"تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" (الإسراء‏:44) .


هذا النص القرآني الكريم جاء في نهاية الثلث الأول من‏ سورة الإسراء‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏(111)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة في مطلعها إلى رحلة الإسراء من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس‏,‏ والتي تلاها المعراج من بيت المقدس إلى سدرة المنتهى مروراً بالسماوات العُلَى‏,‏ وقد كان في هذه الرحلة من التكريم لخاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما لم يَنَلْه مخلوق من قبل ولا من بعد‏.‏ويدور المحور الرئيسي‏ لسورة الإسراء‏ حول قضية العقيدة الإسلامية‏,‏ ومن ركائزها الأساسية التوحيد الخالص لله ـ‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد ـ ‏ وتنـزيهه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ ولذلك بدأت السورة الكريمة بقوله الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ:‏ ‏" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " ‏(‏ الإسراء‏:1)‏.

ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن التوراة‏,‏ ذلك الكتاب الذي آتاه الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ عبده ونبيه موسى بن عمران لكي يكون هدى لبني إسرائيل فانصرفوا عنه‏,‏ وحرَّفوه‏,‏ وزوروه‏,‏ وتذكرهم بأنهم من ذرية الذين حملهم الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ مع نبيه نوح
"‏ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً " (الإسراء:3)‏ ولكنهم آثروا الانحراف عن منهج الله‏,‏ والصد عن سبيله، فكتب عليهم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ النكبة والهلاك والتشريد مرتين عقاباً على إجرامهم وإفسادهم في الأرض مع إنذارهم بتكرار هذه النكبات والهلاك والتشريد كلما عادوا إلى إفسادهم في الأرض‏,‏ وذلك بقوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ:‏ " ...‏ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً " ‏(‏الإسراء‏:8)‏.
ثم تمتدح‏ سورة الإسراء‏‏ القرآن الكريم‏,‏ ذلك الكتاب الخاتم الذي أنزله الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وتعهد بحفظه في نفس لغة وحيه‏ ـ اللغة العربية‏ ـ‏ إلى قيام الساعة فتقول‏:‏

‏" إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً "‏
‏(‏الإسراء‏:9)‏.
وتقرر الآيات أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ قد أعد للذين لا يؤمنون بالآخرة عذاباً أليما‏ًً,‏ وأن الإنسان في طبعه شيء من الاندفاع والعجلة‏,‏ ومن المبادرة بالدعاء بالشر قبل الدعاء بالخير‏,‏ علماً بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد فصَّل له كل شيء‏,‏ كما تقرر المسئولية الفردية في الهدى والضلال وأنه
‏" .. لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى .. ",‏ وأن الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ لا يعذب أحداً دون إنذار‏ " ...‏ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏ "(‏ الإسراء‏:15)‏.
ومن هنا كانت حكمة الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ باتخاذه العهد على ذاته العلية بحفظ رسالته الخاتمة‏؛‏ لأنه‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ كان قد ترك حفظ رسالاته السابقة لأهل كل منها فضيعوها‏.‏
كذلك تقرر الآيات في‏ سورة الإسراء‏‏ قاعدة التبعية الجماعية في التصرفات والسلوك‏,‏ وتحذر من الترف المخل الذي يؤدي إلى الفسوق‏,‏ ومن ثم إلى التدمير والهلاك‏,‏ كما تحذر من الإقبال على الدنيا ونسيان الآخرة‏,‏ ومن عواقب ذلك‏,‏ وتدعو إلى السعي للآخرة مع الإيمان الكامل‏,‏ وتؤكد أن الله ـ‏ تعالى‏ ـ يمد بعطائه الدنيوي كلاً من المؤمنين والكافرين‏,‏ وأن التفاضل في درجات الآخرة أكبر وأعظم من التفاضل في أمور الدنيا‏.‏

وتحذر الآيات من أخطار الشرك بالله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وتؤكد أن الواقع في هذه الكبيرة مذموم مخذول‏,‏ كما تؤكد أن الله ـ سبحانه وتعالى‏ ـ قد قضى بألا يُعبَد سواه‏,‏ وتثني بالحض على بر الوالدين‏,‏ وإيتاء ذوي القربى‏,‏ والمساكين‏,‏ وأبناء السبيل في غير إسراف ولا تبذير‏,‏ وبتحريم قتل الذرية‏,‏ وتحريم الاقتراب من جريمة الزنا‏,‏ وتحريم القتل بغير الحق تحريماً قاطعاً‏,‏ كما تأمر برعاية مال اليتيم‏,‏ وبالوفاء بالعهود‏,‏ وبتوفية كلٍ من الكيل والميزان‏,‏ وبالمسئولية عن الحواس‏,‏ وتنهى عن الخيلاء والكبر‏,‏ وتكرر التحذير من الشرك‏,‏ مؤكدة أن جزاء الواقع فيه هو الخلود في جهنم مذموماً مدحورا‏ًً.
