" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ "(آل عمران:96).



هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية النصف الأول من سورة آل عمران وهي سورة مدنية‏ ,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم إذ تحوي مائتي آية بعد البسملة‏ ,‏ وبذلك تأتي في المقام الثالث بعد سورتي البقرة والأعراف من حيث عدد الآيات‏ .‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى قصة امرأة عمران وابنتها السيدة مريم ولدها عيسى عليه السلام كما تروي معجزة ميلاد ولدها بغير أب‏ ,‏ وتذكر عددا من المعجزات التي أجراها الله تعالى على يديه لكي تكون شاهدة له بالنبوة وبالرسالة.‏ وتدور الآيات‏ (1‏-‏85)‏ حول حوار أهل الكتاب‏ ,‏ بينما يتناول باقي السورة تحديد عدد من ركائز العقيدة الإسلامية وتشريعاتها‏ .‏ وتستفتح السورة بالحروف المقطعة الثلاثة ‏ (‏ألم‏)‏ التي جاءت في مطلع ست من سور القرآن الكريم‏ .‏ ثم تنتقل إلى توكيد وحدانية الله الحي القيوم الذي نزل القرآن الكريم بالحق على خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ كما أنزل التوراة والإنجيل من قبل‏ ,‏ وتتضمن سورة آل عمران إشارة إلى اليهود‏ ,‏ وإلى خبث نواياهم‏ ,‏ وإلى تآمرهم على غيرهم من الأمم‏ ,‏ وإلى مكرهم‏ ,‏ وخداعهم‏ ,‏ وكراهيتهم للحق وأهله‏ ,‏ وتحذر المسلمين منهم وممن يلتف حولهم‏ .‏ وقد جاء الخطاب إلى أهل الكتاب في قرابة السبعين آية من آيات هذه السورة المباركة‏ (من الآية:‏18‏ إلى الآية:‏85)‏ نختار منها قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :" قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ "‏‏ (آل عمران‏:64)‏ .
وتؤكد الآيات ضرورة الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله دون أدنى تفريق‏ ,‏ لأن رسالتهم جميعا واحدة وهي الإسلام العظيم الذي بعث به كل نبي وكل رسول‏ .‏
وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :
" إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ "‏ (‏آل عمران‏:19)‏ . وحذرت من تحريف الكتب السماوية‏ ,‏ وأمرت بإتباع ملة نبي الله إبراهيم عليه السلام وأشارت إلى الكعبة المشرفة بصفتها أول بيت وضع للناس‏ ,‏ وأكدت فريضة الحج على المستطيع من المسلمين‏ ,‏ كما عتبت على كفار قريش ضلالهم بينما آيات الله تتلي عليهم وفيهم خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم وأوصت بتقوى الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ في السر والعلن‏ ,‏ وبضرورة الاعتصام بحبله‏ ,‏ ونهت عن فرقة الكلمة‏ ,‏ وذكرت العباد بنعم الله عليهم‏ ,‏ ودعت إلى نفرة أمة الإسلام دعوة للخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووصفت الذين يستجيبون لهذا النداء الإلهي بأنهم هم المفلحون‏ .‏ وتحدثت سورة آل عمران عن جزاء كل من المؤمنين والكافرين في الآخرة‏ ,‏ مؤكدة مرة أخري أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بالحق على خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وأنه هدى وموعظة للمتقين‏ .‏ وخاطبت أمة الإسلام بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : " كنتم كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ‏"(‏آل عمران‏:110)‏ .
