" وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ " (الطور:6).


ذُكر هذا القسم ضمن قسم بخمس من آيات الله في الخلق على حتمية وقوع العذاب بالمُكذِّبين بالدين الخاتم‏ ,‏ وعلى أنه لا دافع أبداً لهذا العذاب عنهم‏ .‏ جاء هذا القسم القرآني العجيب في مطلع سورة الطور‏ ,‏ وسورة الطور مكية‏ ,‏ شأنها شأن كل السور التي أُنزلت بمكة المكرمة‏ ,‏ تدور محاورها الأساسية حول قضية العقيدة بأبعادها المُختلِفة من الإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد‏ ,‏ وبملائكته‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ وبالبعث والجزاء‏ ,‏ وبالخلود في الآخرة‏ ,‏ إما في الجنة أبداً أو في النار أبدا‏ًً .‏
وتبدأ السورة بعد هذا القسم بمشهد من مشاهد الآخرة فيه استعراض لحال المكذبين برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ,‏ وهم يُدفعون من ظهورهم إلى نار جهنم دفعا‏ًً ,‏ وقد كانوا من المُكذِّبين بها‏!!‏
ثم تنتقل الآيات إلى استعراض حال المتقين، وهم يرفلون في جنات النعيم ثواباً لهم على الإيمان بالله‏ ,‏ والخوف من عذابه‏!!‏
وتنتهي السورة بخطاب إلى النبي الخاتم‏ ,‏ والرسول الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ يحثه على المضي في دعوته إلى عبادة الله الخالق وحده‏ (‏بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏)‏ مهما صادفه في ذلك من مصاعب في مواجهة الكم الهائل من مؤامرات المُتآمِرين‏ ,‏ وكيد المُكذِّبين وعنتهم‏ ,‏ الذين يتهددهم الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بما سوف يلقونه من صنوف العذاب يوم القيامة‏ ,‏ بل بعذاب قبل ذلك في الحياة الدنيا‏ ,‏ ويأتي مسك الختام بمواساة وتعضيد لرسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ في صورة تكريم لم يسبق لنبي من الأنبياء‏ ,‏ ولا لرسول من الرسل أن نال من الله ـ‏ تعالى‏ ـ تكريم مثله‏ ,‏ وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ مُوجِهاً الخطاب إليه‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏
" وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ. وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ‏" (الطور‏:49,48) .‏

والآيات الست التي سبق بها القسم في مطلع سورة الطور هي على التوالي‏ :‏
(1) الطور : وهو الجبل المَكسو بالأشجار‏ ,‏ والجبل غير المكسو بالخضرة لا يقال له طور‏ ,‏ إنما يقال له جبل إذا كان شاهق الارتفاع بالنسبة للتضاريس حوله‏ ,‏ ويسمى " تَلَّاً " إذا كان دون ذلك‏ ,‏ وتليه الأَكْمَة أو الرَّبْوَة أو النتوء الأرضي‏ ,‏ ويليه النَّجْد أو الهَضَبَة‏ ,‏ ويليه السَّهْل‏ ,‏ من تضاريس الأرض‏ ,‏ والمقصود في القسم القرآني هنا ـ على الأرجح ـ طور سيناء‏ ,‏ الذي كلم الله‏ ـ تعالى‏ ـ عنده موسى‏ ـ‏ عليه السلام ـ ,‏ والذي نزلت عليه الألواح‏ ,‏ وأقسم الله ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ بطور سيناء هذا تكريماً له‏ ,‏ وتذكيراً للناس بما فيه من الآيات‏ ,‏ والأنوار‏ ,‏ والتجليات‏ ,‏ والفيوضات الإلهية‏ ,‏ مما جعله بقعة مُشرَّفة من بقاع الأرض لاختياره بإرادة الله‏ ـ‏ تعالى ـ ,‏ وتجليه له‏ .
(2) والآية الثانية التي جاء بها القسم هي " وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ‏ " (الطور:2) .‏ وقيل فيه : إنه اللوح المحفوظ‏ ,‏ وقيل : إنه القرآن الكريم الذي ختم الله ت‏ سبحانه‏ ـ‏ به وحي السماء‏ ,‏ وقيل : هو التوراة التي تلقاها نبي الله موسى ـ‏ عليه السلام‏ ـ في الألواح التي أُنزلت على جبل الطور‏ ,‏ وقيل : هو إشارة إلي جميع الكتب التي أنزلها ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ على فترة من الرسل بلغ عددهم ثلاثمائة وخمسة عشر كما أخبرنا المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ,‏ لأن أصلها واحد‏ ,‏ ورسالتها واحدة‏ ,‏ كما قيل إنها صحائف أعمال العباد ‏.‏
(3) والقسم الثالث جاء بـ " الرق المنشور " . والرق : هو جلد رقيق يُكتب فيه‏ ,‏ وقد يشير إلى الورق الذي يكتب عليه وإلى الألواح التي ينقش فيها‏؛‏ لأن الرق هو كل ما يُكتب فيه‏ .‏ والمنشور ـ أي المبسوط ـ غير المطوي‏ ,‏ وغير المختوم عليه‏ ,‏ بمعنى أنه مفتوح أمام الجميع‏ ,‏ يستطيعون قراءته أو الاستماع إليه بغير حجر أو منع‏ ,‏ فالقرآن الكريم يقرأه الخلق جميعهم‏ ,‏ ويستمعون إليه بغير قيود أو حدود من أي نوع‏ ,‏ وهكذا كانت الكتب السماوية التي سبقته بالنزول قبل ضياعها أو تحريفها‏ , ‏وفي النشر إشارة إلى سلامة الكتب السماوية من كل نقص وعيب ‏.
