" فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ . الجَوَارِ الكُنَّسِ ‏" (التكوير‏:15-16).


والمدلول اللغوي لهاتين الآيتين الكريمتين ‏:‏ أقسم قسما مؤكدا بالخنس الجوار الكنس‏ ,‏ والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو‏:‏ ما هي هذه الخنس الجوار الكنس التي أقسم بها ربنا ‏ (تبارك وتعالى‏ )‏ هذا القسم المؤكد‏ ,‏ وهو‏ (تعالى‏)‏ غني عن القسم؟
وقبل الإجابة على هذا التساؤل لابد لنا ‏:‏
أولا‏:‏ من التأكيد على حقيقة قرآنية مهمة مؤداها أن الآية أو الآيات القرآنية التي تتنزل بصيغة القسم تأتي بمثل هذه الصياغة المؤكدة من قبيل تنبيهنا إلى عظمة الأمر المقسوم به‏ ,‏ وإلى أهميته في انتظام حركة الكون‏ ,‏ أو في استقامة حركة الحياة أو فيهما معا‏ ,‏ وذلك لأن الله‏ (تعالى‏)‏ غني عن القسم لعباده‏ .‏
ثانيا‏:‏ أن القسم في القرآن الكريم بعدد من الأمور المتتابعة لا يستلزم بالضرورة ترابطها‏ ,‏ كما هو وارد في سورة التكوير‏ ,‏ وفي العديد غيرها من سور القرآن الكريم من مثل سور الذاريات‏ ,‏ الطور‏ ,‏ القيامة‏ ,‏ الانشقاق‏ ,‏ البروج‏ ,‏ الفجر‏ ,‏ البلد‏ ,‏ الشمس‏ ,‏ والعاديات‏ ,‏ ومن هنا كانت ضرورة التنبيه على عدم لزوم الربط بين القسم الأول في سورة التكوير‏ :‏
" فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ . الجَوَارِ الكُنَّسِ " والقسم الذي يليه في الآيتين التاليتين مباشرة حيث يقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ‏. " ‏(التكوير‏:18,17) .
وهو ما فعله غالبية المفسرين للأسف الشديد‏ ,‏ فانصرفوا عن الفهم الصحيح لمدلول هاتين الآيتين الكريمتين‏ .‏
ثالثا‏:‏ تشهد الأمور الكونية المقسوم بها في القرآن الكريم للخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بطلاقة القدرة‏ ,‏ وكمال الصنعة‏ ,‏ وتمام الحكمة‏ ,‏ وشمول العلم‏ ,‏ ومن هنا فلابد لنا من إعادة النظر في مدلولاتها كلما اتسعت دائرة المعرفة الإنسانية بالكون ومكوناته‏ ,‏ وبالسنن الإلهية الحاكمة له حتى يتحقق وصف المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ للقرآن الكريم بأنه‏:‏ "لا تنتهي عجائبه‏ ,‏ ولا يخلق على كثرة الرد"‏ ,‏ وحتى يتحقق لنا جانب من أبرز جوانب الإعجاز في كتاب الله وهو ورود الآية أو الآيات في كلمات محدودة يري فيها أهل كل عصر معني معينا‏ ,‏ وتظل هذه المعاني تتسع باتساع دائرة المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد‏ ,‏ وليس هذا لغير كلام الله‏ .‏
رابعا‏ :‏ بعد القسم بكل من الخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس يأتي جواب القسم‏ :‏ " إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ " ‏(التكوير‏:19)‏ .
ومعنى جواب القسم أن هذا القرآن الكريم ـ ومنه الآيات الواردة في مطلع سورة التكوير واصفة لأهوال القيامة‏ ,‏ وما سوف يصاحبها من الأحداث والانقلابات الكونية التي تفضي إلى إفناء الخلق‏ ,‏ وتدمير الكون‏ ,‏ ثم إعادة الخلق من جديد ـ هو كلام الله الخالق الموحي به إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بواسطة ملك من ملائكة السماء المقربين‏ ,‏ عزيز على الله‏ (تعالى‏) ,‏ وهذا الملك المبلغ عن الله الخالق هو جبريل الأمين‏ (عليه السلام‏) ,‏ ونسبة القول إليه هو باعتبار قيامه بالتبليغ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏
خامسا‏:‏ إن هذا القسم القرآني العظيم جاء في سياق التأكيد على حقيقة الوحي الإلهي الخاتم الذي نزل إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏) ,‏ والذي جاء للناس كافة لينقلهم من ظلمات الكفر والشرك والضلال إلى نور التوحيد الخالص لله الخالق بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏ ,‏ ومن فوضي وحشية الإنسان إلى ضوابط الإيمان وارتقائها بكل ملكات الإنسان إلى مقام التكريم الذي كرمه به الله‏ ,‏ ومن جور الأديان إلى عدل الرحمن‏ ,‏ كما جاء هذا القسم المؤكد بشيء من صفات الملك الذي حمل هذا الوحي إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وعلى شيء من صفات هذا النبي الخاتم الذي تلقي الوحي من ربه‏ ,‏ وحمله بأمانة إلى قومه‏ ,‏ رغم معاندتهم له‏ ,‏ وتشككهم فيه‏ ,‏ وادعائهم الكاذب عليه‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ تارة بالجنون‏ (وهو المشهود له منهم برجاحة العقل وعظيم الخلق‏) ,‏ وأخري بأن شيطانا يتنزل عليه بما يقول‏ (وهو المعروف بينهم بالصادق الأمين‏) ,‏ وذلك انطلاقا من خيالهم المريض الذي صور لهم أن لكل شاعر شيطانا يأتيه بالنظم الفريد‏ ,‏ وأن لكل كاهن شيطانا يأتيه بالغيب البعيد‏ .‏ وقد تلقى رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ كل ذلك الكفر والجحود والاضطهاد بصبر وجلد واحتساب حتى كتب الله تعالى له الغلبة والنصر فأدي الأمانة‏ ,‏ وبلغ الرسالة‏ ,‏ ونصح البشرية‏ ,‏ وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين‏ .‏
وتختتم سورة التكوير بالتأكيد على أن القرآن الكريم هو ذكر للعالمين وأن جحود بعض الناس له‏ ,‏ وصدهم عنه‏ ,‏ وإيمان البعض الآخر به وتمسكهم بهديه هي قضية شاء الله تعالى أن يتركها لاختيار الناس وفقا لإرادة كل منهم‏ ,‏ مع الإيمان بأن هذه الإرادة الإنسانية لا تخرج عن مشيئة الله الخالق الذي فطر الناس على حب الإيمان به‏ ,‏ ومن عليهم بتنزل هدايته على فترة من الرسل الذين تكاملت رسالاتهم في هذا الوحي الخاتم الذي نزل به جبريل الأمين على قلب النبي والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وأنه على الرغم من كل ذلك فإن أحدا من الناس ـ مهما أوتي من أسباب الذكاء والفطنة ـ لا يقدر على تحقيق الاستقامة على منهج الله تعالى إلا بتوفيق من الله‏ .‏ وهذه دعوة صريحة إلى الناس كافة ليطلبوا الهداية من رب العالمين في كل وقت وفي كل حين‏ .‏
والقسم بالأشياء الواردة بالسورة هو للتأكيد على أهميتها لاستقامة أمور الكون وانتظام الحياة فيه‏ ,‏ وعلى عظيم دلالاتها على طلاقة القدرة الإلهية التي أبدعتها وصرفت أحوالها وحركاتها بهذه الدقة المبهرة والإحكام العظيم‏ .‏