وتستنكر الآيات في‏‏ سورة الإسراء‏ فرية الولد والشريك لله‏ ـ‏ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً‏ ـ‏ وتبين ما فيها من اضطراب وتهافت‏,‏ وتقرر توحيد الكون كله لله ـ‏ تعالى‏ ـ وخضوع كل من فيه لذات الله العلية بالعبادة والتسبيح والتقديس والتنزيه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏.
ثم تنتقـل الآيات إلى الحديث عن أوهام الوثنية الجاهلية حول نسبة البنات والشركاء إلى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وإلى موقف كفار قريش‏ ـ‏ وموقف الكفار والمشركين من بعدهم في كل زمان ومكان‏ ـ‏ من الاستماع إلى القرآن الكريم‏ وهم يجاهدون أنفسهم في صم آذانهم عنه‏,‏ وإغلاق عقولهم عن الإنصات إلى حجيته‏,‏ وصد قلوبهم عن التحرك بما نزل فيه من الحق‏,‏ وصرف فطرتهم عن أن تستجيب لندائه الصادق‏.‏
وبعد ذلك تستعرض الآيات موقف الكفار والمشركين من خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ واستبعادهم لوقوع البعث‏,‏ وتؤكد على نزغ الشيطان بين الناس وأنه عدو مبين لهم‏,‏ كما تؤكد على أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ هو المتصرف في شئون الخلائق بلا مُعقِّب لحكمه‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ أعلم بمن في السماوات والأرض‏,‏ وقد فضل بعض النبيين على بعض‏,‏ وأن دور الرسول منحصر في التبليغ عن ربه ـ‏ سبحانه وتعالى ـ وفي الإنذار والتبشير‏.‏
ثم تبين الآيات السبب في أن معجزات الرسول الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم تكن كلها من قبيل الخوارق المادية التي كذب بها الأولون‏,‏ فمعجزته الخالدة هي القرآن الكريم‏,‏ والخوارق المادية شهادة على من رآها من الناس‏,‏ والقرآن باقٍ إلى قيام الساعة‏,‏ كما تتناول تكذيب المشركين لما رآه رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في رحلة الإسراء والمعراج‏,‏ ويجيء في هذا السياق طرف من قصة إبليس وإعلانه أنه سيكون حرباً على ذرية آدم‏ ـ‏ عليه السلام ـ‏ وتعقِّب الآيات بتخويف البشر من عذاب الله‏,‏ وتذكيرهم بنعمه عليهم‏,‏ وبتكريمه للإنسان‏,‏ وبمصائرهم في يوم القيامة‏.‏
ويأتي في الجزء الأخير من هذه السورة المباركة استعراض كيد المشركين لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ومحاولة فتنته عن بعض ما أنزل إليه‏,‏ ومحاولة إخراجه من مكة المكرمة‏,‏ ولو أخرجوه قسراً قبل أن يأذن له الله‏ ـ تعالى‏ ـ بذلك لحلَّ بهم العذاب والهلاك الذي حل بالأمم من قبلهم حين أخرجوا رسلهم أو قاتلوهم أو قتلوهم‏,‏ وتأمر الآيات هذا النبي الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بالاستمرار في طريقه مُتعبِّداً لله‏(‏ تعالى‏)‏ بما أمر‏,‏ داعياً إياه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ أن يُحسن مُدخله ومُخرجه‏,‏ وأن يعلن مجيء الـحق وظهوره‏,‏ وزهوق الباطل واندحاره‏,‏ مؤكداً أن هذا القرآن فيه شفاء وهدى للمؤمنين‏,‏ بينما الإنسان علمه قليل‏.‏
وتختم السورة الكريمة كما بدأت بحمد الله‏,‏ وبتقرير وحدانيته‏ ـ‏ بلا شريك، ولا شبيه، ولا منازع، ولا صاحبة، ولا ولد‏ ـ وتنزهه عن الحاجة إلى الولي والنصير‏,‏ وهو العلي الكبير المتعال فتقول‏:‏
‏" قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَياًّ مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً . وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ‏ " (‏ الإسراء‏:110 ,111)‏.