(4) ‏وجاء القسم الرابع بصياغة " وَالْبَيْتِ المَعْمُورِ " : وهو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة‏ ـ‏ أي مقابلتها إلى أعلى على استقامتها ـ ,‏ وهو أيضا حيال العرش إلى أسفل منه وعلى استقامته‏ ,‏ تعمِّره الملائكة‏ ,‏ يصلى فيه كل يوم سبعون ألفاً منهم، ثم لا يعودون إليه كما روى ابن عباس‏ ـ‏ رضي الله عنهما‏ ـ ,‏ عن رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ,‏ وهو لأهل السماء كالكعبة المُشرَّفة لأهل الأرض‏ ,‏ ويروى عن رسول الله‏ ـ صلى اللهعليه وسلم‏ ـ‏ أنه قال يوما لأصحابه‏ :"‏ هل تدرون ما البيت المعمور؟ " قالوا‏ :‏ الله ورسوله أعلم‏ ,‏ قال‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ " فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها‏ ,‏ يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك ،إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم " ‏.‏
ويروى عنه ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وصفاً مُشابِهاً للبيت المعمور في حديث الإسراء والمعراج‏ ,‏ كما جاء في الصحيحين ‏.‏
(5) وجاء القسم الخامس بصياغة " والسقف المرفوع "، وفيه قيل : هو السماء القائمة بغير عمد مرئية‏ ,‏ كما جاء على لسان الإمام علي‏ ـ‏ كرم الله تعالى وجهه ـ‏ ووافقه على ذلك كثير من المفسرين‏ ,‏ وإن قال الربيع بن أنس : " إنه العرش الذي هو سقف لجميع المخلوقات‏ ‏ " .
(6) أما البحر المسجور فقد تعددت آراء المفسرين فيه‏ ,‏ كما سنرى في الأسطر القليلة التالية‏ ,‏ ولكن قبل التعرض لذلك لابد لنا من استعراض الدلالة اللغوية للفظي البحر والمسجور ‏.‏

المدلول اللغوي للبحر المسجور :
‏(‏البحر‏)‏ في اللغة ضد البر‏ ,‏ وقيل : إنه سمي بهذا الاسم لعمقه واتساعه‏ ,‏ والجمع‏(‏أَبْحُر‏)‏ و‏(‏بِحَار‏)‏ و‏(‏بُحُور‏) ,‏ وكل نهر عظيم يسمى بحراً‏؛‏ لأن أصل البحر هو كل مكان واسع جامع للماء الكثير‏ ,‏ وإن كانت لفظة ‏(‏البحر‏)‏ تُطلق في الأصل على الماء المالح دون العذب‏ ,‏ كذلك سمت العرب كل مُتوسِّع في شيء ‏(‏بحرا‏ًً)‏ حتى قالوا‏:‏ للمتوسع في علمه ‏(‏بحراً‏) ,‏ وللتوسع في العلم ‏(‏تَبَحُّر‏) ,‏ وقالوا‏:‏ فرس ‏(‏بحر‏)‏ أي واسع الخُطَى‏ ,‏ سريع الجري‏ ,‏ وقيل‏:‏ ماء بحر‏ ,‏ أي ملح‏ (‏مالح‏) ,‏ و‏(‏أَبْحَرَ‏)‏ الماء أي ملح‏ ,‏ و‏(‏أَبْحَرَ‏)‏ الرجل أي ركب البحر‏ ,‏ و‏(‏بَحَرَ‏)‏ أذن الناقة، أي شقها شقاً واسعاً فشبهها بسعة البحر على وجه المجاز والمُبالَغة‏ ,‏ ومنها سميت البَحِيْرَة : وهي الناقة إذا ولدت عشرة أبطن شقوا أذنها‏ ,‏ وتُطلق‏ ,‏ فلا تُركب ولا يُحمل عليها‏ ,‏ والبَحِيْرَة ابنة السائبة ، وحكمها حكم أمها عند العرب في الجاهلية ‏.‏
أما وصف البحر بصفة ‏(‏المسجور‏)‏ فالصفة مستمدة من الفعل‏ (‏سَجَرَ‏)‏ و‏(‏السَّجْرُ‏)‏ تهييج النار‏ ,‏ يقال : ‏(‏سجر‏)‏ التنور أي أوقد عليه حتى أحماه‏ ,‏ و‏(‏السجور‏)‏ هو ما يُسجر به التنور من أنواع الوقود‏ ,‏ كما يقال : ‏(‏سَجرَ‏)‏ الماء النهر أي ملأه‏ ,‏ ومنه ‏(‏البحر المسجور‏)‏ أي المملوء بالماء‏ ,‏ المكفوف عن اليابسة‏ ,‏ و‏(‏الساجور‏)‏ خشبة تُجعل في عنق الكلب فيقال له كلب‏ (‏مسوجر‏)‏ أي محكوم‏ ,‏ والمسوجر المُغلق المُحكم الإغلاق من كل شيء ‏.‏  


شروح المفسرين :