الخنس الجوار الكنس في اللغة العربية :
جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس‏ (المتوفى سنة ‏395‏هـ‏) ,‏ تحقيق عبد السلام هارون‏ (الجزء الخامس‏ ,‏ الطبعة الثانية ‏1972‏م‏ ,‏ ص‏141 ,‏ ص‏223)‏ وفي غيره من معاجم اللغة تعريف لغوي للفظي الخنس والكنس يحسن الاستهداء به في فهم مدلول الخنس الجوار الكنس كما جاءا في آيتي سورة التكوير على النحو التالي‏ :‏
أولا‏ :‏ الخنس‏ :‏
خنس ‏:‏ الخاء والنون والسين أصل واحد يدل على استخفاء وتستر‏ ,‏ قالوا‏:‏ الخنس الذهاب في خفية‏ ,‏ يقال خنست عنه ‏ ,‏ وأخنست عنه حقه‏ .‏
والخنس‏ :‏ النجوم تخنس في المغيب‏ ,‏ وقال قوم ‏:‏ سميت بذلك لأنها تخفي نهارا وتطلع ليلا‏ ,‏ والخناس في صفة الشيطان‏ ,‏ لأنه يخنس إذا ذكر الله تعالى‏ ,‏ ومن هذا الباب الخنس في الأنف انحطاط القصبة ,‏ والبقر كلها خنس‏ .‏
ومعنى ذلك أن الخنس جمع خانس أي مختف عن البصر ‏ ,‏ والفعل خنس بمعنى استخفى وتستر‏ ,‏ يقال خنس الظبي إذا اختفى وتستر عن أعين المراقبين‏ .‏
والخنوس يأتي أيضا بمعني التأخر‏ ,‏ كما يأتي بمعنى الانقباض والاستخفاء‏ .‏ وخنس بفلان وتخنس به أي غاب به‏ ,‏ وأخنسه أي خلفه ومضى عنه‏ .‏

