآن الكريم ـ ومن جوانب ذلك الإعجاز إشارتها إلى أعداد من الحقائق الكونية التي لم تكن معروفة وقت تنزل القرآن الكريم‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعد ذلك، مما يجزم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏,‏ ويشهد للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة الحقة‏,‏ والرسالة الخاتمة‏ .‏

الشواهد العلمية المستقاة من تبادل الليل والنهار :
(1)‏ التأكيد على كروية الأرض‏ :‏ فإن تبادل الليل والنهار على نصفي الارض، وتعاقبهما، وإيلاج كلٍ منهما في الآخر‏,‏ واختلافهما‏,‏ وتقليبهما‏,‏ وإدبار أحدهما وسفور الآخر‏,‏ وإغشاء نور النهار بحلكة الليل‏,‏ وتجلية حلكة الليل بنور النهار‏,‏ وتكوير الليل على النهار‏,‏ وتكوير النهار على الليل‏,‏ كل ذلك إشارات ضمنية رقيقة إلى كروية الأرض‏,‏ فلو لم تكن الأرض كرة ما أمكن حدوث شيء من ذلك أبداً‏,‏ وأبسطه تبادل الليل والنهار على نصفي الأرض‏ .‏
هذه الحقيقة العلمية جاء بها القرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة من السنين في وقت ساد فيه الاعتقاد باستواء الأرض كلُّ الناس‏,‏ على الرغم من إثبات عدد من قدامى المفكرين غير ذلك ‏.‏
ونزول الآيات القرآنية العديدة بهذه الحقيقة الكونية الثابتة في الجزيرة العربية التي كانت ـ في ذلك الوقت القديم ـ بيئة بدوية بسيطة‏,‏ ليس لها أدنى حظ من المعرفة العلمية ومناهجها ، ولا بالكون ومكوناته لمما يقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته‏,‏ والذي هو أدرى بصنعته من كل من هم سواه‏,‏ وأن سيدنا ونبينا محمدا‏ًً ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ كان موصولاً بالوحي‏,‏ ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض ‏.‏
‏(2)‏ التأكيد على دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏ :‏ فلو لم تكن الأرض كروية‏,‏ ولو لم تكن تلك الكرة تدور حول محورها أمام الشمس ما تبادل الليل والنهار‏,‏ وهذا الدوران عبَّرت عنه الآيات القرآنية في أكثر من عشرين آية صريحة‏‏ بتعبيرات ضمنية رقيقة‏,‏ ولكنها مصاغة صياغة علمية دقيقة‏,‏ تبلغ من الدقة والشمول والكمال ما لم يبلغه العلم الحديث منها‏ :‏ إيلاج الليل في النهار‏,‏ وإيلاج النهار في الليل‏,‏ واختلافهما‏,‏ وتعاقبهما‏,‏ وتقليبهما‏,‏ وإدبار أحدهما وإقبال الآخر‏,‏ وإغشاء النهار بالليل‏,‏ وتجلية الليل بالنهار‏,‏ وتكوير الليل على النهار‏,‏ وتكوير النهار على الليل‏,‏ وجعل كلٍ منهما خلفة للآخر‏,‏ وسريان الليل وعسعسته‏,‏ بعد إظلامه وسَجْوِه‏,‏ وإسفار الصبح وتنفسه وطلوع ضحاه وتجليه بعد إغشاء الليل وإظلامه‏(‏آل عمران‏:27,‏ الرعد‏:3,‏ الحج‏:61,‏ المؤمنون‏:80,‏ النور‏:44,‏ الفرقان‏:62,‏ لقمان‏:29,‏ الجاثية‏:3‏ـ‏5,‏ الحديد‏:6,‏ المدثر‏:33‏ـ‏35,‏ التكوير‏:17‏ ـ‏19,‏ الفجر‏:4,‏ الليل‏:2,1,‏ الضحي‏:2,1)‏ .
وقد أنزلت هذه الآيات مؤكدة حقيقة دوران الأرض حول محورها في وقت ساد فيه الاعتقاد بثبات الأرض ورسوخها ـ‏ بمعنى عدم دورانها أو تحركها ـ وهو أمر معجز للغاية ‏.‏
‏(3)‏ التأكيد على أن سرعة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس في المراحل الأولى لخلق الكون كانت أعلى من سرعتها الحالية ‏: وهذه الحقيقة لم يتوصل العلم المكتسب من إدراكها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وقد سبقها القرآن الكريم بأكثر من أربعة عشر قرناً ، وذلك بالإشارة إلى هذه الحقيقة في قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ " (الأعراف‏:54) .