في تفسير القسم القرآني بالبحر المسجور أشار ابن كثير ـ يرحمه الله‏ ـ‏ إلى قول الربيع بن أنس أنه‏ :‏  هو الماء الذي تحت العرش الذي يُنزل الله منه المطر الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم ‏معادها‏  أي أنه بحر من ماء خاص محبوس عند رب العالمين‏ ,‏ ينزله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ يوم البعث فينبت كل مخلوق بواسطة هذا الماء من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من حبتها على ما روي عن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ت‏ من قول ‏.‏
وأضاف ابن كثير : " و‏قال الجمهور هو هذا البحر‏ ,‏ واختلف في معنى المسجور فقال بعضهم : المراد أنه يوقد يوم القيامة ناراً كقوله تعالى ‏:‏
" وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ " (التكوير:6) أي أضرمت فتصير ناراً تتأجج محيطة بأهل الموقف " ، كما روي عن على وابن عباس‏ ,‏ وقال العلاء بن بدر‏:‏ " إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يُشرب منه ماء‏ ,‏ ولا يُسقى به زرع‏ ,‏ وكذلك البحار يوم القيامة‏ ".‏
‏‏وعن سعيد بن جبير‏ :
"‏ وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ " (الطور:6) يعني المُرسل‏ " ,‏ وقال قتادة‏ : ‏ المسجور : المملوء‏  ,‏ واختاره ابن جرير‏ ,‏ وقيل ‏:‏ المراد بالمسجور الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا يغمرها فيغرق أهلها‏ ,‏ قاله ابن عباس وبه يقول السدي وغيره‏ ,‏ وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب‏ ,‏ عن رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ قال: "‏ ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله أن ينفضح عليهم فيكفه الله عز وجل ‏" .‏
وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏ ـ رحمهما الله‏ ـ‏ في شرح دلالة القسم القرآني‏
"‏ وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ "‏ (الطور:6) أي المملوء وذكرا أنه قول قتادة‏ ،‏ وقالا قال مجاهد : " المُوقد أي الذي سيسجر يوم القيامة لقوله تعالى‏ : "‏ وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ ‏ " (التكوير:6) .‏
وقال صاحب الظلال‏ ـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ كلاماً مُشابِهاً يشير إلى أن البحر المسجور هو المملوء بالماء في الدنيا‏ ,‏ أو المُتَّقد بالنار في الآخرة‏ ,‏ أو أن هذا التعبير يسير إلى خلق آخر كالبيت المعمور يعلمه الله‏ .‏
وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ غفر الله له ـ‏ في تفسير قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ :
"‏ وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ ‏ "‏ (الطور:6) ما نصه‏ :‏ " أي المملوء ماء يقال‏:‏ سجر النهر‏ ,‏ ملأه‏ ,‏ وهو البحر المحيط‏ ,‏ والمراد الجنس‏ ,‏ وقيل الموقد ناراً عند قيام الساعة‏ ,‏ كما قال ـ تعالى ـ ‏: "‏ وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ " (التكوير:6) ,‏ أي أوقدت نارا‏ًً ,‏ من سجر التنور يسجره سجراً‏ ,‏ أحماه‏ ,‏ وُصف البحر بذلك إعلاماً بأن البحار عند فناء الدنيا تحمى بنار من تحتها فتتبخر مياهها‏ ,‏ وتندلع النار في تجاويفها وتصير كلها حمماً ‏.‏
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ‏:‏ " إن البحر المسجور هو المملوء‏ " ,‏ وذكر صاحب صفوة التفاسير‏ ـ‏ بارك الله في عمره‏ ـ‏ أنه الموقد ناراً يوم القيامة لقوله :
" وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ " (التكوير:6) أي أُضرمت حتى تصير ناراً ملتهبة تتأجج وتحيط بأهل الموقف‏ .‏

البحر المسجور في منظور العلوم الحديثة :