ثانيا‏:‏ الجوار‏ :‏
أي الجارية‏ . (في أفلاكها‏)‏ وهي جمع جارية‏ ,‏ من الجري وهو المر السريع‏ .‏
ثالثا‏:‏ الكنس ‏:‏
‏ (كنس‏)‏ الكاف والنون والسين تشكل أصلين صحيحين‏ ,‏ أحدهما يدل على سفر شيء عن وجه شيء وهو كشفه والأصل الآخر يدل على استخفاء‏ ,‏ فالأول كنس البيت‏ ,‏ وهو سفر التراب عن وجه أرضه‏ ,‏ والمكنسه آلة الكنس‏ ,‏ والكناسة ما يكنس‏ .‏
الخنس الجوار الكنس في نظر بعض الفلكيين المسلمين المعاصرين :
يري بعض الفلكيين المسلمين المعاصرين في الوصف القرآني ‏:‏ الخنس الجواري الكنس أنه وصف للمذنبات
‏(Comets) , وهي أجرام سماوية ضئيلة الكتلة‏ (لا تكاد تصل كتلتها إلى واحد من المليون من كتلة الأرض‏)‏ ولكنها مستطيلة بذنبها إلى ما قد يصل إلى ‏150‏ مليون كيلو متر مما يجعلها أكبر أجرام المجموعة الشمسية‏ ,‏ حيث تتحرك في مدارات حول الشمس‏ ,‏ بيضاوية تقع الشمس في أحد طرفيها ونحن نراها كلما اقتربت من الشمس‏ ,‏ وهذه المدارات لا تتبع قوانين الجاذبية بدقة‏ ,‏ وتتميز بشيء من اللامركزية‏ ,‏ وبميل أكبر على مستوي مدار الأرض‏ ,‏ مما يجعل المذنبات تظهر وتختفي بصورة دورية على فترات تطول وتقصر‏ .‏ والمذنبات تتكون أساسا من خليط من الثلج والغبار‏ ,‏ وللمذنب رأس وذنب‏ ,‏ وللرأس نواة يبلغ قطرها عدة كيلو مترات قليلة عبارة عن كرة من الثلج والغبار تحيط بها هالة من الغازات والغبار‏ ,‏ وتحيط بالهالة سحابة من غاز الإيدروجين قد يصل قطرها إلى مليون كيلو متر‏ .‏
والغبار المكون للمذنبات شبيه في تركيبه الكيميائي والمعدني بتركيب بعض النيازك‏ ,‏ وأما الثلج فهو خليط من ثلج كل من الماء‏ ,‏ وثاني أكسيد الكربون‏ ,‏ والأمونيا‏ ,‏ والميثين‏ .‏
وبالتفاعل مع كل من أشعة الشمس والرياح الشمسية يندفع من رأس المذنب ذيل من الغازات والأبخرة والغبار قد يصل طوله إلي‏150‏ مليون كيلو متر‏ ,‏ ومن هنا كانت التسمية بالمذنبات‏ ,‏ وللكثير من المذنبات ذيلان أحدهما ترابي ويبدو أصفر اللون في أشعة الشمس‏ ,‏ والآخر مكون من غازات متأينة في حالة البلازما‏ (أليكترونات وأيونات‏)‏ ويبدو أزرق اللون في أشعة الشمس‏ ,‏ والذنب الغازي يندفع بفعل الرياح الشمسية في خط مستقيم خلف رأس المذنب بينما ينعقف منثني الذنب الترابي بلطف خلف رأس المذنب إلى أعلى‏ ,‏ وهذان الذنبان قد يتواجدان معا أو يتواجد أحدهما في المذنب الواحد‏ ,‏ في عكس اتجاه أشعة الشمس بانحراف قليل نظرا لدوران نواة رأس المذنب‏ (التي تتراوح كتلتها بين مائة مليون‏ ,‏ وعشرة مليون مليون طن‏)‏ وللمذنب مجال مغناطيسي ثابت على طوله‏ .‏
ووجه الشبه الذي استند إليه هذا النفر من الفلكيين المسلمين المعاصرين بين المذنبات والوصف القرآني الخنس الجواري الكنس هو أن المذنب يقضي فترة تتراوح بين عدة أيام وعدة شهور مجاورا للشمس في زيارة خاطفة‏ ,‏ فيظهر لنا بوضوح وجلاء ولكنه يقضي معظم فترة دورانه بعيدا عن الشمس فيختفي عنا تماما ويستتر‏ ,‏ فإذا ما اقترب من الشمس ظهر لنا وبان‏ ,‏ ولكن سرعان ما يقفل راجعا حتى يختفي تماما عن الأنظار‏ ,‏ واعتبروا ذلك هو الخنوس‏ ,‏ ولكن الوصف القرآني بالخنس يعني الاختفاء الكامل‏ ,‏ ولا يعني الظهور ثم الاختفاء‏
(The Missing Mass in the universe)‏ .