انتقلت هذه السورة المباركة إلي الحديث عن غزوة أحد‏ ,‏ وعما أصاب المسلمين فيها من انكسار بسبب مخالفتهم لأوامر رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في ساحة المعركة‏ ,‏ وذكرت بانتصارات بدر‏ ,‏ وبمبررات ذلك الانتصار‏ ,‏ وصاغت تلك الأحداث صياغة لا تتوقف عند حدود وصف المعركتين وصفا مجردا‏ ,‏ ولكن تتجاوز ذلك إلى توجيهات ربانية دائمة في بناء الجماعة الإسلامية‏ ,‏ وإلى توضيح سنن الله في النصر والهزيمة إلى يوم الدين‏ ,‏ مؤكدة أن لله ما في السماوات وما في الأرض‏ ,‏ وأن الله تعالى يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وأنه هو الغفور الرحيم‏ .‏ وتنهي هذه السورة الكريمة عن أكل الربا‏ ,‏ وتحذر من عذاب النار‏ ,‏ وتأمر بطاعة الله ورسوله‏ ,‏ وبالمسارعة إلى طلب مغفرته‏ ,‏ وسؤاله الجنة التي أعدت للمتقين‏ ,‏ وتورد شيئا من صفاته‏ ,‏ وتوصي بالسير في الأرض من أجل الاعتبار بعواقب المكذبين الذين كذبوا رسل الله وحاربوا دينه وأولياءه‏ . ‏ثم تعاود سورة آل عمران إلى التذكير بمعركة أحد‏ ,‏ في مواساة رقيقة للمسلمين‏ ,‏ مؤكدة أنهم هم الأعلون ماداموا على إيمانهم بالله‏ ,‏ وإن تعرضوا لشيء من النكسات‏ ,‏ وأن النصر والهزيمة من سنن الله في الحياة‏ ,‏ وأن الأيام يداولها الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بين الناس‏ ,‏ لحكمة يعلمها بعلمه المحيط‏ ,‏ لعل منها أن يتخذ من المؤمنين شهداء‏ ,‏ وأن يطهرهم بشيء من الابتلاء والتمحيص مما قد يقعون فيه من الذنوب‏ ,‏ وأن يهلك الطغاة المتجبرين بذنوبهم‏ ,‏ لأن الله‏ (تعالى‏)‏ لا يحب الظالمين‏ ,‏ كما لا يحب المتخاذلين في الدفاع عن دمائهم‏ ,‏ وأعراضهم‏ ,‏ ومقدساتهم‏ ,‏ وممتلكاتهم وأراضيهم‏ ,‏ وعن الحق وأهله‏ .‏ وهذا الخطاب كما كان لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ولأصحابه الكرام وأهل زمانه هو خطاب لكل من آمن به إلى يوم الدين‏ .
وتؤكد الآيات في سورة آل عمران بشرية سيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وأنه رسول قد خلت من قبله الرسل ومن هنا لا يجوز لأي ممن آمن به واتبع الدين الذي أنزل عليه أن يرتد عن ذلك بعد موته‏ ,‏ فرسالته خالدة‏;‏ باقية إلى يوم الدين لأنها آخر الرسالات السماوية كلها ولأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد تعهد بحفظها فحفظت‏ ,‏ ولأن من يرتد عن دينه فلن يضر الله شيئا‏ ,‏ ولكنه يهلك نفسه بتعريضها لسخط الله وعذابه في الدنيا قبل الآخرة‏ .‏ وتنتقل الآيات إلى أن الله‏ (تعالى‏)‏ قد جعل لكل نفس أجلا محددا لا تموت إلا عنده‏ ,‏ وأنه قد جعل الأجل غيبا لا يعلمه إلا هو‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ حتى لا تتوقف عجلة الحياة‏ ,‏ وحتى يتجاوز المسلم حاجز الخوف من الموت فيتقدم إلى الجهاد في سبيل الله دون وجل أو مهابة‏ .‏
وتؤكد الآيات في سورة آل عمران أن من قصد بعمله أجر الدنيا فقط أعطاه الله إياه‏ ,‏ وليس له في الآخرة من نصيب‏ ,‏ وأن من قصد بعمله أجر الآخرة أعطاه الله تعالى أجر الدنيا والآخرة‏ .‏ وأن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ يجزي عباده بحسب شكرهم لنعمه‏ ,‏ واعترافهم بعظيم فضله‏ ,‏ وهذه الأحكام العامة فيها تعريض واضح بمن رغبوا في غنائم الحرب أثناء شدة القتال في غزوة أحد فتسببوا في عدم إتمام النصر الذي بدا في أول الأمر محققا للمسلمين‏ .‏ ثم تنتقل الآيات في سورة آل عمران إلي الحديث عن العلماء الربانيين‏ ,‏ والمجاهدين الصادقين الذين قاتلوا مع أنبياء الله ورسله من أجل إعلاء دين الله وإقامة عدله في الأرض‏ ,‏ فقتل منهم من قتل شهيدا وأصيب من أصيب‏ ,‏ ولكنهم لم يذلوا لعدوهم أبدا‏ ,‏ واحتسبوا وصبروا في كل ما مر بهم من الشدائد والمحن‏ ,‏ ولذلك امتدحهم الله تعالى في هذه السورة المباركة بقوله‏ (تبارك وتعالى‏) :
‏" وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ . فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ " (آل عمران‏:146‏ ‏148) .