من المعاني اللغوية للبحر المسجور هو المملوء بالماء‏ ,‏ والمكفوف عن اليابسة‏ ,‏ وهو معنى صحيح من الناحية العلمية صحة كاملة، كما أثبتته الدراسات العلمية في القرن العشرين‏ ,‏ ومن المعاني اللغوية لهذا القسم القرآني المُبهِر أيضا أن البحر قد أُوقد عليه حتى حمي قاعه فأصبح مسجورا‏ًً ,‏ وهو كذلك من الحقائق العلمية التي اكتشفها الإنسان في العقود المُتأخِّرة من القرن العشرين‏ ,‏ والتي لم يكن لبشر إلمام بها قبل ذلك أبدا‏ًً ,‏ وهذا ما نفصله في الأسطر التالية ‏:‏
أولا‏ًً :
" البحر المسجور " (الطور:6) بمعنى المملوء بالماء والمكفوف عن اليابسة‏ :‏ الأرض هي أغني كواكب المجموعة الشمسية بالماء الذي تقدر كميته بحوالي‏1360‏ إلى ‏1385‏ مليون مليون كيلو متر مكعب‏ ,‏ وهذا الماء قد أخرجه ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ كله من داخل الأرض على هيئة بخار ماء اندفع من فوهات البراكين‏ ,‏ وعبر صدوع الأرض العميقة ليصادف الطبقات العليا الباردة من نطاق التغيرات الجوية، والذي يمتد من سطح البحر إلى ارتفاع حوالي ستة عشر كيلو متراً فوق خط الاستواء‏ ,‏ وحوالي العشرة كيلو مترات فوق قطبي الأرض‏ ,‏ وتنخفض درجة الحرارة في هذا النطاق باستمرار مع الارتفاع حتى تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته‏.‏ وهذا النطاق يحوي حوالي ثلثي كتلة الغلاف الغازي للأرض‏ (66%)‏ والمُقدَّرة بأكثر قليلاً من خمسة آلاف مليون مليون طن‏ ,‏ وهو النطاق الذي يتكثف فيه بخار الماء الصاعد من الأرض‏ ,‏ والذي تتكون فيه السحب‏ ,‏ وينزل منه كل من المطر‏ ,‏ والبَرَد‏ ,‏ والثلج‏ ,‏ وتتم فيه ظواهر الرعد والبرق‏ ,‏ وتتكون العواصف والدوَّامات الهوائية وغير ذلك من الظواهر الجوية‏ ,‏ ولولا تبرد هذا النطاق مع الارتفاع ما عاد إلينا بخار الماء الصاعد من الأرض أبداً‏.‏ وحينما عاد إلينا بخار الماء مطراً‏ ,‏ وثلجاً‏ً ,‏ وبَرَدَاً‏ ,‏ انحدر على سطح الأرض ليشق له عدداً من المجاري المائية‏ ,‏ ثم فاض إلى منخفضات الأرض الواسعة ليكوَّن البحار والمحيطات‏ ,‏ وبتكرار عملية البخر من أسطح تلك البحار والمحيطات‏ ,‏ ومن أسطح اليابسة بما عليها من مختلف صور التجمعات المائية والكائنات الحية‏،‏ بدأت دورة المياه حول الأرض‏ من أجل التنقية المُستمِرَّة‏ لهذا الماء وتلطيف الجو‏ ,‏ وتفتيت الصخور‏ ,‏ وتسوية سطح الأرض‏ ,‏ وتكوين التربة‏ ,‏ وتركيز عدد من الثروات المعدنية‏ ,‏ وغير ذلك من المهام التي أوكلها الخالق لتلك الدورة المُعجِزة التي تحمل‏380 ,000‏ كيلو متر مكعب من ماء الأرض إلى غلافها الجوي سنوياً‏ ,‏ لتردَّها إلى الأرض ماءاً طهوراً‏ ,‏ منها‏320 ,000‏ كيلو متر مكعب تتبخر من أسطح البحار المحيطات‏ ,60 ,000‏ كيلو متر مكعب من أسطح اليابسة‏ ,‏ يعود منها ‏284 ,000‏ كيلو متر مكعب إلى البحار والمحيطات‏ , 96 ,000‏ كيلو متر مكعب إلى اليابسة التي يفيض منها‏36 ,000‏ كيلو متر مكعب من الماء إلى البحار والمحيطات‏ ,‏ وهو نفس مقدار الفارق بين البخر والمطر من وإلى البحار والمحيطات‏ .‏


هذه الدورة المُحكَمة للمياه حول الأرض أدَّت إلى خزن أغلب ماء الأرض في بحارها ومحيطاتها حوالي ‏(97 ,2%) ,‏ وإبقاء أقله على اليابسة‏ (‏حوالي‏2 ,8%) ,‏ وبهذه الدورة للماء حول الأرض تملح ماء البحار والمحيطات‏ ,‏ وبقيت نسبة ضئيلة على هيئة ماء عذب على اليابسة ‏(2,8%‏ من مجموع كم الماء على الأرض‏) ,‏ وحتى هذه النسبة الضئيلة من ماء الأرض العذب قد حُبس أغلبها‏ (‏من ‏2 ,052%‏ إلى ‏2 ,15%)‏ على هيئة سُمْك هائل من الجليد فوق قطبي الأرض‏ ,‏ وفي قمم الجبال‏ ,‏ والباقي مُختزَن في الطبقات المسامية والمُنفذة من صخور القشرة الأرضية على هيئة ماء تحت سطحي ‏(‏حوالي‏0,27%‏ إلى ‏0 ,5%) ‏، وفي بحيرات الماء العذب ‏(‏حوالي‏0,33%) ,‏ وعلى هيئة رطوبة في تربة الأرض ‏(‏من‏0 ,01%‏ إلى ‏0,18%)‏، ورطوبة في الغلاف الغازي للأرض تتراوح بين ‏(0 ,0001%‏ إلي‏0 ,036%) ,‏ وما يجري في الأنهار والجداول‏  (حوالي‏0 ,0047%) .‏