وإغشاء النهار بالليل جاء في القرآن الكريم أربع مرات‏ (‏ الأعراف‏:54,‏ الرعد‏:3,‏ الشمس‏:1‏ـ‏4,‏ الليل‏:2,1),‏ والمرة الوحيدة التي جاءت فيها الصفة‏ " يَطْلُبُهُ حَثِيثاً " ـ أي سريعا‏ًً ـ هي هذه الآية الرابعة والخمسين من سورة الأعراف؛ لأنها تتحدث عن بداية خلق السماوات والأرض‏,‏ وهي حقيقة مدونة في هياكل الحيوانات‏‏ وأخشاب النباتات بدقة بالغة‏,‏ ولم يكن لأحد من الخلق إلمام بأية فكرة عنها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين، حين اكتشف العلماء أن تبادل الليل والنهار كان يتم في العقود الجيولوجية القديمة بسرعة فائقة جعلت من عدد الأيام في السنة عند بدء الخلق أكثر من ألفي يوم‏,‏ وجعلت من طول الليل والنهار معاً أقل من أربع ساعات‏ .‏ وكان إبطاء سرعة دوران الأرض حول محورها بمعدل جزء من الثانية في كل قرن من الزمان آية من آيات الله في إعداد الأرض لاستقبال الحياة‏؛‏ لأن صور الحياة ـ وفي مقدمتها الإنسان ـ ما كان ممكناً أن تتلاءم مع هذه السرعات الفائقة لدوران الأرض، ولا لقصر طول كل من الليل والنهار‏ .‏
‏(4)‏ التأكيد على سبح الأرض في مدارها حول الشمس‏ :‏يعبِّر القرآن الكريم عن الأرض في عدد من آياته بالليل والنهار كما جاء في قول الحق‏ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ "    (‏ الأنبياء‏:33)‏.             
"لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ "(يس:40).
وذلك لأن كلاً من الليل والنهار عبارة عن ظرف زمان‏,‏ وليس جسماً ماديا‏ًً,‏ ولابد للزمان من مكان يظهر فيه‏,‏ والمكان في هذه الحالة هو كوكب الأرض الذي يقتسم الليل نصفه‏,‏ والنهار النصف الآخر في حركة دائبة‏,‏ وتبادل مستمر‏,‏ ولو لم تكن الأرض كروية‏,‏ ولو لم تكن تدور حول محورها أمام الشمس، لما تبادل سطحها الليل والنهار في تعاقب مستمر‏,‏ ولولا جري الأرض في مدارها حول الشمس، ما تغيرت البروج‏,‏ ولو لم تكن الأرض مائلة بمحور دورانها على دائرة البروج بزاوية مقدارها ‏66.5‏ درجة تقريباً، ما تبادلت الفصول‏,‏ ولولا علم الله بجهل الناس لتلك الحقائق في الأزمنة السابقة لأنزل الحقيقة الكونية بلغة صادعة‏,‏ قاطعة‏,‏ ولكن لكي لا يفزع الخلق في وقت تنزل القرآن الكريم، أشار إلى جري الأرض في مدارها المحدد لها حول الشمس يسبح كل من الليل والنهار‏,‏ والسبح لا يكون إلا للأجسام المادية في وسط أقل كثافة منها‏,‏ فالسبح في اللغة هو الانتقال السريع للجسم المادي بحركة ذاتية فيه ، مثل حركات كلٍ من الأرض والقمر والشمس وغيرها من أجرام السماء، كلٌ في مداره وحول جرم أكبر منه‏,‏ ويؤكد هذا الاستنتاج صيغة الجمع " كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ " التي جاءت في الآيتين (الأنبياء:33 ، يس:40)؛‏ لأنه لو كان المقصود بالسبح الشمس والقمر فحسب لجاء التعبير بالتثنية، وكلاهما يَسْبَحَان ‏.‏
‏(5)‏ التأكيد على الرقة الشديدة لطبقة النهار في الغلاف الغازي لنصف الأرض المواجه للشمس : وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا بعد ريادة الفضاء‏ في منتصف الخمسينات وأوائل الستينات من القرن العشرين‏,‏ وقد سبق القرآن الكريم هذا الكشف العلمي بأربعة عشر قرناً، وذلك في قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ "   (‏ يس‏:37)‏ .