من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة الإسراء:
من ركائز العقيدة التي جاءت في سورة الإسراء الإيمان بما يلي‏:‏
‏(1)‏ ضرورة تنزيه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ عن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏
‏(2)‏ قدسية كلٍ من المسجد الحرام والمسجد الأقصى‏,‏ وضرورة تطهيرهما من دنس الكفار والمشركين‏,‏ والمحافظة على وجودهما بأيدي المسلمين‏,‏ والدفاع عنهما بالنفس والنفيس‏.‏
‏(3)‏ رحلة الإسراء والمعراج‏,‏ وما أطلع عليه المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أثناءها من أحداث ومراء عديدة‏.‏
‏(4)‏ أن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو رب السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ وهو قيوم السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ المهيمن على الوجود كله‏,‏ الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر‏,‏ والذي يرحم من يشاء ويعذب من يشاء‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى ـ هو السميع البصير الخبير‏,‏ وهو الحليم الودود الغفور‏,‏ وأنه ـ‏ تعالى‏ ـ‏ ما كان مُعذِّباً أحداً حتى يبعث رسولاً‏,‏ وأن الكون بجميع من فيه وما فيه‏ يخضع لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ بالعبادة والطاعة والتسبيح إلا عصاة الإنس والجن‏.‏
‏(5)‏ أن التوراة أنزلت بالتوحيد الكامل لله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الذي أيد عبده ورسوله موسى ‏ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ بتسع آيات بينات‏,‏ كفر بها فرعون وملأه فأغرقهم الله أجمعين‏,‏ ولذلك فإن توحيد الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ واجب على كل العباد‏,‏ نزلت به كل الشرائع‏,‏ ومن هنا كان الشرك بالله كفراً به‏,‏ وكان من موجبات الذم والخذلان في الدنيا والآخرة‏,‏ والإلقاء في جهنم باللوم والدحور‏,‏ حيث لا يملك الذين أشركوا بهم كشف الضر عنهم أو تحويله‏.‏
‏(6)‏ أن إفساد بني إسرائيل في الأرض وعلوهم فيها مرتان‏,‏ مضت أولاهما بطردهم من جزيرة العرب مذمومين مدحورين‏,‏ والثانية التي نحن فيها والتي سوف تنتهي بهزيمتهم المنكرة والقضاء عليهم بإذن الله ـ‏ تعالى ـ‏ وصدق الله العظيم إذ يقول‏:‏
‏" ...‏ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً " (‏ الإسراء‏:7)‏.
‏(7)‏ أن جهنم هي مثوى الكافرين الضالين المنكرين للبعث‏,‏ أو الجاحدين لبعثة النبي والرسول الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم.‏
‏(8)‏ أن القرآن الكريم قد أنزل بالحق‏,‏ وأنه
" ....‏ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً " ‏(‏الإسراء‏:9).‏
وأن القرآن الكريم‏,‏ هو
‏" ...‏ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً ‏.. " ‏(‏ الإسراء‏:82)‏.
وإن هذا الكتاب معجز لا تقوى قوة على وجه الأرض أن تأتي بشيء من مثله‏:
"‏ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً " (‏ الإسراء‏88).‏
‏(9)‏ أن كل إنسان مسئول مسئولية كاملة عن أعماله‏,‏ وأنه سوف يُسلَّم كتاباً تفصيلياً بتلك الأعمال في يـوم القيامة حتى يكون هو حسيباً على نفسه‏,
" ..‏ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى .. " (الإسراء:15).‏
(10)‏ أن الترف المسرف هو من موجبات التدمير الذي حدث للعديد من الأمم السابقة‏,‏ وأن السعي المشكور هو السعي للآخرة‏,‏ مع عدم إهمال مسئولية الفرد في الحياة الدنيا‏,‏ وأن التفاضل فيه أكبر من التفاضل في ماديات الدنيا‏،‏ وأن البعث بعد الموت حتمي وضروري‏.‏
(11)‏ أن الإنسان مخلوق مكرم‏,‏ خلقه الله ـ تعالى‏ ـ من طين‏,‏ ونفخ فيه من روحه‏,‏ وعلمه من علمه‏,‏ وفضَّله على كثير من خلقه‏,‏ وأن الشيطان عدو مبين للإنسان‏.‏
‏(12)‏ أن مهمة الأنبياء والمرسلين هي التبليغ عن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ والإنذار والتبشير‏,‏ وأن الله‏ ـ جل شأنه ‏ـ قد فضَّل بعض النبيين على بعض‏,‏ وآتى داود كتابا اسمه‏ "‏ الزبور‏ ".‏
‏(13)‏ أن كل أناس في الآخرة سوف يدعون بإمامهم‏
" ..‏ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً " ‏(‏ الإسراء‏:71)‏.