وتعاود السورة المباركة إلى التحذير من موالاة أي من الكافرين أو المشركين‏ ,‏ مؤكدة أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو مولي المؤمنين‏ ,‏ الذي يعدهم النصر بتخذيل الكفار والمشركين‏ ,‏ وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى ‏:‏" سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ " (آل عمران‏:151) .
ثم تستعرض الآيات ‏ (152‏-‏175)‏ أحداث معركة أحد للمرة الثالثة‏ ,‏ وذلك بهدف تربية المسلمين‏ ,‏ وتحذيرهم من مزالق الطريق‏ ,‏ وتنبيههم إلي ما يمكن أن يحيط بهم من كيد الكفار والمشركين‏ ,‏ ومن محاولات الشيطان أن يعين أولياءه كي يجعل منهم مصدر إرهاب وتخويف للمؤمنين‏ ,‏ والمؤمن لا يخشى إلا رب العالمين‏ .‏ وتطلب الآيات من رسول الله‏ (صلى الله عليه سلم‏)‏ ألا يحزن على الذين يسارعون في الكفر لأنهم لن يضروا الله شيئا‏ ,‏ في الوقت الذي يضرون أنفسهم ضررا بليغا‏ ,‏ ويريد الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ألا يجعل لهم حظا في الآخرة‏ ,‏ والتمكين المؤقت لهم فيها هو لازديادهم في المعاصي والآثام مما يجعلهم أهلا لمضاعفة العذاب في الآخرة‏ .‏ وعلى النقيض من ذلك فإن ابتلاء الله‏ (تعالى‏)‏ للمؤمنين في الدنيا هو لتوجيههم إلى أخطائهم‏ ,‏ ولتأديبهم‏ ,‏ وتطهيرهم من خطاياهم‏ ,‏ ورفع درجاتهم كما فعل معهم في معركة أحد‏ .‏ وتدعو الآيات إلى الإيمان بالله وتقواه‏ ,‏ وببذل المال في سبيل الله‏ ,‏ وتتوعد الذين يبخلون وذلك بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :
"‏ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ "‏‏ (‏آل عمران‏:180) .‏
ثم تعود الآيات في سورة آل عمران‏ (181‏-‏188)‏ إلي ذكر جانب من جرائم اليهود‏ ,‏ ودسائسهم‏ ,‏ وأساليبهم الملتوية‏ ,‏ وتطاولهم الكاذب على الله‏ (تعالى‏) ,‏ وتكذيبهم لبعثة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ومحاربتهم لدين الله‏ ,‏ ولأوليائه‏ ,‏ وأنبيائه‏ ,‏ ورسله عبر التاريخ‏ ,‏ ونقضهم العهود والمواثيق‏ ,‏ وتؤيد الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في وجه المكذبين لدعوته ولبعثته الشريفة فتقول‏ :
‏" فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ المُنِيرِ "(‏آل عمران‏:184) .
وتؤكد الآيات أن الفناء هو مصير الخلائق‏ ,‏ وأن الموت مكتوب على كل نفس‏ ,‏ وأن جزاء الأعمال سوف يوفى كاملا يوم القيامة‏ ,‏ وأن الابتلاء من سنن الحياة‏ ,‏ ولا يملك الإنسان في مواجهته أفضل من الصبر والاحتساب‏ ,‏ وتقوى الله‏ (تعالى‏)‏ وذلك كله من عزم الأمور‏ .‏ وتعاود الآيات‏ (187‏-‏189)‏ للمرة الثالثة إلي استعراض بعض مخازي بني إسرائيل ومنها كتم ما أنزل عليهم‏ ,‏ من هداية ربانية‏ ,‏ ونبذه وراء ظهورهم‏ ,‏ وبيعه بالحقير من حطام الدنيا الفانية‏ ,‏ وفرحهم بما أوتوا‏ ,‏ وحبهم أن يحمدوا بما لم يفعلوا‏ ,‏ مؤكدة أن هذا ليس بمنجيهم من عذاب الله‏ .‏ والله على كل شيء قدير‏ .‏ وتختتم سورة آل عمران بتوجيه الناس جميعا إلى التأمل في خلق السماوات والأرض‏ ,‏ واستخلاص شيء من صفات الخالق العظيم بالتعرف على بديع صنعه في خلقه‏ ,‏ وتدعوهم إلى تكثيف الدعاء والرجاء من الله تعالى ,‏ وإلى سؤاله النجاة من النار‏ ,‏ والاستعاذة به من خزي يوم القيامة‏ ,‏ ورجاء المغفرة من الذنوب‏ ,‏ وتكفير السيئات‏ ,‏ ورفع الدرجات من فيض كرم الله ورحمته فهو رب ذلك والقادر عليه .