والأصل الآخر ‏:‏ الكناس‏ :‏ بيت الظبي‏ ,‏ والكانس ‏:‏ الظبي يدخل كناسه‏ ,‏ والكنس‏ :‏ الكواكب تكنس في بروجها كما تدخل الظباء في كناسها‏ ,‏ قال أبو عبيدة‏:‏ تكنس في المغيب‏ .‏
وقيل الكنس جمع كانس‏ (أي قائم بالكنس‏)‏ أو مختف من كنس الظبي أي دخل كناسه وهو بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر‏ ,‏ وسمي كذلك لأنه يكنس الرمل حتى يصل إليه‏ .‏ وعندي أن الكنس هي صيغة منتهى الجموع للفظة كانس أي قائم بعملية الكنس‏ ,‏ وجمعها كانسون‏ ,‏ أو للفظة كناس وجمعها كناسون‏ ,‏ والكانس والكناس هو الذي يقوم بعملية الكنس‏ (أي سفر شيء عن وجه شيء آخر‏ ,‏ وإزالته‏) ,‏ لأنه لا يعقل أن يكون المعنى المقصود في الآية الكريمة للفظة الكنس هي المنزوية المختفية وقد استوفي هذا المعنى باللفظ الخنس‏ ,‏ ولكن أخذ اللفظتين بنفس المعنى دفع بجمهور المفسرين إلى القول بأن من معاني " فلا أقسم بالخنس‏ ، ‏الجوار الكنس "‏ :‏ أقسم قسما مؤكدا بالنجوم المضيئة التي تختفي بالنهار وتظهر بالليل وهو معنى الخنس‏ ,‏ والتي تجري في أفلاكها لتختفي وتستتر وقت غروبها كما تستتر الظباء في كناسها‏ (أي مغاراتها‏)‏ وهو معني الجوار الكنس‏ ,‏ قال القرطبي‏:‏ هي النجوم تخنس بالنهار‏ ,‏ وتظهر بالليل‏ ,‏ وتكنس وقت غروبها أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار وهو الكناس‏ ,‏ وقال مخلوف ‏:‏ أقسم الله تعالى بالنجوم التي تخنس بالنهار أي يغيب ضوؤها فيه عن الأبصار مع كونها فوق الأفق‏ ,‏ وتظهر بالليل‏ ,‏ وتكنس أي تستتر وقت غروبها أي نزولها تحت الأفق كما تكنس الظباء في كنسها‏ . .‏ وقال بعض المتأخرين من المفسرين ‏:‏ هي الكواكب التي تخنس أي ترجع في دورتها الفلكية‏ ,‏ وتجري في أفلاكها وتختفي‏ .‏
ومع جواز هذه المعاني كلها إلا أني أري الوصف في هاتين الآيتين الكريمتين ‏:‏ " فلا أقسم بالخنس‏‏ ، الجوار الكنس‏" .‏ ينطبق انطباقا كاملا مع حقيقة كونية مبهرة تمثل مرحلة خطيرة من مراحل حياة النجوم يسميها علماء الفلك اليوم باسم الثقوب السود
‏(Black Holes) .‏
وهذه الحقيقة لم تكتشف إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ ,‏ وورودها في القرآن الكريم الذي أنزل قبل ألف وأربعمائة سنة بهذه التعبيرات العلمية الدقيقة على نبي أمي‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏ ,‏ هي شهادة صدق على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته‏ ,‏ وعلى أن سيدنا محمدا بن عبد الله كان موصولا بالوحي‏ ,‏ معلما من قبل خالق السماوات والأرض‏ ,‏ وأنه‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ما كان ينطق عن الهوى‏ ,‏ إن هو إلا وحي يوحى‏ .‏