‏(14)‏ أن الروح غيب لا يعلمه إلا الله ـ تعالى ـ وعلى ذلك فلا يجوز الخوض فيه‏.‏
‏(15)‏ أن الله‏ ـ تعالى ـ هو المستحق للحمد وللتكبير‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ:
" ..لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ‏.. " (الإسراء:111)، وأنه‏ ـ‏ جل شأنه‏ ـ‏ منـزه عن هذه النقائص تنـزيهاً كبيرا‏ًً.‏

من التشريعات الإسلامية في سورة الإسراء:
‏(1)‏ أن بر الوالدين فريضة إسلامية‏,‏ ومن أعظم الطاعات لله‏,‏ ومن موجبات رحمته ومغفرته‏,‏ وكذلك إيتاء ذي القربى حقه‏,‏ والمسكين‏,‏ وابن السبيل‏,‏ وعدم التبذير والإسراف؛ لأن المبذرين هم إخوان الشياطين‏ " وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً " (الإسراء:27),‏ وعدم البخل والتقتير وجعل اليد مغلولة إلى العنق‏.‏
‏(2)‏ تحريم قتل الأولاد خشية الإملاق‏.‏
‏(3)‏ النهي القاطع عن الاقتراب من الزنا ومن جميع مقدماته
‏ " ..‏ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً " (الإسراء:32) .‏
‏(4)‏ النهي عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق‏,‏ وعن الإسراف في الثأر لذلك‏.‏
‏(5)‏ النهي عن أكل مال اليتيم أو الاقتراب منه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده‏.‏
‏(6)‏ الأمر بالوفاء بالعهد وبتأكيد المسئولية عنه‏,‏ وبالوفاء بكلٍ من الكيل والميزان‏.‏
‏(7)‏ الأمر بالمحافظة على الحواس ـ مثل السمع والبصر والفؤاد‏ ـ‏ والتأكيد على مسئولية الإنسان عن حواسه‏.‏
‏(8)‏ النهي عن الاختيال والزهو بالنفس، وعن الاستعلاء والاستكبار في الأرض‏.‏
‏(9)‏ الأمر بإقامة الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل‏,‏ وبتلاوة القرآن في الفجر؛ لأن
‏ " ..‏ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً "‏ (الإسراء:78) وبالتهجد به نافلة بالليل‏.‏


من الإشارات الكونية في سورة الإسراء:
‏(1)الإشارة إلى آيتي الليل والنهار‏ ـ‏ أي‏ نورهما‏ ـ‏ حيث كان الليل ينار بظاهرة بقي منها اليوم ما يعرف بظاهرة الفجر القطبي‏,‏ وكان النهار ينار‏ ـ كما ينار اليوم‏ ـ‏ بالحزمة المرئية من ضوء الشمس‏,‏ فمحا الله‏ ـ تعالى‏ ـ نور الليل بنطق الحماية المتعددة التي خلقها للأرض‏,‏ وأبقى ظاهرة الفجر القطبي دلالة على ذلك‏.‏
‏(2)‏ الإشارة إلى ما وهب الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ الماء من قدرات تمكنه من حمل الفلك في البحر بقانون الطفو‏.‏
‏(3)‏ الإشارة إلى تسبيح كل شيء في هذا الوجود لله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ ما عدا عصاة كلٍ من الجن والإنس. وفي ذلك يقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ‏... " (‏ الإسراء‏:44).‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها، ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة الثالثة من القائمة السابقة‏,‏ وقبل ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذا النص القرآني الكريم‏.‏

من أقوال المفسرين:
 في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى ـ:‏
‏"‏ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً "  (‏ الإسراء‏:44)‏.
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله ـ‏ ما نصه‏: يقول ـ تعالى ـ‏:‏ تقدسه السماوات السبع والأرض ومـن فيهن‏,‏ ـ أي‏ من المخلوقات‏ ـ‏ وتنزهه وتعظمه وتجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون‏,‏ وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته‏،‏ كما قال ـ تعالى ـ‏:
"‏ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَداًّ . أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً‏ " (الإسراء:90، 91).‏ وقال أبو القاسم الطبراني‏: .....‏ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة أُسرِيَ به إلى المسجد الأقصى‏,‏ كان بين المقام وزمزم‏,‏ جبريل عن يمينه وميكائيل عن يسراه‏,‏ فطارا به حتى بلغ السماوات السبع‏,‏ فلما رجع قال‏: "‏ سمعت تسبيحاً في السماوات العلى مع تسبيح كثير‏:‏ سبحت السماوات العلى، من ذي المهابة‏ مشفقات لدى العلو بما علا‏,‏ سبحان العلي الأعلى‏‏ سبحانه وتعالى‏" (أبو نعيم2/7، مجمع الزوائد 1/78، والدر المنثور 4/183، وكنز العمال 27845).