وتوزيع ماء الأرض بهذه النسب التي اقتضتها حكمة الله الخالق قد تم بدقة بالغة بين البيئات المختلفة بالقدر الكافي لمُتطلَّبات الحياة في كل بيئة من تلك البيئات‏ ,‏ وبالأقدار الموزونة التي لو اختلَّت قليلاً بزيادة أو نقص لغمرت الأرض وغطَّت سطحها بالكامل‏ ,‏ أو انحسرت تاركة مساحات هائلة من اليابسة‏ ,‏ ولقصرت دون متطلبات الحياة عليها‏ .‏
ومن هذا القبيل يحسب العلماء أن الجليد المُتجمِّع فوق قطبي الأرض وفي قمم الجبال المُرتفِعة فوق سطحها إذا انصهر ‏ ـ وهذا لا يحتاج إلا إلى مجرد الارتفاع في درجة حرارة صيف تلك المناطق بحوالي خمس درجات مئوية ـ ،‏ وإذا حدث ذلك فإن كم الماء الناتج سوف يؤدي إلى رفع منسوب المياه في البحار والمحيطات إلى أكثر من مائة متر فيغرق أغلب المناطق الآهلة بالسكان والمُمتدَّة حول شواطئ تلك البحار والمحيطات‏ .‏ وليس هذا من قبيل الخيال العلمي‏ ,‏ فقد مرت بالأرض فترات كانت مياه البحار فيها أكثر غمراً لليابسة من حدود شواطئها الحالية‏ ,‏ كما مرت فترات أخري كان منسوب الماء في البحار والمحيطات أكثر انخفاضاً من منسوبها الحالي مما أدى إلى انحسار مساحة البحار والمحيطات، وزيادة مساحة اليابسة‏ ,‏ والضابط في الحالين كان كم الجليد المُتجمِّع فوق اليابسة‏ ,‏ فكلما زاد كم الجليد انخفض منسوب الماء في البحار والمحيطات فانحسرت عن اليابسة التي تزيد مساحتها زيادة ملحوظة‏ ,‏ وكلما قل كم الجليد ارتفع منسوب المياه في البحار والمحيطات وطغت على اليابسة التي تتضاءل مساحتها تضاءلاً ملحوظا‏ًً .‏
من هنا كان تفسير القسم القرآني بـ
‏"‏ الْبَحْرِ المَسْجُورِ ‏"‏ (الطور:6) بأن الله ـ تعالى ـ يمن علينا‏ ـ‏ وهو صاحب الفضل والمنة‏ ـ بأنه ملأ منخفضات الأرض بماء البحار والمحيطات‏ ,‏ وحجز هذا الماء عن مزيد من الطغيان على اليابسة منذ خلق الإنسان‏ ,‏ وذلك بحبس كميات من هذا الماء في هيئات مُتعدِّدة أهمها ذلك السُمْك الهائل من الجليد المُتجمِّع فوق قطبي الأرض وعلى قمم الجبال‏ ,‏ والذي يصل إلى أربعة كيلو مترات في قطب الأرض الجنوبي‏ ,‏ وإلى ثلاثة آلاف وثمانمائة من الأمتار في القطب الشمالي‏ ,‏ ولولا ذلك لغطى ماء الأرض أغلب سطحها‏ ,‏ ولما بقيت مساحة كافية من اليابسة للحياة بمختلف أشكالها الإنسانية‏ ,‏ والحيوانية‏ ,‏ والنباتية‏ ,‏ وهي إحدى آيات الله البالغة في الأرض‏ ,‏ وفي إعدادها لكي تكون صالحة للعمران‏ .‏
من هنا كان تفسير القسم بـ‏" الْبَحْرِ المَسْجُورِ ‏"‏ (الطور:6) بمعنى المملوء بالماء، المكفوف عن اليابسة ، ينطبق مع عدد من الحقائق العلمية الثابتة التي تشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏ ,‏ وتشهد لسيدنا محمد بن عبد الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ  بالنبوة وبالرسالة‏.‏



ثانيا‏ًً‏ : " الْبَحْرِ المَسْجُورِ "‏ (الطور:6) بمعنى القائم على قاع أحمته الصهارة الصخرية المُندفِعة من داخل الأرض فجعلته شديد الحرارة‏ .‏