ما هي الثقوب السود ؟ ‏:‏
يعرف الثقب الأسود بأنه أحد أجرام السماء التي تتميز بكثافتها الفائقة وجاذبيتها الشديدة بحيث لا يمكن للمادة ولا لمختلف صور الطاقة ومنها الضوء أن تفلت من أسرها‏ ,‏ ويحد الثقب الأسود سطحا يعرف باسم أفق الحدث
‏(The Event Horizon) , وكل ما يسقط داخل هذا الأفق لا يمكنه الخروج منه‏ ,‏ أو إرسال أية إشارة عبر حدوده‏ .‏
وقد أفادت الحسابات النظرية في الثلث الأول من القرن العشرين إلى إمكانية وجود مثل هذه الأجرام السماوية ذات الكثافات الفائقة والجاذبية الشديدة‏ كارل شفارز تشايلد‏1916‏م‏ , روبرت أوبنهاير 1934
(Karl schwars child ,1916 Robert oppenheimer ,1934)‏إلا أنها لم تكتشف إلا في سنة‏1971 ,‏ بعد اكتشاف النجوم النيوترونية بأربع سنوات ففي خريف سنة‏1967‏ م أعلن الفلكيان البريطانيان توني هيويش‏(Tony Hewish) وجوسلين بل (Jocelyn Bell) عن اكتشافهما لأجرام سماوية صغيرة الحجم‏ (بأقطار في حدود‏16‏ كيلو متر‏)‏ تدور حول محورها بسرعات مذهلة بحيث تتم دورتها في فترة زمنية تتراوح بين عدد قليل من الثواني إلى أجزاء لا تكاد تدرك من الثانية الواحدة وتصدر موجات راديوية منتظمة أكدت أن تلك الأجرام هي نجوم نيوترونية‏ (Neutron Stars) ذات كثافة فائقة تبلغ بليون طن للسنتيمتر المكعب‏ .‏

وفي سنة‏1971‏ م اكتشف علماء الفلك أن بعض النجوم العادية تصدر وابلا من الأشعة السينية‏ ,‏ ولم يجدوا تفسيرا علميا لذلك إلا وقوعها تحت تأثير أجرام سماوية غير مرئية ذات كثافات خارقة للعادة‏ ,‏ ومجالات جاذبية عالية الشدة‏ ,‏ وذلك لأن النجوم العادية ليس في مقدورها إصدار الأشعة السينية من ذاتها‏ ,‏ وقد سميت تلك النجوم الخفية باسم الثقوب السود , ‏(Black Holes) ,‏ وقد سميت بالثقوب لقدرتها الفائقة على ابتلاع كل ما تمر به أو يدخل في نطاق جاذبيتها من مختلف صور المادة والطاقة من مثل الغبار الكوني والغازات والأجرام السماوية المختلفة‏ ,‏ ووصفت بالسواد لأنها معتمة تماما لعدم قدرة الضوء على الإفلات من مجال جاذبيتها على الرغم من سرعته الفائقة المقدرة بحوالي الثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية‏
(299792 .458‏ كم‏/‏ ث‏)‏ وقد اعتبرت الثقوب السود مرحلة الشيخوخة في حياة النجوم وهي المرحلة التي قد تسبق انفجارها وعودة مادتها إلى دخان السدم دون أن يستطيع العلماء حتى هذه اللحظة معرفة كيفية حدوث ذلك‏ .‏