وقوله‏: "‏ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ "‏ أي‏:‏ وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله‏. " وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ "،‏ أي‏:‏ لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس‏؛‏ لأنها بخلاف لغتكم‏,‏ وهذا عام في الحيوانات والنبات والجماد‏,‏ وهذا أشهر القولين,‏ كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل‏,‏ وفي حديث أبي ذر‏:‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذ في يده حصيات‏,‏ فسمع لهن تسبيح كطنين النحل‏,‏ وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان ـ‏ رضي الله عنهم ـ‏ وهو حديث مشهور في المسانيد‏,‏ وقال الإمام أحمد : ‏...‏ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه مرَّ على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل‏,‏ فقال لهم‏: "‏ اركبوها سالمة‏,‏ ودعوها سالمة‏,‏ ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق‏,‏ فرب مركوبة خير من راكبها‏,‏ وأكثر ذكراً لله " وفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن قتل الضفدع‏,‏ وقال‏:‏ " نقيقها تسبيح‏... "،‏ وقال بعض السلف‏:‏ إن صرير الباب تسبيحه‏,‏ وخرير الماء تسبيحه‏...‏ وقال آخرون‏:‏ إنما يسبح ما كان فيه روح‏,‏ يعنون من حيوان أو نبات‏ ...‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في‏‏ الظلال‏ ـ‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏ ـ ما نصه‏: ".....‏ وهو تعبير تنبض به كل ذرة في هذا الكون الكبير‏,‏ وتنتفض روحاً حية تسبح الله‏,‏ فإذا الكون كله حركة وحياة‏,‏ وإذا الوجود كله تسبيحة واحدة شجية رخية‏,‏ ترتفع في جلال إلى الخالق الواحد الكبير المتعال‏,‏ وإنه لمشهد كوني فريد‏,‏ حين يتصور القلب كل حصاة وكل حجر‏,‏ كل حبة وكل ورقة‏,‏ كل زهرة وكل ثمرة‏,‏ وكل نبتة وكل شجرة‏,‏ كل حشرة وكل زاحفة‏,‏ كل حيوان وكل إنسان‏,‏ كل دابة على الأرض وكل سابحة في الماء أو الهواء‏ ـ‏ ومعها سكان السماء ـ‏ كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه‏.‏ وإن الوجدان ليرتعش وهو يستشعر الحياة تدب في كل ما حوله مما يراه ومما لا يراه‏,‏ وكلما همت يده أن تلمس شيئا‏ًً,‏ وكلما همت رجله أن تطأ شيئا‏ًًً، سمعه يسبح الله‏‏ وينبض بالحياة‏:
"‏ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ " يسبح بطريقته ولغته‏, " وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ "‏ لا تفقهونه لأنكم محجوبون بصفاقة الطين‏,‏ ولأنكم لم تتسمعوا بقلوبكم‏,‏ ولم توجهوها إلى أسرار الوجود الخفية‏,‏ وإلى النواميس التي تنجذب إليها كل ذرة في هذا الكون الكبير‏,‏ وتتوجه بها إلى خالق النواميس‏,‏ ومدبر هذا الكون الكبير‏,‏ وحين تشف الروح وتصفو، فتتسمع لكل متحرك أو ساكن وهو ينبض بالروح‏,‏ ويتوجه بالتسبيح‏,‏ فإنها تتهيأ للاتصال بالملأ الأعلى‏,‏ وتدرك من أسرار هذا الوجود مالا يدركه الغافلون‏,‏ الذين تحول صفاقة الطين بين قلوبهم وبين الحياة الخفية السارية في ضمير هذا الوجود‏,‏ النابضة في كل متحرك وساكن‏,‏ وفي كل شيء في هذا الوجود .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في تفسير الشعراوي‏ ـ رحمه الله‏ ـ ما نصه‏: ...‏ وقوله ـ تعالى‏ ـ :