‏ وتخاطب الآيات رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ كما تخاطب جميع المسلمين من بعده ألا يغتروا بتقلب الذين كفروا في البلاد في شيء من النعم المادية والجاه والسلطان‏ ,‏ وذلك لأن متاع الدنيا قليل‏ ,‏ ومن ثم لابد أن ينتهي بهم الأجل إلى جهنم وبئس المصير‏ ,‏ بينما الصالحون المتقون قد يعيشون في الدنيا عيشة الفقراء‏ ,‏ وحياة الابتلاء ثم تنتهي بهم هذه الحياة إلى نعيم الآخرة الأبدي الخالد وما أعد الله تعالى لهم فيها من خير كثير‏ .‏ وتذكر السورة الكريمة أهل الكتاب بمن اهتدى منهم ومن حقت عليه الضلالة‏ ,‏ وتقفل سورة آل عمران بوصية من الله‏ (تعالى‏)‏ إلى عباده المؤمنين هي عدتهم في مواجهة أهل الباطل في كل زمان ومكان يقول لهم فيها‏ :"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " (آل عمران‏:200) .


 من ركائز التشريع في سورة آل عمران :
أولا‏ًً :‏ المحرمات‏:
(‏1) تحريم اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين‏ ,‏ أو افتراء الكذب على الله‏ (تعالى‏)‏ أو الاستهانة بعهوده وأيمانه‏ ,‏ أو الردة عن الإسلام لأنها كفر بالله ورسوله‏ ,‏ وللمرتد أن يستتاب فإن تاب بصدق قبل الله توبته‏ ,‏ وإن لم يتب فإنه يموت على الكفر‏ ,‏ ويخلد في النار أبدا‏ .
‏(‏2) تحريم أكل الربا لأنه من السبع الموبقات والمهلكات المعروفات بالكبائر‏ . 
‏(‏3) تحريم التولي يوم الزحف لأنه من الكبائر كذلك‏ .‏
‏(‏4) تحريم الأخذ من الغنيمة خلسة‏ (الغلول‏)‏ لأن‏ (من يغلل يأت بما غل يوم القيامة‏) .‏ ‏
(‏5) تحريم النفاق لأن‏ (المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا‏)
.‏

ثانيا‏ :‏ الواجبات‏ :‏
(‏1) الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله قدر الاستطاعة‏ .
‏ (‏2) الحث على حج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا دون تراخ أو تأخير‏ .‏
(‏3) تحكيم الشورى كقاعدة إسلامية للحكم في كل أمر من أمور المسلمين‏ .‏
(‏4)‏ مداومة الحث على الجهاد في سبيل الله‏ (تعالى‏) ,‏ والترغيب في الجهاد من أجل إعلاء شأن الدين‏ ,‏ وإقامة عدل الله في الأرض‏ .‏


 من ركائز العقيدة في سورة آل عمران :
(‏1) الإيمان بالله‏ (تعالى‏)‏ ربا واحدا‏ (بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏) ,‏ وتنزيهه تنزيها كاملا عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ واليقين بأن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ هو الحي القيوم‏ ,‏ الذي لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء‏ ,‏ وأنه‏ (تعالى‏) .‏ هو الذي يصور الخلق في الأرحام كيف يشاء‏ ,‏ وأنه هو العزيز الحكيم‏ ,‏ وهو البصير بالعباد‏ ,‏ ومالك الملك‏ ,‏ يؤتي الملك من يشاء‏ ,‏ وينزعه ممن يشاء‏ ,‏ ويعز من يشاء‏ ,‏ ويذل من يشاء‏ ,‏ بيده الخير وهو على كل شيء قدير‏ ,‏ وأن النصر منه وحده‏ ,‏ يؤيد بنصره من يشاء‏ ,‏ وأن الهدي هداه‏ ,‏ وأن الفضل العظيم بيده يؤتيه من يشاء‏ ,‏ وأنه واسع عليم‏ ,‏ يختص برحمته من يشاء‏ ,‏ وهو رءوف بالعباد‏ ,‏ وهو عزيز ذو انتقام‏ ,‏ وأنه لا يخلف الميعاد‏ .‏
(‏2)‏ التصديق بالوحي الذي أنزله ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ على فترة من الرسل‏ ,‏ وأتمه‏ ,‏ وأكمله‏ ,‏ وحفظه في رسالته الخاتمة‏ (القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة‏) .‏ وأن هذه الرسالة الخاتمة مصدقة لما سبقها من صور الوحي‏ ,‏ ومهيمنة عليها‏ ,‏ وعلى ذلك فإن إيمان العبد لا يتم إلا بالإيمان بها وبالرسول الخاتم الذي تلقاها‏ .