كيف تتكون الثقوب السود؟
تعتبر الثقوب السود كما ذكرنا من قبل مرحلة الشيخوخة في حياة النجوم‏ ,‏ ولكي نفهم كيفية تكونها لابد لنا من معرفة المراحل السابقة في حياة تلك النجوم‏ .‏
والنجوم هي أجرام سماوية غازية التركيب في غالبيتها‏ ,‏ شديدة الحرارة‏ ,‏ ملتهبة‏ ,‏ مضيئة بذاتها‏ ,‏ يغلب على تركيبها غاز الأيدروجين الذي يكون أكثر من‏74%‏ من مادة الكون المنظور‏ ,‏ والذي تتحد ذراته مع بعضها البعض في داخل النجوم بعملية تعرف باسم الاندماج النووي
‏(Nuclear Fusion) مطلقة الطاقة الهائلة ومكونة عناصر أعلى في وزنها الذري من الأيدروجين‏ (أخف العناصر المعروفة لنا على الإطلاق وأبسطها من ناحية البناء الذري ولذلك يوضع في الخانة رقم واحد في الجدول الدوري للعناصر التي يعرف منها اليوم‏105‏ عنصرا‏) والنجوم تتخلق ابتداء من الغبار‏ (الدخان‏)‏ الكوني الذي يكون السدم‏ ,‏ وينتشر في فسحة السماء ليملأها وتتكون النجوم في داخل السدم بفعل دوامات عاتية تؤدي إلى تجاذب المادة تثاقليا وتكثفها على ذاتها حتى تتجمع الكتلة اللازمة لتخليق النجم‏ ,‏ وتبدأ عملية الاندماج النووي فيه‏ ,‏ وتنطلق منه الطاقة وينبعث الضوء‏ ,‏ وبعد الميلاد تمر النجوم بمراحل متتابعة من الطفولة فالشباب فالشيخوخة والهرم على هيئة ثقب أسود يعتقد أن مصيره النهائي هو الانفجار والتحول إلى الدخان مرة أخرى‏ ,‏ وإن كنا لا ندري حتى هذه اللحظة كيفية حدوث ذلك‏ ,‏ ومن المراحل المعروفة لنا في دورة حياة النجوم ما يعرف باسم نجوم النسق العادي ‏(Main Sequence Stars)‏ والعمالقة الحمر‏ (Red Giants) ,‏
والأقزام البيض
‏(White Dwarfs) , ‏والأقزام السود(Black Dwarfs) والنجوم النيوترونية (Neutron Stars) ,والثقوب السود‏ (Black Holes) .‏
فعندما تبدأ كمية الإيدروجين بداخل النجم في التناقص نتيجة لعملية الاندماج النووي‏ ,‏ وتبدأ كمية الهيليوم الناتجة عن تلك العملية في التزايد تبدأ طاقة النجم في الاضمحلال تدريجيا وترتفع درجة حرارة قلب النجم إلى عشرة ملايين درجة كلفن‏ (الصفر المئوي يساوي‏ 273‏ درجة كلفن‏)‏ مؤديا بذلك إلى بدء دورة جديدة من عملية الاندماج النووي وإلى انبعاث المزيد من الطاقة التي تؤدي إلى مضاعفة حجم النجم إلى مئات الأضعاف فيطلق عليه اسم العملاق الأحمر
‏(Red Giant) ,‏ وبتوالي عملية الاندماج النووي يأخذ النجم في استهلاك طاقته دون إمكانية إنتاج المزيد منها مما يؤدي إلى تقلصه في الحجم وانهياره إما إلى قزم أبيض‏
(White Dwarf) أو إلى نجم نيوتروني ‏(Neutron Star) ‏أو إلى ثقب أسود‏ (Black Hole) حسب كتلته الأصلية التي بدأ تواجده بها‏ .‏ 

فإذاكانت الكتلة الابتدائية للنجم أقل من كتلة الشمس فإن الإليكترونات في مادة النجم تقاوم عملية تقلصه ابتداء ثم تنهار هذه المقاومة ويبدأ النجم في التقلص حتى يصل إلى حجم أقل قليلا من حجم الأرض‏ ,‏ متحولا إلى قزم أبيض‏ ,‏ وهذه المرحلة من مراحل حياة النجوم قد تتعرض لعدد من الانفجارات النووية الهائلة والتي تنتج عن تزايد الضغط في داخل النجم‏ ,‏ وتسمي هذه المرحلة باسم النجوم الجديدة أو النجوم المستجدة‏(Novae)‏ فإذا زاد تراكم الضغط في داخل القزم الأبيض فإنه ينفجر انفجارا كاملا محدثا نورا في السماء يقارب نور بليون شمس كشمسنا‏ ,‏ وتسمي هذه المرحلة باسم النجم المستعر الأعظم (Supernova)يفني على إثرها القزم الأبيض وتتحول مادته إلى دخان‏ ,‏ وتحدث هذه الظاهرة مرة واحدة في كل قرن من الزمان لكل مجرة تقريبا‏ ,‏ ولكن مع الأعداد الهائلة للمجرات في الجزء المدرك لنا من الكون فإن هذه الظاهرة تحدث في الكون المدرك مرة كل ثانية تقريبا‏ .‏ أما إذا كانت الكتلة الابتدائية للنجم أكبر من كتلة الشمس فإنه ينهار عند استهلاك طاقته متحولا إلى نجم نيوتروني وفيه تتحد البروتونات والإليكترونات منتجة النيوترونات‏ ,‏ وهذا النجم النيوتروني ينبض في حدود ثلاثين نبضة في الثانية الواحدة ومن هنا يعرف باسم النجم النابض ‏(Pulsating Star‏) أو النابض‏ (Pulsar) .‏