في العقود المُتأخِّرة من القرن العشرين تم اكتشاف حقيقة تمزُّق الغلاف الصخري للأرض بشبكة هائلة من الصدوع العملاقة المزدوجة، والتي تكوِّن فيما بينها ما يعرف باسم أودية الخسف أو الأغوار‏ ,‏ وأن هذه الأغوار العميقة تحيط بالكرة الأرضية إحاطة كاملة‏ ,‏ ويشبهها العلماء باللحام على كرة التنس‏ ـ‏ مع فارق التشبيه ـ ,‏ وتمتد هذه الأغوار في كافة الاتجاهات لعشرات الآلاف من الكيلو مترات‏ ,‏ ولكنها تنتشر أكثر ما تنتشر في قيعان محيطات الأرض‏ ,‏ وفي قيعان عدد من بحارها‏ ,‏ ويتراوح عمق الصدوع المُشكِّلة لتلك الأغوار بين ‏65‏ كيلو مترا‏ًً ,‏ و‏70‏ كيلو متراً تحت قيعان البحار والمحيطات‏ ,‏ وبين ‏100‏ و‏150‏ كيلو متراً على اليابسة‏ ـ‏ أي في صخور القارات‏ ـ ,‏ وتعمل على تمزيق الغلاف الصخري للأرض بالكامل‏ ,‏ وتقطيعه إلى عدد من الألواح الصخرية التي تطفو فوق نطاق من الصخور شبه المنصهرة يسميه العلماء باسم نطاق الضعف الأرضي‏ ,‏ وهو نطاق لدن‏ ,‏ عالي الكثافة واللزوجة‏ ,‏ تتحرك بداخله تيارات الحمل من أسفل إلى أعلى حيث تتبرد وتعاود النزول إلى أسفل‏ ,‏ وهي بتلك الحركة الدائبة تدفع بكل لوح من ألواح الغلاف الصخري للأرض إلي التباعد عن اللوح المجاور في أحد جوانبه‏ (‏في ظاهرة تسمي ظاهرة اتساع قيعان البحار والمحيطات‏) ,‏ ومُصطدِماً في الجانب المُقابِل باللوح الصخري المُجاوِر ليكوِّن سلسلة من السلاسل الجبلية‏ ,‏ ومُنزِلقاً عن الألواح المُجاوِرة في الجانبين الآخرين‏ .‏

وباستمرار تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض تتسع قيعان البحار والمحيطات باستمرار عند خطوط التباعد بينها‏ ,‏ وتندفع الصهارة الصخرية بملايين الأطنان في درجات حرارة تتعدى الألف درجة مئوية لتساعد على دفع جانبي المحيط يمنة ويسرة‏ ,‏ وتملأ المسافات الناتجة بالصهارة الصخرية المُندفِعة من باطن الأرض على هيئة ثورات بركانية عارمة‏‏ تحت الماء‏ ,‏ تسجر قيعان جميع محيطات الأرض‏ ,‏ وقيعان أعداد من بحارها‏ ,‏ وتجدد مادتها الصخرية باستمرار ‏.‏
وقد أدى هذا النشاط البركاني فوق قيعان كل المحيطات‏ ,‏ وفوق قيعان عدد من البحار النشطة إلى تكوِّن سلاسل من الجبال في أواسط المحيطات تتكون في غالبيتها من الصخور البركانية‏ ,‏ وقد ترتفع قممها في بعض الأماكن على هيئة أعداد من الجزر البركانية مثل جزر كل من اندونيسيا‏ ,‏ ماليزيا‏ ,‏ الفلبين‏ ,‏ اليابان‏ ,‏ هاواي‏ ,‏ وغيرها‏ ,‏ وفي المقابل تصطدم ألواح الغلاف الصخري عند حدودها المُقابِلة لمناطق اتساع قيعان البحار والمحيطات‏ ,‏ ويؤدي هذا التصادم إلى اندفاع قيعان المحيطات تحت كتل القارات وانصهارها بالتدريج مما يؤدي إلى تكون جيوب عميقة عند التقاء قاع المحيط بالكتلة القارية تتجمع فيها كميات هائلة من الصخور الرسوبية والنارية والمُتحوِّلة التي تطوى وتتكسر لترتفع على هيئة السلاسل الجبلية على حواف القارات مثل سلسلة جبال الإنديز في غربي أمريكا الجنوبية‏ ,‏ وهنا يستهلك قاع المحيط بالتدريج تحت الكتلة القارية‏ ,‏ وإذا توقفت عملية توسع قاع المحيط فإن هذا القاع قد يستهلك بأكمله تحت القارة مما يؤدي إلى تصادم قارتين ببعضهما‏ ,‏ وينشأ عن هذا التصادم أعلى السلاسل الجبلية من مثل جبال الهيمالايا التي نتجت عن اصطدام الهند بالقارة الأسيوية بعد استهلاك قاع المحيط الذي كان يفصل بينهما بالكامل في أزمنة أرضية سحيقة‏ .‏
ويصاحب كلٌ من عمليتي توسع قاع المحيط في محوره الوسطي‏ ,‏ واصطدامه عند أطرافه بعدد من الهزات الأرضية‏ ,‏ والثورات والطفوح البركانية‏ .‏
