الصوم


أثبتت الدراسات البحثية في مسألة الصوم وتاريخه أن الإنسان البدائي لجأ إلى الصوم عن الطعام والشراب كوسيلة للتداوي من الأمراض، وأكدت التجربة أن الصوم يمثل سلوكاً غريزياً لدى كُلٍّ من الإنسان والحيوان على حد سواء للتخلص من العلل أو تخفيف حدتها.
ويُعَدُّ الحكيم أبقراط أول مَن أوصى بالصوم كوسيلة علاجية، وازداد الاهتمام بالامتناع عن الطعام والشراب كأسلوب للعلاج بعد ميلاد المسيح ـ عليه السلام ـ ففي السنة العاشرة من الميلاد لاحظ أحد الحكماء ويدعى (كونيلوس) سرعة شفاء العبيد مقارنةً بالأحرار، وقد علَّل ذلك إلى أن الأرِقَّاء أكثر صوماً وأكثر التزاماً بالصوم العلاجي من الأحرار، وفي عام (46) من الميلاد قال الحكيم بلونارك: " إن صوم يوم واحد أفضل من تعاطي الدواء ".
وقد عُنيت بعض المعاهد الطبية الحديثة في الدول الغربية بشئون الصوم العلاجي، حيث إن الصوم العلاجي يأتي بنتائج حسنة في علاج عدد من الأمراض، وقد أدى هذا إلى اعتماد بعض المعاهد والمصحات الصوم العلاجي كأحد الوسائل للتداوي من بعض الأمراض.
وللصوم العلاجي فوائد صحية لعلاج كثير من الأمراض: كالرَّبْو الشُّعَبِي، وبعض أمراض القلب والشرايين، وبعض الأمراض الجلدية، كالإكزيما، وبعض أمراض الجهاز الهضمي، وأمراض الحساسية.
ولو اتبع المسلم ما ورد بالسُنَّة النبوية الشريفة من آداب الصوم والإفطار فلن يختلف الصوم العقائدي الإسلامي عن الصوم العلاجي من حيث الفوائد الصحية، فانكباب الصائم على تناول الفطور حتى الشعور بالتخمة، والحرص على تناول كميات كبيرة من الأغذية الدسمة، والحلويات والسكريات، والتبكير في تناول وجبة السحور، أو عدم تناولها على الإطلاق، والخمول بعد تناول وجبة الفطور، والجلوس لساعات أمام التلفاز، كل ذلك يؤدي إلى إفساد الفوائد الصحية للصوم، وعندها قد تتحول هذه الفوائد إلى آثار سلبية على الصحة.
والصيام يفيد كثيراً في حالات المصابين بداء السكري غير المُعتَمِد على الأنسولين إذا ما اتبعوا نظاماً غذائياً خاصاً طوال فترة صيامهم، ولا يختلف هذا النظام مع ما ورد في تعاليم الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ كالتعجيل بالفطر، والتأخير في السحور، وتقسيم الأطعمة التي يتناولها الصائم إلى ثلاث وجبات، والابتعاد عن تناول الأغذية الدسمة والحلويات، والإقلال من تناول الأغذية المالحة.
وإذا أهمل الصائم تناول السحور يمكن أن يُصَاب بهبوط مستوى سكر الدم الذي قد يؤدِّي إلى إصابته بمضاعفات أخرى ـ لا قدَّر الله ـ وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " تسحَرُّوا فإنَّ في السحور بركةً ".
ومن الخطأ أن بعض الناس يتناولون طعام السحور بعد منتصف الليل بقليل، ثم ينامون حتى الصباح، وهذا قد يُشكِّل عبئاً على الهضم عند البعض خصوصاً إذا كانوا يعانون من بعض الأمراض، مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، والتعجيل بالسحور يجعل فترة الحرمان من الطعام والشراب طويلةً، فالمُستَحَبُّ تأخير السحور.