(‏3) اليقين بأن كل نفس ذائقة الموت‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ جامع الناس ليوم لا ريب فيه‏ ,‏ مما يجسد حقيقة الآخرة بل حتميتها‏ ,‏ وحقيقة ما ذكر القرآن الكريم عنها وعما سوف يصاحبها من مشاهد وأحداث منها البعث‏ ,‏ والحساب‏ ,‏ والجنة والنار‏ ,‏ وأن الجنة مثوى المتقين الذين تبيض وجوههم في الآخرة‏ ,‏ وأن النار مثوى الكافرين الذي تسود وجوههم في هذا اليوم العصيب‏ .‏
(‏4)‏ الإيمان بأن الدين عند الله الإسلام‏ ,‏ وأنه من يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب‏ ,‏ والتسليم بحقيقة
" ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين‏ " (آل عمران:85) .‏
(5)‏‏ التسليم بضرورة طاعة الله‏ (تعالى‏)‏ وطاعة خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ والالتزام بسنته وهديه والاعتصام بحبل الله المتين ومحاربة كل فتنة تؤدي إلى فرقة المسلمين‏ .
(6)‏ التصديق بأن أمة الإسلام هي خير أمة أخرجت للناس لأنها تأمر بالمعروف‏ ,‏ وتنهى عن المنكر‏ ,‏ وتؤمن بالله‏ (تعالى‏)‏ فإن لم تلتزم بذلك فقدت هذه الخيرية‏ .



من الآيات الكونية في سورة آل عمران :
(1)‏‏ الإشارة إلى أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يصور الخلق في الأرحام كيف يشاء‏ .‏
(2)‏‏ التعبير عن دوران الأرض حول محورها أمام الشمس بظاهرة ولوج الليل في النهار‏ ,‏ وولوج النهار في الليل
.
(3)‏‏ تشبيه دورة الحياة والموت ثم البعث بإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي في هذه الدنيا‏ .
(4)‏‏ التأكيد على خلق كل من آدم وعيسى ابن مريم‏ (عليهما السلام‏)‏ من تراب‏ ,‏ ثم قيام كل منهما بالأمر الإلهي‏ :‏ كن فيكون .
(‏5) ذكر حقيقة
" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ‏"‏ (آل عمران:69) .
‏‏(‏6) التأكيد على أن لله ما في السماوات وما في الأرض‏ ,‏ وأن إليه ترجع الأمور‏ .‏
(‏7) الإشارة إلى حقيقة أن كل نفس ذائقة الموت‏ ,‏ وأن الموت كتاب مؤجل لا يحل إلا بإذن الله الذي لا يعلم الآجال أحد سواه‏ .‏ ‏‏‏
(‏8) التلميح إلى قضية نفسية مهمة لم تعرف إلا مؤخرا وهي معالجة الغم بغم جديد من أجل تخفيفه‏ .‏
(‏9) التأكيد على أن خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار فيهما آيات لأولي الألباب‏ ,‏ وأن التفكر في مثل هذه القضايا من وسائل التعرف على الخالق العظيم‏ ,‏ وعلى شيء من صفاته العليا وقدراته التي لا تحدها حدود‏ .‏
" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ " (آل عمران‏:96) . في تفسير هذه الآية الكريمة أجمع المفسرون على أن من دلالات قول ربنا تبارك وتعالى ‏:‏
" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ‏" (آل عمران‏:96) , هو أن الكعبة المشرفة هي أول بيت وضع لعبادة الله في الأرض‏ ,‏ وإن قال السدي رحمة الله إنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقاً .‏ وتعددت الروايات في تحديد من بني هذا البيت العتيق‏ ,‏ وإن كان من الثابت قرآنا وسنة أن أبا الأنبياء إبراهيم وولده إسماعيل على نبينا وعليهما من الله السلام قد تلقيا أمرا من الله تعالى برفع هذا البيت من قواعده‏ ,‏ وأن يخصصاه للطائفين والعاكفين والركع السجود‏ ,‏ وأن يجعل مكانا للصلاة‏ ,‏ وللحج والعمرة والطواف‏ ,‏ وقبلة للمصلين سواء العاكف فيه والباد . وكان ذلك منذ أربعة آلاف سنة تقريبا‏ (أي منذ سنة ‏1824‏ ق‏.