ويبلغ طول جبال أواسط المحيطات أكثر من أربعة وستين ألفاً من الكيلو مترات في الطول‏ ,‏ بينما يبلغ طول الصدوع العميقة التي اندفعت منها الطفوح البركانية لتكوِّن تلك السلاسل الجبلية في أواسط المحيطات أضعاف هذا الرقم‏، وتتكون هذه السلاسل أساساً من الصخور البركانية المُختلِطة بالقليل من الرسوبيات البحرية‏ ,‏ وتحيط كل سلسلة من هذه السلاسل المُندفِعة من قاع المحيط بواد خسيف ‏(‏غور‏)‏ مُكوَّن بفعل الصدوع العملاقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بعمق يتراوح بين خمسة وستين كيلو متراً وسبعين كيلو متراً ليخترق الغلاف الصخري للأرض بالكامل ويصل إلى نطاق الضعف الأرضي الذي تندفع منه الصهارة الصخرية بملايين الأطنان في درجة حرارة تزيد عن الألف درجة مئوية لتسجر قيعان كل محيطات الأرض‏ ,‏ وقيعان عدد من بحارها النشطة باستمرار‏ ,‏ ومع تجدد اندفاع الصهارة الصخرية عبر مستويات هذه الصدوع العملاقة يتسع قاع المحيط باستمرار‏ ,‏ وتتجدد مادته بدفع الصخور القديمة في اتجاه شاطئ المحيط يمنة ويسرة‏ ,‏ ليحل محلها أحزمة أحدث عمراً تتكون من تجمد تلك الصهارة الجديدة‏ ,‏ وتترتب بصورة مُتوازِية على جانبي أغوار المحيطات والبحار‏ ,‏ ويهبط كل جانب من جانبي قاع المحيط المُتسِع بنصف معدل اتساعه الكلي تحت كل قارة من القارتين أو القارات المحيطة بشاطئيه‏ ,‏ وبذلك يمتلئ محور المحيط بالصهارة الصخرية الحديثة المُندفِعة عبر مستويات الصدوع المُمزِّقة لقاعه فتسجره‏ ,‏ بينما تندفع الصخور الأقدم بالتدريج في اتجاه الشاطئين، حيث توجد أقدم صخور ذلك القاع‏ ,‏ والتي تستهلك باستمرار تحت القارات المحيطة‏ .‏
وهذه الصدوع العملاقة التي تمزق قيعان كل محيطات الأرض‏ ,‏ وقيعان عدد من بحارها‏ ـ مثل البحر الأحمر‏ ـ توجد أيضا على اليابسة ولكن بنسب أقل منها فوق قيعان البحار والمحيطات وتعمل على تكوين عدد من الأغوار‏ ـ‏ الأودية الخسيفة‏ ـ ،‏ والبحار الطولية‏ ـ مثل أغوار شرقي أفريقيا والبحر الأحمر‏ـ‏ التي تعمل على تفتيت الكتل القارية باتساعها التدريجي لتتحول تلك البحار الطولية مثل البحر الأحمر إلى بحار أكبر، ثم إلى محيطات تفصل بين الكتلة القارية التي كانت متصلة على هيئة قارة واحدة‏ ,‏ وتُحاط تلك الخسوف القارية العملاقة بعدد من القمم البركانية السامقة مثل جبل أرارات في شرقي تركيا‏ (5100‏ متر فوق مستوي سطح البحر‏) ,‏ ومخروط بركان‏ (‏إتنا‏)‏ في شمال شرقي صقلية‏ (3300‏ متر‏) ,‏ ومخروط بركان ‏(‏فيزوف‏)‏ في خليج نابولي بايطاليا‏ (1300‏ متر‏) ,‏ وجبل ‏(‏كيليمنجارو‏)‏ في تنجانيقا‏ (5900‏ متر‏) ,‏ وجبل كينيا في جمهورية كينيا ‏(5100‏ مترا فوق مستوى سطح البحر‏) .‏

بذلك ثبت لكل من علماء الأرض والبحار ـ بالأدلة المادية الملموسة ـ أن كل محيطات الأرض ‏ـ بما في ذلك المحيطان المتجمدان الشمالي والجنوبي‏ ـ ,‏ وأن أعداداً من بحارها‏ ـ‏ مثل البحر الأحمر‏ ـ ,‏ قيعانها مسجرة بالصهارة الصخرية المُندفِعة بملايين الأطنان من داخل الأرض عبر شبكة الصدوع العملاقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بالكامل، وتصل إلى نطاق الضعف الأرضي‏ ,‏ وتتركز هذه الشبكة من الصدوع العملاقة أساساً في قيعان البحار والمحيطات‏ ,‏ وأن كم المياه في تلك الأحواض العملاقة ـ على ضخامته ـ لا يستطيع أن يطفئ جذوة الصهارة الصخرية المُندفِعة من داخل الأرض إطفاءً كاملا‏ًً ,‏ وأن هذه الجذوة ـ على شدة حرارتها ـ‏‏ (أكثر من ألف درجة مئوية‏)‏ لا تستطيع أن تبخر هذا الماء بالكامل‏ ,‏ وأن هذا الاتزان الدقيق بين الأضداد من الماء والحرارة العالية هو من أكثر ظواهر الأرض إبهاراً للعلماء في زماننا‏ ,‏ وهي حقيقة لم يتمكن الإنسان من اكتشافها إلا في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن العشرين ‏.‏