"‏ وَإِن مِّن شَيْءٍ ‏....‏ " أي‏:‏ ما من شيء‏,‏ كل ما يقال له شيء‏.‏ والشيء هو جنس الأجناس‏,‏ فالمعنى أن كل ما في الوجود يسبح بحمده ـ تعالى ـ وقد وقف العلماء أمام هذه الآية وقالوا‏:‏ أي تسبيح دلالة على عظمة التكوين‏,‏ وهندسة البناء‏,‏ وحكمة الخلق. وهذا يلفتنا إلى أن الله ـ تعالى ـ منزه ومتعال وقادر‏,‏ ولكنهم فهموا التسبيح على أنه تسبيح دلالة فقط‏;‏ لأنهم لم يسمعوا هذا التسبيح ولم يفهموه‏,‏ وقد أخرجنا الحق ـ سبحانه وتعالى ـ من هذه المسألة بقوله‏: " وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏ " إذن‏:‏ يوجد تسبيح دلالة فعلا‏ًً,‏ لكن ليس هو المقصود‏,‏ فالمقصود هنا هو التسبيح الحقيقي كلٌ بلغته، فقوله ـ تعالى ـ‏: "‏ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " يدل على أنه تسبيح فوق تسبيح الدلالة الـذي آمن بمقتضاه المؤمنون‏,‏ إنه تسبيح حقيقي ذاتي ينشأ بلغة كل جنس من الأجناس‏,‏ وإذا كنا لا نفقه هذا التسبيح‏,‏ فقد قال ـ تعالى ـ‏:‏" كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ.. "‏(‏ النور‏:41).‏
إذن كل شيء في الوجود علم كيف يصلي لله‏,‏ وكيف يسبح لله‏,‏ وفي القرآن آيات تدل بمقالها ورمزيتها على أن كل عالم في الوجود له لغة يتفاهم بها في ذاته‏,‏ وقد يتسامى الجنس الأعلى ليفهم عن الجنس الأدنى لغته‏,‏ فكيف نستبعد وجود هذه اللغة لمجرد أننا لا تفهمها ؟‏ ..‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أرى حاجة إلى تكراره‏.‏


من الدلالات العلمية للنص القرآني الكريم:
يقرر النص القرآني الكريم الذي نحن بصدده أن الخلق بمختلف مستوياته وهيئاته وصوره يسبح الله‏ ـ تعالى ـ تسبيحاً لا يفهمه من الناس إلا من أعطاه الله ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ القدرة على ذلك فقال‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ:‏
‏" تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ‏ " ‏(‏ الإسراء‏:44).‏
وهو تسبيح حقيقي ذاتي ينشأ بلغة كل مخلوق من الأحياء والجمادات ومن مختلف صور المادة والطاقة والظواهر المصاحبة لوجودها‏.‏

معنى التسبيح في اللغة العربية:
التسبيح لغةً: هو الذكر بالتمجيد والتقديس مع التنزيه عن كل نقص‏,‏ وعلى ذلك فإن تسبيح الله‏ ـ تعالى ـ‏ يقصد به ذكره الدائم‏,‏ وتمجيده‏,‏ وتقديسه‏,‏ وإخلاص العبادة له وحده‏ ـ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد ـ‏ وتنـزيهه‏ عن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏
ولفظة‏(‏ التسبيح‏)‏ مشتقة من‏(‏ السَّبْح‏)‏ و‏(‏ السِّبَاحَة‏)‏ ـ أي‏:‏ العوم‏ ـ‏ وهو في اللغة المر السريع للجسم المادي في وسط أقل كثافة منه كالماء أو الهواء‏,‏ يقال‏:(‏ سَبَحَ‏)(‏ يَسْبَحُ‏)(‏ سَبْحَاً‏)‏ أي‏:‏ مر مروراً سريعاً و‏(‏السَّبْح‏)‏ أيضا الفراغ‏,‏ أو التصرف في المعاش‏,‏ وقد استعير‏(‏ السَّبْح‏)‏ لمرور النجوم في صفحة السماء لقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ‏
: ‏" كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ "‏ ‏(‏يس‏:40)‏.
والفعل‏(‏ سَبَّحَ‏)‏ بمشتقاته المختلفة جاء سبعا وثمانين‏(87)‏ مرة في القرآن الكريم بمعنى الذكر السريع المتكرر لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بأسمائه الحسنى‏,‏ وصفاته العليا‏,‏ في كل وقت‏,‏ وعلى كل حال‏,‏ وإن كان التسبيح قد جعل عاماً في مختلف العبادات‏ ـ قولاً كانت أو فعلاً أو نية‏ ـ‏ إلا أنه قد خصص بالذكر اللفظي لأسماء الله وصفاته التي أنزلها في محكم كتابه‏,‏ أو على لسان خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ حتى يتضح للذاكر معنى تنزيه الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ عن كل وصف لا يليق بجلاله
‏,‏فعن طلحة بن عبيد الله أنه قال‏:‏ سألت رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ عن تفسير‏(‏ سبحان الله‏)‏ فقال‏: " هو تنزيه الله ـ عز وجل ـ عن كل سوء ".