‏م)‏ وقد تهدم البيت عدة مرات وأعيد بناؤه مما يؤكد شرف البقعة المكانية لا على شرف أحجار البناء‏ ,‏ ولقد جاء في أخبار مكة للفاكهي ثم للأزرقي أن البيت هدم فبنته قبيلة جرهم‏ ,‏ ثم هدم فبنته العماليق‏ ,‏ ثم هدم فبنته قريش‏ (سنة‏16‏ قبل الهجرة‏) ,‏ وبعد ذلك بناه عبد الله بن الزبير‏ , (سنة‏64‏ ه‏)‏ ثم الحجاج‏ (سنة‏74‏ ه‏)‏ ثم السلطان مراد بن أحمد العثماني سنة‏1039‏ ه‏ ,‏ وهو البناء الموجود حاليا‏ .‏ وانطلاقا من هذه الآية الكريمة‏ ,‏ ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يتضح لنا أن الكعبة المشرفة بنتها الملائكة عند تمام خلق السماوات والأرض استعدادا لمقدم أبينا آدم عليه السلام وعلى ذلك فهي أول بيت بني فوق سطح الأرض على الإطلاق‏ .


من الدلالات العلمية للآية الكريمة يقول ربنا تبارك وتعالى‏:‏
" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ " (آل عمران‏:96)‏
ونص الآية الكريمة واضح الدلالة على أن الكعبة المشرفة هي أول بيت وضع للناس‏ .‏ والتعبير‏ (أول بيت‏)‏ لم يحدد أنه أول بيت للعبادة‏ ,‏ وإن كانت الكعبة المشرفة هي أول بيت عبد الله تعالى فيه على الأرض‏ ,‏ وعلى ذلك فالاستنتاج أنه أول بيت على الإطلاق يبني على سطح الأرض أقرب إلى فهم دلالة النص القرآني الكريم ويدعم ذلك وصف القرآن الكريم للكعبة المشرفة بوصف‏ (البيت العتيق‏)‏ كما جاء في سورة الحج (آية‏29) . كذلك فإن التعبير القرآني‏ (وضع للناس‏)‏ ينفي أن يكون أحد من الناس قد بناه ابتداء‏ ,‏ مما يدعم القول بأن الملائكة هي التي ابتدأت بناء هذا البيت العتيق‏ (الكعبة المشرفة‏) ,‏ ثم تهدم البيت العتيق وبنته أجيال من الناس ست مرات على الأقل‏ ,‏ مما يؤكد أن الكرامة والبركة والشرف هي للبقعة المكانية وليست لأحجار البناء باستثناء الحجر الأسعد‏ .‏ ويؤكد هذا الاستنتاج الأحاديث العديدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تؤكد بركات‏ ,‏ وكرامة‏ ,‏ وشرف الحرم المكي‏ ,‏ الذي حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض‏ ,‏ وجعله حرما آمنا‏ ,‏ وفي ذلك يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ‏:‏" إن مكة حرمها الله‏ ,‏ ولم يحرمها الناس " (صحيح البخاري‏) .‏
" إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض‏ ,‏ لا يعضد شوكه‏ ,‏ ولا ينفر صيده‏ ,‏ ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها " (البخاري وأحمد‏) .
‏ "‏ إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض‏ ,‏ فهي حرام بحرام الله إلي يوم القيامة‏ " (مصنف عبد الرزاق‏) .‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما خطب به الناس يوم الفتح ‏: ‏"‏ إن مكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض‏ ,‏ لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما‏ ,‏ ولا يعضد بها شجرا‏ ,‏ فإن أحد ترخص في قتال فيها‏ ,‏ فقولوا‏:‏ إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم‏ ,‏ وإنما أذن له ساعة من نهار‏ ,‏ وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها أمس " (صحيح البخاري‏) .‏
‏"‏ لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها‏ ,‏ فإذا ضيعوا ذلك هلكوا‏ "
(أحمد وابن ماجه‏) .‏ وهذه الأحاديث النبوية الشريفة هي مذكرة تفسيرية لقول ربنا تبارك وتعالى على لسان خاتم أنبيائه ورسله صلوات الله وسلامه عليه‏ :‏ " إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ " (النمل‏:91) .