ومن الغريب أن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ هذا النبي الأمي الذي لم يركب البحر في حياته الشريفة مرة واحدة‏ ,‏ فضلاً عن الغوص إلى أعماق البحار ـ قال في حديث شريف أخرجه كل من الأئمة أبو داود في سننه‏ ,‏ والبيهقي في سننه‏ ,‏ وابن شيبة في مصنفه عن عبد الله بن عمرو بن العاص‏ ـ‏ رضي الله عنهما‏ ـ‏ ما نصه: "‏ لا يركب البحر إلا حاج ، أو معتمر ، أو غازٍ في سبيل الله‏ ,‏ فإن تحت البحر نارا‏ًً ,‏ وتحت النار بحراً "(‏أبو داود والبيهقي‏)‏ .
وجاء الحديث في مصنف ابن شيبة بالنص التالي‏ :
"‏ إن تحت البحر ناراً‏ ,‏ ثم ماء‏ ,‏ ثم نار " .
ويعجب الإنسان المُتبصِّر لهذا السبق في كلٍ من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بالإشارة إلى حقيقة من حقائق الأرض التي لم يتوصل الإنسان إلى إدراكها إلا في نهايات القرن العشرين‏ ,‏ هذا السبق الذي لا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدراً غير الله الخالق‏ ,‏ الذي أنزل هذا القرآن الكريم بعلمه‏ ,‏ على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وعلَّم هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ من حقائق هذا الكون ما لم يكن لأحد من الخلق إلمام به قبل العقود الثلاثة المُتأخِّرة من القرن العشرين‏ ,‏ لكي تبقى هذه الومضات النورانية في كتاب الله‏ ,‏ وفي سنة رسوله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ شهادات مادية ملموسة على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي حفظه‏ ـ تعالى‏ ـ‏ على مدي أربعة عشر قرناً أو يزيد‏ ,‏ وإلى قيام الساعة بنفس لغة الوحي‏ ـ اللغة العربية‏ ـ‏ كلمة كلمة‏ ,‏ وحرفاً حرفاً في صفائه الرباني‏ ,‏ وإشراقاته النورانية‏ ,‏ دون أدنى تغيير أو تبديل أو تحريف‏ ,‏ وأن هذا النبي الخاتم‏ ,‏ والرسول الخاتم ـ عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏ ـ‏ كان موصولاً بالوحي‏ ,‏ ومُعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض‏
.‏ فسبحان الذي أنزل في مُحكَم كتابه من قبل ألف وأربعمائة من السنين هذا القسم القرآني بالبحر المسجور‏ ,‏ وسبحان الذي علَّم خاتم أنبيائه ورسله بهذه الحقيقة فقال قولته الصادقة : " إن تحت البحر نارا‏ًً ,‏ وتحت النار بحراً " . وسبحان الذي أكد على صدق القرآن الكريم‏ ,‏ وعلى صدق هذا النبي الخاتم في كل ما رواه عن ربه‏ ،‏ فأنزل في محكم كتابه قوله الحق ‏:
" لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً " ‏(‏النساء‏:166)‏ .
وقوله‏ ـ سبحانه‏ ـ مُخاطباً خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :
" قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً " ‏(‏الفرقان‏:6)‏ .
وقوله‏ ـ عز من قائل‏ ـ :
" وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " (‏النمل‏:93)‏ .
وقوله‏ ـ تعالى‏ ـ :‏
" وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ " ‏(‏سبأ‏:6)‏ .
وقوله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ :
" إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ .‏ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ " ‏(‏ص‏:88,87)‏ .
وقوله‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
‏" وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ . لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ " ‏(‏فصلت‏:41‏,‏42)‏ .
وقوله‏ ـ تبارك اسمه‏ ـ :
"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏" ‏(‏فصلت‏:53)‏ .