واللفظة‏(‏ سبحان‏)‏ في هذا التعبير التعبدي منصوبة على المصدر على نحو‏(‏ غفران‏):‏ كأن قائلها يقول‏:‏ أنزه الله ـ تعالى ـ تنـزيهاً يليق بجلاله عن كل وصف لا يليق بهذا الجلال‏.‏
ويقال‏:(‏ سبحان‏)‏ وجه الله ـ أي جلالته‏ ـ و‏(‏السبوح‏)‏ من صفات الله الحسنى ومعناه‏ (الجامع لصفات الكمال المطلق‏,‏ المنزه عن كل نقص)،  والتعبير التعبدي‏(‏ سبحان الله‏)‏ معناه التنزيه لله‏,‏ وهو منصوب على صيغة المصدر كأن قائله يقول‏:‏ أبرئ الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ من السوء براءة قاطعة‏,‏ وأنفي كل ما لا يليق بجلاله وعظمته‏,‏ من غير تشبيه‏,‏ ولا تمثيل‏,‏ ولا تأويل‏,‏ ولا تحريف‏,‏ ولا تعطيل‏,‏ وأثبت لجلاله ما وصف به ذاته العلية‏,‏ وأثبته له خاتم أنبيائه ورسله من صفات الكمال المطلق‏.‏
والتعبير القرآني‏:
" إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً "  (‏ المزمل‏:7).‏ أي فراغـاً أو متقلباً طويلا.
و‏(‏السِّبْحَة‏)‏ هي خرزات في خيط يُسَبَّح بها‏,‏ وهي أيضاً التطوع من العبادة والذكر‏,‏ يقال‏:‏ قضيت‏(‏ سبحتي‏)‏ أي أديت نافلتي من صلاة‏,‏ أو زكاة أو صيام‏,‏ أو حج‏,‏ أو دعاء‏,‏ أو توحيد لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ توحيد الألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ وتوحيد الأسماء والصفات‏,‏ وكل ذلك من تسبيح الله ـ جل جلاله‏ ـ‏ أي تنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله من نحو الادعاء الباطل بنسبة الجن أو الصاحبة أو الولد إليه‏,‏ أو الاعتقاد الخاطئ بوجود شريك له في ملكه‏,‏ أو منازع له في سلطانه‏,‏ أو مثيل له في ألوهيته وربوبيته‏,‏ ووحدانيته‏,‏ أو في جمعه لصفات الكمال المطلق‏,‏ أو في طلاقة القدرة التي لا تحدها حدود‏,‏ والاستعلاء فوق كلٍ من المادة والطاقة‏,‏ وكلٍ من حدود المكان والزمان‏,‏ وقوانين الموت والفناء‏,‏ فكل ما عدا الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ هو مخلوق فانٍ‏,‏ تشكله المادة أو الطاقة أو كلاهما‏,‏ ويحده المكان والزمان‏,‏ وعلى ذلك فلا يمكن لأحد من خلق الله‏ ـ تعالى ـ‏ أن يشبهه‏,‏ أو أن يقترب من صفاته‏:‏
‏" ..‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ‏" (‏ الشورى‏:11).‏

الفرق بين تسبيح التكليف أو الاختيار وتسبيح الفطرة أو التسخير:
تدل الآية الكريمة التي نحن بصددها على أن السماوات والأرض ومن فيهن من ملائكة‏,‏ وجن‏,‏ وأناسي‏,‏ وغير ذلك من مختلف الكائنات الحية غير المكلفة من الحيوانات والنباتات‏,‏ والكائنات غير الحية‏ ـ‏ أي الجمادات المادية ومختلف صور الطاقة‏ ـ‏ وما يرافق ذلك كله من الظواهر والسنن الكونية‏,‏ كل ذلك خاضع لإرادة الله‏,‏ ومسخر حسب مشيئته‏,‏ ومسبح بحمده ومقدس له،‏ ونحن نفهم تسبيح العقلاء المُكلَّفين من مؤمني الإنس والجن، وهو ما يعرف باسم تسبيح التكليف‏، أو‏ تسبيح الاختيار‏,‏ ونسلِّم بتسبيح الملائكة في عالمهم الغيبي بالنسبة لنا، وهو من صور تسبيح الفطرة أو التسبيح التسخيري‏,‏ أما تسبيح المخلوقات غير المُكلَّفة من الأحياء والجمادات والظواهر والسنن الكونية، وهو من نفس نوع تسبيح الملائكة الفطري التسخيري، فهو يصدر بصورة لا تستطيع الغالبية العظمى من الناس إدراكها‏,‏ وبهيئة لا يقوى غالبية البشر على استيعابها‏,‏ وهو تسبيح تؤكده الآية القرآنية الكريمة التي نحن بصددها‏,‏ وعشرات غيرها من آيات القرآن الكريم‏,‏ ومن أحاديث الرسول الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ على أنه تسبيح حقيقي لا مجازي‏,‏ وليس على مجرد الدلالة فقط‏.‏

من صور التسبيح الفطري التسخيري:
يقدر العلماء أن عدد أنواع الحياة الأرضية يصل إلى حوالي الخمسة ملايين نوع‏,‏ يمثل كل نوع منها بالعديد من الأفراد الذين قد يصل عددهم في بعض هذه الأنواع إلى عدة بلايين‏,‏ وهذه تتخاطب فيما بينها بلغات وإشارات وتعابير تتفاوت من نوع إلى آخر‏.‏ومنذ فترة والمتخصصون في علم سلوك الحيوان يحاولون إدراك شيء من وسائل التفاهم بين هذه المخلوقات‏,‏ وأثبتوا ذلك بالملاحظة والتجربة للعديد منها ، مثل القردة الكبيرة‏ (Great Apes وأسود البحر‏Sea-Lionsوالدلافين‏(Dolphins),‏ والحيتان‏(Whales)،‏ والببغاوات‏(Parrots),‏ والهداهد‏(Hoopoes)‏، والغربان‏(Crows)‏ وغيرها من الطيور‏,‏ مثل النحل‏(Bees)‏، والنمل‏(Ants)‏ وغيرهما من الحشرات‏,‏ والتي ثبت أن لها قدرات متفاوتة على التعبير والإدراك وعلى اكتساب المعارف‏.‏
فالببغاوات‏ـ‏ على سبيل المثال‏ ـ‏ لها قدرات فائقة على ترديد ما تسمعه من أصوات‏‏ وكلمات‏ وجمل‏,‏ وقد تم تدريب بعضها على معرفة العديد من الأسماء والأشكال والألوان المختلفة والنطق بها‏,‏ وعلى الرد المناسب لما يطرح عليها من أسئلة أو ثناء أو عتاب أو تعنيف، وعلى التعبير بالعديد من الإشارات والإيحاءات التي تقترب من لغة الإشارة عند الصم والبكم‏.‏
وكذلك ثبت أن الحيتان تغني‏,‏ وتتواصل متبادلة الأخبار والأفكار والمشاعر عبر مسافات طويلة‏,‏ وثبت أن كلاً من النمل والنحل ينظم خلاياه بدقة هندسية واجتماعية فائقة‏,‏ فالنحل يخبر شغالاته بمواقع أفضل الزهور‏,‏ وبكيفيات الوصول إليها‏,‏ ويحدد لها كلاً من المسافات والاتجاهات والصعوبات التي قد تواجهها‏,‏ وكذلك النمل في ممالكه ينظم حياة أفراده تنظيماً دقيقاً للغاية‏,‏ وأصبحت لغة التخاطب عند كلٍ من الحيوان والنبات علوماً تدرس اليوم وتجري فيها البحوث‏.‏
والآية التي نحن بصددها تؤكد على أن كل موجود من الأحياء والجمادات يعرف خالقه بالفطرة والإلهام‏,‏ ويعبده‏,‏ ويسبح بحمده‏,‏ ويقدسه تقديساً تسخيريا‏ًً,‏ ويتمتع بقدر من الشعور والإدراك تتفاوت فيه هذه المخلوقات تفاوتاً كبيرا‏ًً,‏ ولكن لا يعلمه أيٌ منهم‏.‏ والعلوم المكتسبة قد بدأت في تلمُّس شيء من ذلك‏,‏ والسبق القرآني به من قبل ألف وأربعمائة سنة يجزم بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد‏,‏ وإلى أن يرث الله‏ ـ تعالى ـ الأرض ومن عليها‏.‏ كما يشهد ذلك للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقى القرآن العظيم بالنبوة والرسالة‏,‏ فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين وآخر. دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