وهذه الآية الكريمة تؤكد أن الأصل في الكون الظلام‏,‏ وأن طبقة النهار في الغلاف الغازي المحيط بنصف الأرض المواجه للشمس‏,‏ والتي تتحرك باستمرار لتحل محل ظلام الليل بإشراق الفجر‏,‏ هي طبقة بالغة الرقة، لا يكاد سمكها أن يتعدى المائتي كيلو متر فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وإذا نسبنا هذا السمك إلى المسافة بين الأرض والشمس ـ وهي مقدرة بحوالي المائة وخمسين مليون كيلو متر ـ كانت النسبة واحداً إلى سبعمائة وخمسين ألفاً تقريباً ‏(200‏كم‏/150.000.000‏كم‏=750.000/1‏ تقريبا‏)‏ ، وإذا نسبناه إلى نصف قطر الجزء المدرك من الكون، و‏‏المقدر بأكثر من اثني عشر بليون ‏(‏ ألف مليون‏)‏ سنة ضوئية، أختفت هذه النسبة تماماً أو كادت‏ . ومن هنا تتضح ضآلة سمك الطبقة التي يعمها نور النهار‏,‏ كما يتضح عدم استقرارها لانتقالها باستمرار من نقطة إلى أخرى على سطح الأرض مع دورانها حول محورها أمام الشمس‏,‏ ويتضح كذلك أن تلك الطبقة الرقيقة من نور النهار تحجب عنا ظلام الكون الخارجي‏؛‏ لأن الذين تعدوا طبقة النهار من رواد الفضاء رأوا الشمس في منتصف النهار قرصاً أزرقاً في صفحة سوداء‏,‏ وبهذه المعلومات التي اكتشفت منذ أقل من نصف قرن تتضح روعة تشبيه القرآن الكريم (انسلاخ نور النهار عن ظلمة كلٍ من الليل والكون كسلخ جلد الذبيحة الرقيق عن كامل بدنها‏),‏ وهذا يؤكد أن الظلمة هي الأصل في هذا الكون‏,‏ وأن النهار ليس إلا ظاهرة‏‏ نورانية‏‏ عارضة‏‏ رقيقة جداً‏,‏ لا تظهر إلا في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي في نصفه المواجه للشمس‏,‏ وبواسطة دوران الأرض حول محورها أمام ذلك النجم ينسلخ النهار تدريجياً أمام ظلمة ليل الأرض‏,‏ والتي تلتقي بظلمة السماء ‏.‏ وتجلِّي النهار على الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض بهذا النور الأبيض المبهج هو من نعم الله الكبرى على عباده‏,‏ ويفسرها تشتت ضوء الشمس بانعكاساته المتكررة على هباءات الغبار وعلى جزيئات كلٍ من بخار الماء والهواء العالقة بالغلاف الغازي القريب من الأرض ،‏(‏والتي تثيرها الرياح من سطح الأرض‏)‏، وبعد تجاوز المائتي كيلو متر فوق سطح البحر يبدأ الهواء في التخلخل لتضاؤل تركيزه‏,‏ وتناقص كثافته باستمرار مع الارتفاع‏,‏ وندرة كلٍ من جسيمات الغبار‏ وبخار الماء فيه حتى تتلاشى، ولذلك تبدو شمسنا كما يبدو غيرها من نجوم السماء الدنيا، بقعاً زرقاء باهتة‏,‏ في بحر غامر من ظلمة الكون‏ .
‏(6)‏ التأكيد على دقة الحساب الزمني بواسطة كلٍ من الليل والنهار والشمس والقمر‏:‏ من المعروف أن السنة الهجرية هي سنة شمسية‏/‏قمرية‏؛ لأن هذه السنة تحددها دورة الأرض حول الشمس دورة كاملة، تتمها في‏365.25‏ يوماً تقريبا‏ًً,‏ وأن هذه السنة تُقسَّم إلى اثني عشر شهراً بواسطة دوران القمر حول الأرض‏,‏ كما يقسم الشهر إلى أسابيع وأيام وليالٍ بنفس الواسطة‏,‏ وقد تقسم الشهور بواسطة البروج التي تمر بها الأرض في أثناء جريها في مدارها حول الشمس‏,‏ كما تدرك الأيام بتبادل كلٍ من الليل والنهار‏,‏ ويُقسَّم النهار إلى وحدات أصغر بواسطة المزولة الشمسية‏,‏ ومن هنا كان القسم القرآني بالليل والنهار والشمس والقمر في خمس آيات‏ (‏ الأنعام‏:96,‏ إبراهيم‏:33,‏ النحل‏:12,‏ الأنبياء‏:33,‏ فصلت‏:37) .‏
‏(7)‏ الإشارة إلى أن ليل الأرض كان في بدء الخلق يُنار بعدد من الظواهر الكونية ‏:‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً "       (‏الإسراء‏:12)‏ .