 

وهناك من النجوم النيوترونية ما هو غير نابض‏ (Non-Pulsating Neutron Star) ‏،وقد يستمر هذا النجم النيوتروني في الانهيار حتى يصل إلى مرحلة الثقب الأسود إذا كانت كتلته الابتدائية تسمح بذلك فإذا كانت الكتلة الابتدائية للنجم تزيد على كتلة الشمس بمرة ونصف المرة تقريبا ‏(1 ,4‏ قدر كتلة الشمس‏)‏ ولكنها تقل عن خمسة أضعاف كتلة الشمس فإن عملية التقلص تنتهي به إلى نجم نيوتروني لا يزيد قطره على عشرة كيلو مترات تقريبا‏ ,‏ ويسمي بهذا الاسم لأن الذي يقوم بعملية مقاومة التقلص التثاقلي‏ (Gravitational Contraction) فيه هي النيوترونات لأن الإليكترونات في داخل كتلة النجم تعجز عن ذلك‏ .‏ أما إذا زادت الكتلة الابتدائية للنجم على خمسة أضعاف كتلة الشمس فلا يتمكن أي من الإليكترونات أو النيوترونات من مقاومة عملية التقلص التثاقلي للنجم فتستمر حتى يصل النجم إلى مرحلة الثقب الأسود‏ ,‏ وهذه المرحلة لا يمكن إدراكها بصورة مباشرة‏ ,‏ ولكن يمكن تحديد مواقعها بعدد من الملاحظات غير المباشرة من مثل صدور موجات شديدة من الأشعة السينية من الأجرام الواقعة تحت تأثيرها‏ ,‏ واختفاء كل الأجرام السماوية بمجرد الاقتراب من مجال جاذبيتها‏ .‏


ومع إدراكنا لانتهاء حياة النجوم بالانفجار على هيئة نجم مستعر أو نجم مستعر أعظم‏ ,‏ أو بفقدانه للطبقات الخارجية منه وتحوله إلى مادة عظيمة الكثافة شديدة الجاذبية مثل النجوم النيوترونية أو الثقوب السود‏ ,‏ إلا أن طبيعة تلك الثقوب السود وطريقة فنائها تبقي معضلة كبري أمام كل من علماء الفلك والطبيعة الفلكية‏ ,‏ فحسب قوانين الفيزياء التقليدية لا يستطيع الثقب الأسود فقد أي قدر من كتلته مهما تضاءل‏ ,‏ ولكن حسب قوانين فيزياء الكم فإنه يتمكن من الإشعاع وفقدان كل من الطاقة والكتلة وهي سنة الله الحاكمة في جميع خلقه‏ ,‏ ولكن تبقى كيفية تبخر مادة الثقب الأسود بغير جواب‏ ,‏ وتبقي كتلته‏ ,‏ وحجمه‏ ,‏ وكثافته‏ ,‏ وطبيعة كل من المادة والطاقة فيه‏ ,‏ وشدة حركته الزاوية‏ ,‏ وشحناته الكهربية والمغناطيسية من الأسرار التي يكافح العلماء إلى يومنا هذا من أجل استجلائها‏ .‏

 