دراسات علوم الأرض ونشأة أرض الحرم المكي الشريف:
تفيد أحدث النتائج في دراسات علوم الأرض إلى أن كوكبنا مر بمرحلة من تاريخه القديم غمر فيها بالماء غمرا كاملا‏ ,‏ فاختفت اليابسة تماما ثم فجر الله تعالى قاع هذا المحيط الغامر بثورة بركانية ظلت تلقي بحممها فوق قاع هذا المحيط الأول حتى تكونت سلسلة جبلية في وسطه تشبه ما يعرف اليوم باسم "حيود أواسط المحيطات‏ " ,‏ وهي سلاسل من الصخور البركانية والرسوبية المختلطة تجري بطول أواسط المحيطات الحالية وتغذيها الأنشطة البركانية باستمرار على فترات من النشاط والخمود حتى تظهر بعض قممها فوق مستوي سطح الماء في المحيط لتكون عددا من الجزر البركانية مثل جزر كل من هاواي‏ ,‏ واليابان‏ ,‏ والفلبين‏ ,‏ وإندونيسيا وغيرها‏ .‏والسلسلة الجبلية التي تكونت فوق قاع المحيط الأول الغامر للأرض ظلت تنمو بتواصل نشاطها البركاني حتى برزت أول قمة منها فوق مستوي سطح الماء فكانت أرض مكة المكرمة فأمر الله تعالى ملائكته بمباركة هذه القطعة الأولى من اليابسة وبناء الكعبة المشرفة عليها‏ , ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :‏ "‏ كانت الكعبة خشعة على الماء فدحيت منها الأرض‏ " (الهروي‏ ,‏ الزمخشري‏) .‏
وقال عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏ : ‏"‏ دحيت الأرض من مكة فمدها الله تعالى من تحتها فسميت أم القرى "
(مسند الإمام أحمد‏) .‏
وفي شرح هذين الحديثين الشريفين ذكر كل من ابن عباس رضي الله عنهما وابن قتيبة (أرضاه الله‏)‏ أن مكة المكرمة سميت باسم أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها لكونها أقدم الأرض‏ .‏ و‏ (‏الدحو‏)‏ في اللغة هو المد والبسط والإلقاء‏ ,‏ وهي كلمة جامعة للتعبير عن ثورة البركان الذي يوسع من امتداد طفوحه البركانية كلما تجدد نشاطه وذلك بإلقاء مزيد من تلك الطفوح‏ .‏ كذلك أخرج كل من الطبراني والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفا عليه أنه أي البيت الحرام كان أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق السماوات والأرض زبدة‏ (بفتح الزاي‏)‏ أي كتلة من الزبد بيضاء فدحيت الأرض من تحته‏ .‏ وقد ظلت الثورات البركانية فوق القاع المحيط الأول تلقي بحممها حتى تعددت الجزر البركانية فيه وبدأت تتلاحم حتى وسعت من مساحة اليابسة مكونة كتلة أرضية واحدة تعرف باسم القارة الأم أو أم القارات ‏ (PANGAEA) .‏ ثم شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يفتت تلك القارة الأم بشبكة من الصدوع إلى القارات السبع التي نعرفها اليوم‏ ,‏ وكانت هذه القارات أشد قربا إلى بعضها البعض من أوضاعها الحالية ثم أخذت في الانزياح متباعدة عن بعضها البعض حتى وصلت إلى أوضاعها الحالية‏ .‏ ولا تزال قارات الأرض السبع في حركات مستمرة‏ ,‏ ولكنها حركات بطيئة لا يشعر بها الإنسان وإن أمكنة قياسها‏ .‏

توسط مكة المكرمة من اليابسة:‏
في دراسة لتحديد اتجاهات القبلة من المدن الرئيسة في العالم لاحظ الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين‏ (رحمه الله رحمة واسعة جزاء ما قدم‏)‏ تمركز مكة المكرمة في قلب دائرة تمر بأطراف القارات السبع الحالية‏ ,‏ واستنتج من ذلك أن اليابسة موزعة حول مكة المكرمة توزيعا منتظما على سطح الكرة الأرضية‏ ,‏ بمعنى أن هذه المدينة المباركة تعتبر مركزا لليابسة‏ .وبمتابعة هذه النتيجة المبهرة‏ ,‏ وجدت انه في كل حالات اليابسة‏:‏ وهي كتلة واحدة‏ ,‏ وعندما تم تفتيتها إلى القارات السبع‏ ,‏ وعندما كانت القارات أكثر قربا من بعضها البعض‏ ,‏ وفي مراحل زحفها المتتالية حتى وصلت إلى أوضاعها الحالية‏ ,‏ كانت الكعبة المشرفة دائما في وسط اليابسة مما يؤكد أن اليابسة قد دحيت من تحتها كما أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما أشار ربنا في محكم كتابه بقوله العزيز مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم ‏‏" وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا" (‏الأنعام‏:92) .‏
وقال وهو أحكم القائلين ‏: ‏" وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِياًّ لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ‏" (الشورى‏:7) .‏
وقد حاول عدد من المستشرقين اقتطاع النص القرآني الكريم‏ (ولتنذر أم القرى ومن حولها‏)‏ من مضمونه‏ ,‏ وقصره على أهل مكة وبعض قرى جنوب الحجاز من حولها واعتباره معارضا للعديد من النصوص القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد عالمية الرسالة المحمدية الخاتمة وذلك من مثل قول ربنا تبارك وتعالى مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم : " قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً " (الأعراف‏:158) .‏
وقوله تعالى‏: " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ "‏ (الأنبياء‏:107) .‏
وقوله عز من قائل‏: " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ "‏ (سبأ‏:28) .‏
وقوله وهو أحكم القائلين‏:‏" تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً " (الفرقان‏:1) .‏ ومن مثل قول المصطفى صلى الله عليه وسلم‏ :
"‏ أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي ‏" وذكر منهن ‏: " وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " (البخاري‏ ,‏ النسائي‏) .‏
ولكن العلوم المكتسبة في تطورها المذهل في العقود القليلة الماضية جاءت لتؤكد توسط الحرم المكي الشريف من اليابسة كلها‏ ,‏ وعلى نمو اليابسة من جزيرة بركانية واحدة وسط محيط غامر‏ .‏ وتؤكد الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة أن هذه الجزيرة البركانية الأولى كانت أرض مكة المكرمة‏ .‏ وهناك من النصوص الشرعية والشواهد الحسية العديدة ما يؤكد خصوصية الحرم المكي‏ ,‏ وكرامته‏ ,‏ وشرفه والتي يمكن إيجازها في النقاط التالية‏ :‏
‏(1‏) توسط الحرم المكي الشريف من اليابسة التي تتوزع حول هذا الحرم توزعا منتظما كما أثبت ذلك الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين رحمه الله في دراسته العلمية الجادة لتحديد اتجاهات القبلة من المدن الرئيسية في العالم‏ ,‏ والتي نشرت في العدد الثاني من المجلد الأول لمجلة البحوث الإسلامية الصادرة بمدينة الرياض سنة ‏1395‏هـ‏ /1975‏م‏ .‏
(2‏)‏ انعدام الانحراف المغناطيسي
عند خط طول مكة المكرمة‏ (39,817‏ شرقا‏)‏ كما ثبت في البحث المشار إليه آنفا‏ .
(3‏) وجود أركان الكعبة المشرفة في الاتجاهات الأربعة الأصلية تماما‏ .
(4) تفجر عين زمزم وسط صخور نارية ومتحولة مصمطة وفيضانها لنحو أربعة آلاف سنة‏ (منذ سنة ‏1824‏ ق.‏م‏) .‏
(5‏) ثبوت الطبيعة النيزكية لكل من الحجر الأسود ومقام إبراهيم مما يثبت أنهما من أحجار السماء‏ ,‏ كما قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل ألف وأربعمائة سنة‏ ,‏ وذلك في أكثر من حديث نبوي شريف‏ .‏
هذه الحقائق لم تتوصل العلوم المكتسبة إلى شيء منها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ ,‏ وورودها في كتاب الله وفي أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل ألف وأربعمائة سنة مما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏ ,‏ ويشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏ ,‏ فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