 ويُستَشَفُّ من هذه الآية أن ظاهرة الشفق القطبي وأطيافه ( Aurora and Aural Spectraوالتي تعرف أيضاً باسم ظاهرة الأنوار القطبية‏(Polar lights)، أو باسم ظاهرة فجر الليل القطبي‏(Polar Night‏ ‏Dawn),‏وهي ظاهرة نورانية تُرى بالليل في سماء المناطق القطبية وحول القطبية‏,‏ وتتكون نتيجة لارتطام الآشعة الكونية الأولية التي تملأ فسحة الجزء المدرك من الكون(‏ على هيئة الجسيمات الأولية للمادة‏)‏ بالغلاف الغازي للأرض مما يؤدي إلى تأينه‏,‏ وإصدار آشعة كونية ثانوية‏,‏ ونتيجة لذلك تتصادم الآشعات بشحناتها الكهربية المختلفة مع كلٍ من أحزمة الإشعاع ونطق التأين في الغلاف الغازي للأرض وتفريغ شحناتها فتوهجها‏ .‏ والجسيمات الأولية للمادة متناهية في الدقة‏,‏ وتحمل شحنات كهربية عالية‏,‏ وتتحرك بسرعات تقترب من سرعة الضوء، ولم تكتشف إلا في سنة‏1936‏ م‏ .‏
والآشعة الكونية تتحرك بمحاذاة خطوط المجال المغناطيسي للأرض، والتي تنحني لتصب في قطبي الأرض المغناطيسين فتؤدي إلى تأين الغلاف الغازي للأرض‏,‏ ومن ثم إلى توهجه‏ .‏ ومن الثابت علمياً أن نطق الحماية المتعددة في الغلاف الغازي للأرض، مثل نطاق الأوزون‏,‏ ونطق التأين‏,‏ وأحزمة الإشعاع‏,‏ والنطاق المغناطيسي للأرض لم تكن موجودة في بدء خلق الأرض‏,‏ ولذلك فقد كانت الآشعة الكونية تصل إلى المستويات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض فتؤدي إلى توهجه ليلاً حول كافة الأرض‏,‏ وبعد تكون نطق الحماية المختلفة أخذت هذه الظاهرة في التضاؤل التدريجي حتى اختفت‏‏ فيما عدا مناطق محدودة حول القطبين‏,‏ تبقى شاهدة على أن ليل الأرض في المراحل الأولى من خلقها كان يضاء بوهج لا يقل في شدته عن نور الفجر الصادق . فسبحان الذي أنزل من قبل أربعة عشر قرناً قوله الحق على لسان نبيه الخاتم ‏:‏ " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ "     (‏الإسراء‏:12)‏ .
هذه الشواهد العلمية المستقاة من تبادل الليل والنهار بدءاً بتأكيد كروية الأرض‏,‏ ثم دورانها حول محورها‏,‏ وتباطؤ هذا الدوران مع الزمن‏,‏ وجريها في مدارها المحدد حول الشمس‏,‏ والرقة الشديدة لطبقة النهار‏,‏ والدقة الفائقة لحساب الزمن بواسطة تتابع كلٍ من الليل والنهار والشمس والقمر‏,‏ وأن ليل الأرض كان يضاء في بدء الخلق بوهج لا يقل في شدته عن نور الفجر الصادق‏,‏ وأن من بقايا هذا الوهج القديم ظاهرة الفجر القطبي ‏.‏
هذه الشواهد لم يصل الإنسان إلى إدراكها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وورودها في كتاب الله الذي أُنزل على نبي أمي ـ صلى الله علىه وسلم‏ ـ في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏,‏ ومن قبل أربعة عشر قرناً لمما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخاتم والخالد‏,‏ وأن النبي والرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولاً بالوحي‏,‏ ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ ولذلك وصفه ربه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بقوله ‏:‏
" وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.‏عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى "  ‏ (‏النجم‏:3‏-‏5) .