فسبحان الذي خلق النجوم وقدر لها مراحل حياتها‏ ...‏
وسبحان الذي أوصلها إلى مرحلة الثقب الأسود‏ ,‏ وجعله من أسرار الكون المبهرة‏ ...‏
وسبحان الذي أقسم بتلك النجوم المستترة‏ ,‏ الحالكة السواد‏ ,‏ الغارقة بالظلمة‏ ...‏ وجعل لها من الظواهر ما يعين الإنسان على إدراك وجودها على الرغم من تسترها واختفائها‏ ,‏ وسبحان الذي مكنها من كنس مادة السماء وابتلاعها وتكديسها‏ ,‏ ثم وصفها لنا من قبل أن نكتشفها بقرون متطاولة بهذا الوصف القرآني المعجز فقال‏ (عز من قائل‏) :‏
" فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ، الجَوَارِ الكُنَّسِ ‏"‏ .
ولا أجد وصفا لتلك المرحلة من حياة النجوم المعروفة باسم الثقوب السود أبلغ من وصف الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ لها بالخنس الكنس فهي خانسة أي دائمة الاختفاء والاستتار بذاتها‏ ,‏ وهي كانسة لصفحة السماء‏ ,‏ تبتلع كل ما تمر به من المادة المنتشرة بين النجوم‏ ,‏ وكل ما يدخل في نطاق جاذبيتها من أجرام السماء‏ ,‏ وهي جارية في أفلاكها المحددة لها‏ ,‏ فهي خنس جوار كنس وهو تعبير أبلغ بكثير من تعبير الثقوب السود الذي اشتهر وذاع بين المشتغلين بعلم الفلك‏ ..‏
" وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً " ‏(‏النساء‏:122)‏ .

ومن العجيب أن العلماء الغربيين يسمون هذه الثقوب السود تسمية مجازية عجيبة حين يسمونها بالمكانس العملاقة التي تبتلع‏ (أو تشفط‏)‏ كل شيء يقترب منها إلى داخلها‏ : (Giant Vaccum Cleaners that Suck in every thing insight)‏ وتبقي الثقوب السود صورة مصغرة للجرم الأول الذي تجمعت فيه مادة الكون ثم انفجر ليتحول إلى سحابة من الدخان‏ ,‏ وأن من هذا الدخان خلقت السموات والأرض‏ ,‏ وتتكرر العملية اليوم أمام أنظار المراقبين من الفلكيين حيث تتخلق النجوم الابتدائية من تركز المادة في داخــل السـدم عبر دوامات تركيز المادة (Accretionwhirls)‏ أو (Accretion Vertigos) ‏ومنها تتكون النجوم الرئيسية (Main Sequeence Stars) والتي قد تنفجر حسب كتلتها إلى عمالقة حمر‏ (Red Giants) أو نجوم مستعرة(Novae)‏ أو فوق مستعرة‏ (Supernovae) , وقد يؤدي انفجار العمالقة الحمر إلى تكون سدم كوكبية (Planetary Nebulae) ‏والتي تنتهي إلى تكون الأقزام البيض ‏(White Dwarfs)والتي تستمر في التبرد حتى تنتهي إلى ما يعرف باسم الأقزام السود‏Black Dwarfs) ) وهي من النجوم المنكدرة‏ ,‏ كما قد يؤدي انفجار فوق المستعرات إلى تكون نجوم نيوترونية نابضة أو غير نابضة ‏(Non-Pulsating or Pulsating Neutron Stars or Pulsars) أو ثقوب سود‏ (Black Holes) ‏حسب كتلتها الابتدائية‏ ,‏ وقد تفقد الثقوب السود كتلتها إلى دخان السماء عن طريق تبخر تلك المادة على هيئة أشباه النجوم المرسلة لموجات راديوية عبر مراحل متوسطة عديدة . ثم تتفكك هذه لتعود مرة أخري إلى دخان السماء مباشرة أو عبر هيئة كهيئة السدم حتى تشهد لله الخالق بالقدرة الفائقة على أنه وحده الذي يبدأ الخلق ثم يعيده‏ ,‏ وأنه وحده على كل شيء قدير‏ .‏ ومن المبهر حقا أن يشهد علماء الفلك بأن ‏90%‏ من مادة الكون المنظور‏ (ممثلة بمادة المجرات العادية‏)‏ هي مواد خفية لا يمكن للإنسان رؤيتها بطريقة مباشرة‏ ,‏ وأن من هذه المواد الخفية ‏:‏ الثقوب السود‏ ,‏ والأقزام البنية غير المدركة‏ (Undetected Brown Dwarfs) , والمادة الداكنة
(
Dark Matter)‏واللبنات الأولية للمادة ‏(Subatomic Particles)وغيرها‏ ,‏ وأن كتلة الجزء المدرك من الكون تقدر بأكثر من مائة ضعف الكتلة الظاهرة‏ .

أما عن القسم التالي في السورة والذي يقول فيه الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ " فهما قضيتان مستقلتان عن الخنس الجوار الكنس سنعرض لهما إن شاء الله تعالى في مقام آخَر , وآخِرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏ وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .