" وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ ‏" (البروج:1).


 

يستهل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏ سورة البروج بقسم عظيم بثلاث من آياته أولاها قوله ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏ " وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ " .
وفي شرح دلالة هذا القسم القرآني تعددت رؤى المفسرين بين قائل بأن المقصود منه هو التنبيه إلى روعة خلق السماء‏ ,‏ وإتقان صنعها‏ ,‏ وحسن بهائها‏ ,‏ وقائل بأن المقصود بالتنبيه إليه هي النجوم التي تنتشر فيها بتجمعاتها المُبهِرة‏ ,‏ إلى قائل بأن المقصود بذلك هي منازل الشمس والقمر عبر تلك النجوم‏ ,‏ إلى جامع بين هذه الرؤى جميعاً ‏.‏
ولما كان القسم في القرآن الكريم يأتي من أجل تنبيهنا إلى أهمية الأمر المقسوم به‏؛‏ لأن الله ـ تعالى ـ غني عن القسم لعباده‏ ،‏ فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة هو‏:‏ ماهي تلك البروج التي في السماء والتي أقسم الله‏ ـ تعالى ـ‏ بها‏ ,‏ وسمى سورة من سور القرآن الكريم باسمها ؟، وماهي أهميتها لاستقامة الحياة على الأرض والتي أراد الله‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ تنبيهنا إليها ؟
.
وقبل الاجابة عن هذين السؤالين لابد لنا من توضيح دلالة لفظ ‏(‏البروج‏)‏ في كلٍ من اللغة العربية والقرآن الكريم‏ .‏
‏(‏البروج‏)‏ في اللغة العربية :
بروج السماء كما ترى من نصف الأرض الجنوبى .
يقال ‏(‏بَرَجَ‏)‏ الشيء‏ (‏يَبْرُج‏) (‏بُرُوْجَاً‏)‏ أي ظهر وارتفع ويقال‏ : (‏بَرَجَ‏)‏ و ‏(‏أَبْرَجَ‏) (‏بُرُوجَاً‏)‏ و‏(‏تَبْرِيجَاً‏)‏ أي بنى ‏(‏بُرْجَاً‏) ,‏ و‏(‏البُرْج‏)‏ وجمعه‏ (‏بُرُوج‏)‏ و‏(‏أَبْرَاج‏)‏ و‏(‏أَبْرِجَة‏)‏ هو الحصن أو القصر أو البناء المُرتفِع على شكل مُستدِير‏ ,أو مستطيل، أو مربع‏ ,‏ ويكون مُنفرِداً، أو قسما من بناية عظيمة فـ‏(‏بُرْج‏)‏ الحصن ركنه‏ ,‏ و‏(‏البُرْج‏)‏ أيضاً هو واحد ‏(‏بُرُوج‏)‏ السماء ، وهي تسمية تطلق على اثنتي عشرة كوكبة تحيط بوسط الكرة السماوية كما نراها من الأرض على هيئة حزام عند دائرة البروج ، وهي الدائرة التي تحيط بخط الاستواء الافتراضي للقبة السماوية‏ .‏
وثوب ‏(‏مُبَرَّج‏)‏ أي صُوِّرت عليه‏ (‏بروج‏)‏ فاعتبر حسناً‏ ,‏ وقيل ‏(‏تَبَرَّجَت‏)‏ المرأة أي تشبهت بكل‏ (‏مُبَرَّج‏)‏ في إظهار المحاسن‏ ,‏ وقيل‏ :‏ ظهرت من‏ (‏بُرْجِهَا‏)‏ أي قصرها‏ ,‏ و‏(‏التَّبَرُّج‏)‏ هو سفور المرأة وإظهار زينتها ومحاسنها للرجال‏ ,‏ و‏(‏البرج‏)‏ أيضا هو سعة العين وحسنها تشبيها بـ‏(‏البرج‏)‏ في الأمرين السابقين‏ ,‏ ويقال : ‏(‏بَرَجَت‏)‏ عينه إذا كان بياضها محدقاً بالسواد كله‏ ,‏ فـ‏(‏البرج‏)‏ هو السعة في كل أمر‏ ,‏ يقال : ‏(‏بَرَجَ‏) (‏بَرْجَاً‏)‏ أي اتسع أمره في الأكل والشرب ونحوهما‏ ,‏ و‏(‏البرج‏)‏ هو الجميل وجمعه‏ (‏أبراج‏) ,‏ يقال‏ : (‏بَرَجَ‏)‏ و‏(‏بَرَجَت‏)‏ أي حسن وحسنت فهو ‏(‏أَبْرَج‏)‏ وهي‏ (بَرْجَاء‏) ,‏ وجمعهما‏ (‏بُرُج‏)‏ و‏(‏البارج‏)‏ هو الملَّاح الماهر‏ ,‏ و‏(‏البَارِجَة‏)‏ وجمعها‏ (‏بَوَارِج‏)‏ سفينة قتالية كبيرة‏ ,‏ ويقال‏:‏ سفينة‏ (‏بارجة‏)‏ أي لاغطاء لها‏ ,‏ و‏(‏تباريج‏)‏ النبات هي أزاهيره‏ ,‏ و‏(‏الإبريج‏) ‏الممخضة يُمخَض‏ ـ‏ أي يخفق‏ ـ بها اللبن لاستخراج القشدة منه‏ .‏

لفظة‏ (‏البروج‏)‏ في القرآن الكريم :
بروج السماء كما ترى من نصف الأرض الشمالى .
وردت لفظة ‏(‏البروج‏)‏ مُرتبِطة بالسماء ثلاث مرات في القرآن الكريم على النحو التالي ‏:‏
‏(1)‏
" وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ " (الحجر‏:16)‏ .
‏(2)‏
" تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً " (الفرقان‏:61)‏
‏(3)‏
" وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ ‏ " (البروج‏:1)‏ .
كما جاءت لفظة‏ (‏البروج‏)‏ بمعنى الحصن مرة واحدة في قوله‏ ـ تعالى ـ :‏
" أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ " (النساء‏:78)‏ .
وجاء الفعل ‏(‏تَبَرَّج‏)‏ والاسم ‏(‏تَبَرُّج‏)‏ والصفة‏ (‏مُتَبَرِّجَات‏)‏ في النهي عن السفور وابداء الزينة في قول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى " (الأحزاب‏:33)‏ , وفي قوله ـ‏ تعالى ـ : ‏" فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ‏" (النور‏:60)‏ .

أراء المفسرين :
إحداثيات السماء :
في تفسير الآية القرآنية الكريمة التي يقول فيها الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ ‏" ‏, ذكر ابن كثير‏ ـ يرحمه الله‏ ـ أن الله ـ تعالى ـ يقسم بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام‏ ,‏ وأشار إلى قول ابن عباس ـ‏ رضي الله تبارك وتعالى عنهما‏ ـ أن البروج هي النجوم‏ ,‏ وإلى قول يحيي بن رافع ـ يرحمه الله‏ ـ أن البروج هي قصور في السماء‏ ,‏ وإلى قول المنهال بن عمرو‏ـ رحمه الله ـ أنها هي الخلق الحسن‏ ,‏ وإلى قول ابن جرير ـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ أنها منازل الشمس والقمر‏ ,‏ وهي اثنا عشر منزلاً ‏(‏برجاً‏)‏ تسير الشمس في كل واحد منها شهراً‏ ,‏ ويسير القمر في كل واحد منها يومين وثلثا‏ ,‏ فذلك ثمانية وعشرون منزلا‏ًً ,‏ ويستتر ليلتين ‏.‏
وذكر مخلوف‏ ـ يرحمه الله‏ ـ :
" وَالسَّمَاءِ " ‏: أقسم الله بها وبما بعدها " ذَاتِ البُرُوجِ " : ذات المنازل والطرق الاثني عشر التي تسير فيها الكواكب‏ ,‏ شُبهت بالقصور لنزول الكواكب بها‏ ,‏ كما ينزل الأكابر والأشارف بالقصور‏ ,‏ جمع ‏(‏برج‏)‏ وهو القصر العالي‏ " .‏
وذكر صاحب الظلال‏ ـ يرحمه الله‏ ـ :‏ " تبدأ السورة‏ ـ‏ قبل الاشارة الي حادث الاخدود‏ ـ‏ بهذا القسم‏ :‏
" وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ ‏" ,‏ وهي إما أن تكون أجرام النجوم الهائلة، وكأنها بروج السماء الضخمة أي قصورها المبنية‏ ..‏ وإما أن تكون هي المنازل التي تنتقل فيها تلك الأجرام في أثناء دورانها‏ ,‏ وهي مجالاتها التي لا تتعداها في جريانها في السماء‏ ,‏ والإشارة إليها توحي بالضخامة ، وهي الظل المراد إلقاؤه في هذا الجو‏..‏ " .
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزاهم الله خيراً‏ ـ‏ في معنى هذه الاية الكريمة : أقسم بالسماء ذات المنازل التي تنزلها الكواكب أثناء سيرها ‏"‏ ، وفي التعليق الهامشي أشاروا إلى أن البروج في هذه المجموعات من مواقع النجوم التي تظهر على أشكال مختلفة في السماء مُقسَّمة إلى اثني عشر قسماً تمر خلالها الأرض والكواكب في أثناء دورتها حول الشمس‏ ..‏
وذكر الصابوني‏ ـ‏ أمد الله في عمره‏ ـ :‏ " أي وأقسم بالسماء البديعة ذات المنازل الرفيعة‏ ,‏ التي تنزلها الكواكب أثناء سيرها‏ ,‏ وأشار إلى أقوال عدد من المفسرين السابقين بأن هذه المنازل سميت ‏(‏بروجا‏ًً)‏ لظهورها‏  ,‏ وشُبهت بالقصور لعلوها وارتفاعها لأنها منازل للكواكب السيارة‏ .‏

تحديد مواقع نجوم السماء :
بعض الهيئات التى تُرى عليها بروج السماء ـ نظرا لتعاظم أبعاد مواقع النجوم عنا ـ كان لابد من وضع نظام مساحي يمكن بواسطته تحديد تلك المواقع على القبة السماوية باستخدام مجموعة إحداثيات مُشابِهة لتلك الإحداثيات المُوظَّفة في المساحة الأرضية‏ ,‏ وذلك بإسقاطها على القبة السماوية‏ ,‏ فكما أن هناك خط استواء للأرض تم اقتراح خط استواء للقبة السماوية‏ ,‏ ينطبق على خط الاستواء الأرضي ويقع فوقه بارتفاع هائل‏ ,‏ وكما أن هناك قطبين للأرض‏ ـ‏ شمالي وجنوبي‏ ـ‏ تم اقتراح قطبين مُمَاثلَيْن للقبة السماوية يقعان على امتداد محور دوران الأرض‏ ,‏ وكما أن هناك خطوط طول وخطوط عرض للأرض تبدأ من خط طول أساسي ومن خط الأستواء‏ ـ‏ على التوالي ـ تم اقتراح خطوط مماثلة للقبة السماوية‏ ,‏ وبواسطة تلك الخطوط يمكن تحديد مواقع النجوم ‏.‏
ولما كانت الأرض تدور حول محورها من الغرب إلى الشرق دورة كاملة كل ‏24‏ ساعة تقريباً‏  (كل‏23‏ ساعة‏ ,56‏ دقيقة‏)‏ ، فإن كلاً من النجوم وإحداثيات القبة السماوية تبدو بالنسبة لراصد من الأرض وكأنها هي التي تدور من الشرق إلى الغرب بنفس المعدل في نفس الفترة الزمنية ‏.‏
وبينما النجوم ثابتة في مواقعها من السماء الدنيا ثباتاً نسبياً لتعاظم أبعادها عنا‏ ,‏ والشمس تجري على مقربة نسبية منا ـ‏ مائة وخمسين مليون كيلو متر‏ ـ‏ فإن مواقع الشمس تظهر للراصد الأرضي مُتحرِّكة في صفحة السماء‏ ,‏
ويسمى مدار الشمس السنوي الظاهري على القبة السماوية‏ ـ أي ممر مواقع الشمس في قبة السماء بالنسبة إلى النجوم البعيدة عنا‏ ـ باسم دائرة البروج ‏(The Zodiacor The Ecliptic) ‏، وهي دائرة تميل بمقدار ‏
(2327)‏ على خط الاستواء السماوي‏ ,‏ وتتقاطع الدائرتان في نقطتي الاعتدالين الربيعي والخريفي في نصف الكرة الشمالي ‏(‏في حوالي‏21‏ من مارس‏ ,23‏ من سبتمبر على التوالي‏)‏، وفي هذين الاعتدالين يتساوي طول كلٍ من الليل والنهار‏ .‏
وفي حوالي ‏12/21 ,6/12 من كل عام تصل الشمس إلى أقرب نقطتين إلى الشمال وإلى الجنوب ـ‏ على التوالي ـ‏ وهما بدايتا كلٍ من الصيف والشتاء ـ‏ على التوالي أيضا‏ًً ـ وتسميان نقطتي الانقلاب الصيفي والشتوي، وتُحسب إحداثيات السماء باستخدام دوائر الساعة‏ ,‏ وهي دوائر عظمى تمر بأقطاب القبة السماوية وتقطع خط استوائها عموديا‏ًً ,‏ وحيث إن الأرض تتم دورتها حول محورها في أربع وعشرين ساعة تقريباً‏ ,‏ فإن كل ساعة تساوي خمس عشرة درجة ‏(360‏ درجة‏%24‏ ساعة‏=15‏ درجة‏) ,‏ وتُقسم الدرجة إلى ستين دقيقة‏ ,‏ وتُقسم الدقيقة إلى ستين ثانية‏ ,‏ وتشرق نجوم السماء وتغرب بزوايا على أفق السماء كما تشرق الشمس وتغرب بزوايا على أفق الأرض‏ .‏

‏(‏البروج‏)‏ في علوم الفلك :
البروج هي تجمعات للنجوم البعيدة عنا‏ ,‏ تصورها الناس منذ القدم على هيئة أشكال معينة كوسيلة من وسائل التعرف المبدئي عليها‏ ,‏ والتمييز بينها‏ ,‏ وأعطوا لهذه الأشكال أسماء مُحدَّدة‏ ,‏ تباينت من دولة لأخرى‏ ,‏ ومن حضارة إلى حضارة‏ ,‏ ولكنها أجمعت على تقسيم الحزام المحيط بوسط الكرة السماوية إلى اثني عشر برجاً بعدد شهور السنة‏ ,‏ من مثل برج الحمل الذي يبدأ في الظهور في حدود الحادي والعشرين من شهر مارس‏ ,‏ ثم برج الثور في حدود الحادي والعشرين من شهر أبريل‏ ,‏ وهكذا لكل شهر زمني برج من هذه الأبراج بالترتيب التالي ‏:‏ الحمل‏ ,‏ الثور‏ ,‏ الأسد‏ ,‏ الجوزاء‏ ,‏ السرطان‏ ,‏ العذراء ‏(‏السنبلة‏)‏ الميزان‏ ,‏ العقرب‏ ,‏ القوس‏ ,‏ الجدي‏ ,‏ الدلو‏ ,‏ الحوت‏ .‏
وتسمى هذه باسم كوكبات حزام البروج ‏
(Zodiacal Constellations)‏ ، وهي تشكل شريطاً مُمتداً على جانبي خلفية مدار الأرض حول الشمس‏ بامتداد تسع درجات على كلٍ من جانبيه‏ ,‏ ويُقسم إلى اثنتي عشرة منطقة أساسية يشغل كل منها حوالي ‏30‏ درجة من درجات خطوط الطول السماوية بزيادة أو بنقص قليل في كل منطقة‏ .‏ وتمثل هذه البروج الخلفية النجمية التي تجري عبرها المجموعة الشمسية على صفحة السماء خلال السنة الشمسية‏ ,‏ وهذه البروج غير متساوية تماماً في الطول‏ ,‏ ولا في تاريخ بداياتها‏ ,‏ فبرج الحمل مثلا لا يمثل نقطة بداية الاعتدال الربيعي التي تحدث حول الحادي والعشرين من مارس في كل عام‏ .‏
ومن المعروف أن الدائرة المتوسطة لحزام البروج تميل على خط الأستواء السماوي بمعدل ثلاث وعشرين درجة ونصف تقريبا‏ًً (2327)‏ ، وتُعرف هذه الدائرة باسم دائرة البروج
‏(The Zodiacor the Ecliptic)‏ وتتقاطع مع دائرة خط الاستواء في نقطتين ‏:‏ الأولى هي نقطة الاعتدال الربيعي‏ ,‏ والثانية هي نقطة الاعتدال الخريفي‏ .‏
والإنسان يمكنه من فوق سطح الأرض أن يرى بالعين المُجرَّدة حوالي ستة آلاف نجم في الأجواء الصافية‏ ,‏ ومنذ القدم حاول الإنسان التعرف على تلك النجوم‏ ,‏ ووصفها وتسميتها أو ترقيمها‏ ,‏ ومعرفة موعد ظهورها‏ ,‏ وحاول رسم خرائط للسماء بواسطتها وقد سجل ذلك في أغلب الحضارات القديمة مثل الحضارات المصرية‏ ,‏ والكلدانية والفارسية‏ ,‏ والهندية والصينية‏ ,‏ والإغريقية والرومانية وغيرها‏ .‏
وكان أول ما فعله هؤلاء هو تقسيم النجوم التي تُرى من فوق سطح الأرض في القبة السماوية بقسمَيْها الشمالي والجنوبي في زمن واحد إلى نطق يتميز كلٌ منها بتجمع خاص من تجمعات النجوم عُرفت باسم البروج أو التجمعات النجميه ‏
(
Contionstellas) ,‏ وتركز ذلك في بادئ الأمر على التجمعات النجمية حول خط الاستواء الوهمي للقبة السماوية‏ ,‏ وهي أيسر ما يُرى بالعين المُجرَّدة من فوق سطح الأرض‏ ,‏ وقد قُسمت تلك التجمعات النجمية إلى نُطُق محددة‏ ,‏ يتميز كل منها بتجمع خاص من تجمعات النجوم عُرفت باسم البروج‏ ,‏ وسُمي كل منها باسم خاص‏ ,‏ وتعددت حولها الأسماء‏ ,‏ وحيكت الخرافات والأساطير خاصة في ظل الوثنيات القديمة والحديثة ‏.‏
وحقيقة التجمعات النجمية ‏(‏البروج‏) ,‏ أنها مساحات محددة من السماء الدنيا‏ ,‏ يحوي كل منها في كل فترة زمنية محددة أعداداً من النجوم التي تبدو لنا متقاربة مع بعضها البعض رغم المسافات الشاسعة التي تفصلها نظراً لبعدها الشاسع عنا ولوجودها في اتجاهات محددة‏ بالنسبة لنا‏ ,‏ وهذه النجوم التي تبدو لنا من الأرض في نفس الاتجاه‏ ,‏ قد تكون في مجموعات نجمية مُتفرِّقة تفرقاً بعيداً ، وليست في مجموعة واحدة‏ .‏



وتبدو هذه التجمعات النجمية وكأنها تتحرك حركة ظاهرية بطيئة في صفحة السماء من الشرق إلى الغرب تماثل الحركة الظاهرية للشمس في جريانها‏ ,‏ وتقابل حركة دوران الأرض من الغرب إلى الشرق‏ ,‏ فتبدو لنا النجوم وكأنها تشرق من الشرق وتغرب في الغرب‏ ,‏ سواء في ذلك النجوم البطيئة‏ ـ الثوابت‏ ـ أو النجوم السيارة السريعة‏؛‏ لأن كل التجمعات النجمية تُرى بتلك الهيئة في الحركة ‏.‏
في سنة ‏150‏م نشر أحد أبناء صعيد مصر وأحد تلامذة مدرسة الإسكندرية واسمه بطليموس الفلوزي الإسكندري كتابه المسمى باسم المجسطي
‏(
Almagest)‏ الذي وصف فيه حوالي ‏48‏ كوكبة من كوكبات السماء‏ .‏
وبين القرنين الثامن والسادس عشر قام علماء المسلمين بنقد وتصحيح العلوم الفلكية التي وجدوها في الحضارات السابقة عليهم‏ ,‏ وأضافوا إليها اضافات جوهرية عديدة كان أهمها تحويل علم الفلك من الحيز النظري المليء بالخرافات والأساطير إلى الحيز العملي التطبيقي‏ ,‏ وطهَّروه من أدران التنجيم والشعوذة‏ ,‏ وجعلوه علماً استقرائياً يعتمد على الملاحظة الحسية والمقاييس العلمية والحسابات الرياضية والهندسية‏ ,‏ فعرَّفوا منازل الشمس بالنسبة للبروج‏ ,‏ وقسَّموها إلى أربعة منازل تمثل فصول السنة :‏ الربيع‏ ,‏ والصيف‏ ,‏ والخريف‏ ,‏ والشتاء‏ ,‏ وخصصوا لكل منزل ثلاثة بروج‏ :  (الحمل والثور والجوزاء‏)‏ للربيع‏ ,‏ والسرطان والأسد والعذراء‏ ـ‏ السنبلة ـ للصيف‏ ,‏ و‏(‏الميزان والعقرب والقوس‏)‏ للخريف‏ ,‏ و‏(‏الجدي والدلو والحوت‏)‏ للشتاء‏.‏ والكثير من النجوم والبروج لاتزال تحمل أسماء عربية من مثل ‏:‏ سهيل‏ ,‏ والجوزاء‏ ,‏ والدب الأكبر‏ ,‏ والدب الأصغر‏ ,‏ والنسر الواقع‏ ,‏ والنسر الطائر‏ ,‏ والغول‏ ,‏ وبيت الجوز، وغيرها . وكثير من التعبيرات الفلكية من مثل المجرة والسمت وغيرها هي تعبيرات عربية أصيلة ‏.‏

وكثير من الأجهزة الفلكية من مثل البوصلة والمزولة‏ ,‏ والإسطرلاب والمراصد كانت ابتكارات عربية خالصة‏ .‏

في سنة ‏1603‏م قام أليكسندر مير ‏(Alexander Mair)‏بنقش فلك المجموعات النجمية في مرسمه للسماء‏ ,‏ وأضاف اثنتي عشرة كوكبة جديدة إلى ما كان قد ذكره بطليموس ‏.‏
وفي سنة ‏1664‏م أضاف جاكوب بارتش ‏(Jacob Bartsch)‏ ثلاث كوكبات أخري‏،‏ وأضاف نيكولاس لويز ‏(Nicolas Louis)‏ كوكبة جديدة في نفس الفترة تقريباً ,‏ ثم أضاف‏14‏ كوكبة أخري بعد ذلك بسنوات قليلة‏ .‏
في سنة‏1690‏م أضاف جوهان هيفيليوس ‏(Jehannes Hevelius)‏
تسعة كوكبات جنوبية جديدة‏ ,‏ وأصبح عدد الكوكبات المعروفة الآن ثمانية وثمانين كوكبة‏ ,‏ يختلف ظهورها في السماء باختلاف خطوط العرض الأرضية‏ ,‏ وباختلاف الفصول المناخية‏ ـ‏ أي باختلاف موقع الأرض في مدارها حول الشمس على مدار السنة ‏ـ ,‏ وعلى ذلك فإن هناك كوكبات للصيف‏ ,‏ وكوكبات للربيع‏ ,‏ وكوكبات للخريف‏ ,‏ وكوكبات للشتاء مع بعض التداخلات الزمانية والمكانية‏ .‏
وفي سنة ‏1928‏م وافق الاتحاد الفلكي الدولي على تقسيم الكرة السماوية بنصفيها الشمالي والجنوبي إلى ثمان وثمانين مجموعة نجمية‏ ـ‏ كوكبة‏ ـ ,‏ بحيث يمكن نسبة أي نجم في السماء إلى أي من هذه الكوكبات التي قد تختلف أسماؤها من بلد إلى آخر‏ .‏ وكل كوكبة من هذه الكوكبات‏ ـ‏ أي كل برج من هذه البروج‏ ـ‏ تبدو لنا ثابتة لتعاظم بعدها عنا‏ ,‏ كما تبدو لنا مُتقارِبة حتى  لتوحي لنا باتصالها فتعطي هيئة معينة‏ ,‏ أو شكلاً مُحدَّداً‏ ,‏ وقد أُعطي كل منها اسماً مُعيَّناً يتفق مع الشكل أو الهيئة المستوحاة من تقارب نجومه‏ ,‏ وفي المنظور الفلكي يعتبر البرج أو الكوكبة منطقة على الكرة السماوية تظهر بها مواقع للنجوم الذي يعطي تقارب مواقعها إيحاء بالشكل أو الهيئة المستوحاة من هذا التقارب‏ .‏ وحسب موقعها بالنسبة لخط الاستواء الوهمي للقبة السماوية يمكن التمييز بين كوكبات نصف الكرة السماوية الشمالي‏ ـ‏ الكوكبات الشمالية‏ ـ ,‏ وكوكبات المنطقة الاستوائية السماوية‏ ـ‏ كوكبات دائرة البروج ـ ,‏ وكوكبات نصف الكرة السماوية الجنوبي‏ ـ‏ الكوكبات الجنوبية‏ ـ .
‏ ولما كانت الشمس في حركتها السنوية الظاهرية على البروج دائمة الانتقال إلى مناطق مختلفة من السماء فإن الكوكبات التي تُرى بعد غروب الشمس تتغير دورياً مع فصول السنة‏ ,‏ وبذلك يمكننا أن نميز بين كوكبات صيفية‏ ـ‏ مثل السلياق والعقاب‏ ـ ,‏ وكوكبات شتوية‏ ـ‏ مثل الجبار والكلب الأكبر ـ، ولا يدل الانتظام الظاهري لأفراد الكوكبة عند رؤيتها من الأرض على أنها تكون وحدة حقيقية في صفحة السماء الدنيا‏ ,‏ فقد تكون هذه المواقع النجمية بعيدة جداً عن بعضها البعض‏ ,‏ ولكنها تظهر لنا مُتقارِبة لتعاظم أبعادها عنا‏ ,‏ ولوقوعها في نفس الاتجاه بالنسبة للناظر إليها من فوق سطح الأرض‏ ,‏ وتُرى تلك المواقع النجمية مُتساوِية اللمعان تقريبا لتباين أبعادها عنا ‏.‏
ومع دوران الأرض حول محورها أمام الشمس يشاهد الراصد الليلي النجوم في حركتها الظاهرية ساعة بعد أخرى من مواقع مختلفة على سطح الأرض‏ ,‏ أما في سبح الأرض عبر حركتها الانتقالية في مدارها حول الشمس فإن الراصد الليلي يشاهد مجموعات مُختلِفة من كوكبات النجوم في مواقع مختلفة من القبة السماوية حسب كل من موقع الراصد من الأرض وموقع الأرض في مدارها في كل شهر من شهور السنة ‏.‏

أهمية بروج السماء :
البروج‏ ـ‏ أو الكوكبات‏ ـ‏ هي تجمعات للنجوم‏ ,‏ وقد فصل القرآن الكريم فوائد النجوم في كونها علامات يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر‏ ,‏ وزينة للسماء الدنيا‏ ,‏ ورجوماً للشياطين‏ ,‏ ومصدراً من مصادر الرزق في السماء، وجنداً مُسخَّرة للإمساك بأطراف السماء الدنيا بما وهبها الله‏ ـ تعالى‏ ـ من قوى الترابط والتماسك والتجاذب‏ ,‏ وذلك على النحو التالي‏ :‏
(1)‏ البروج كوسيلة الاهتداء في ظلمات البر والبحر ‏:‏
يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في محكم كتابه ‏:‏ " وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " (الأنعام‏:97)‏ .
ومن معاني هذه الآية الكريمة أن الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ قد رتب النجوم في مجموعات من الكوكبات‏ ـ‏ البروج ـ‏ يمكن بواسطتها تحديد الاتجاهات الأربع الأصلية كما هو الحال مع النجم القطبي المعروف باسم نجم القطبية، أو نجم الجدي، أو كوكبة الشمال، أو مسمار الفلك كما يحلو لعدد من الفلكيين أن يسموه (Polaris Pole Staror Polar Star)‏
، وهو نجم ثلاثي من العماليق العظام ويعتبر ألمع نجم في كوكبة الدب الأصغر يبعد عنا مسافة‏ 650‏ سنة ضوئية ، ويَقدَّر قطره بمائة مرة قدر قطر الشمس‏ ,‏ وتُقدَّر قوة إشعاعه بخمسة آلاف ضعف اشعاع الشمس‏ ,‏ وقد أُعطي هذا الاسم لقربه الشديد من قطب السماء الشمالي‏ ـ الذي لا يبعد عنه إلا بأقل من درجة واحدة ـ ,‏ وتبلغ دورته حول محوره حوالي أربعة أيام ‏(3 ,97‏ يوم‏) ‏، ولذلك فإنه يصنع دائرة صغيرة جداً حول القطب الشمالي لقبة السماء خلال الدوران اليومي الظاهري لها‏ .‏
ونظراً لدوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق تبدو القبة السماوية وكأنها تدور من الشرق إلى الغرب في حركة ظاهرية بكافة نجومها فيما عدا النجم القطبي الذي وضعه الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ على الامتداد الشمالي لمحور دوران الأرض فيبدو لنا ساكنا‏ًَ ,‏ ويُحدد بموقعه اتجاه الشمال الحقيقي‏ ,‏ ومن ثم يعين على تحديد الجهات الأربع الأصلية على الأرض وفي صفحة السماء مما يساعد على التوجه الصحيح في ظلمات البر والبحر‏ ,‏ وفي تحديد القبلة‏ ,‏ وفي تحديد غيرها من المواقع والاتجاهات‏ .‏
ويُحدد موقع النجم القطبي في قبة السماء بواسطة العربة الكبري ـ‏ المغرفة‏ ـ‏ في كوكبة الدب الأكبر، وذلك بمد الخط الواصل بين خلفيتي العربة الكبري‏ ـ أي الدليلتين اللتين تسبقان في أثناء الحركة اليومية الظاهرية‏ ـ‏ حوالي خمس مرات قدر المسافة بينهما‏ ,‏ ولولا وجود النجم القطبي ما استطاع الانسان التوجه في ظلمات البر والبحر‏ .‏

‏(2)‏ البروج زينة السماء الدنيا‏ :‏
فالبروج مثل كلٍ من النجوم والكواكب من خواص السماء الدنيا وزينتها لقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ " (الحجر‏:16)‏، وقوله‏ ـ سبحانه‏ ـ : " إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ " ‏(‏الصافات‏:6)، وقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ : " فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ "‏ (فصلت‏:12)‏ ، وقوله‏ ـ‏ تبارك اسمه‏ ـ : " وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ " (الملك‏:5)‏ .
والبروج والنجوم‏ ـ المصابيح‏) ـ‏ والكواكب والأقمار هي من أهم الوسائل في إنارة ظلمة الليل‏ ,‏ الأولى بأضوائها الذاتية‏ ,‏ والكواكب والأقمار بانعكاس أضواء النجوم عليها نوراً‏ ,‏ ولولا ذلك لأصبح ليل الأرض حالك السواد‏ ,‏ قابضاً للأنفس‏ ,‏ مُخيفاً مُزعِجا‏ًً .‏

‏(3)‏ البروج والنجوم والكواكب رجوم للشياطين ‏:‏
يعتقد كثير من الناس أن رجوم الشياطين هي الشهب وحدها لقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ "‏ ‏(‏الحجر‏:16‏-‏18) ‏، وقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ : " إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى المَلأِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ " (الصافات‏:6‏-‏10)‏ ، وقوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على لسان الجن‏ : " وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ‏" ‏(الجن‏:8)‏ .
ولكن الذي يعلم حقيقة تبادل المادة بين دخان السماء وكافة أجرامها أدرك جانباً من روعة البيان القرآني في الإشارة إلى البروج في أيات سورة الحجر ‏(16‏-‏18) ,‏ وإلى الكواكب في آيات سورة الصافات‏               (6‏-‏10) ،‏ وإلى الشهب في كلٍ من السورتين الكريمتين‏ ,‏ وفي سورة الجن‏ (8)‏
.
والشهب عبارة عن أجسام صلبة تدخل الغلاف الغازي للأرض بسرعات كبيرة جداً تصل إلى ‏40‏ كيلو متراً في الثانية، فتحتك بجزيئات الغلاف الغازي احتكاكاً شديداً يؤدي إلى اشتعالها واحتراقها إما احتراقاً كاملاً أو جزئياً بحيث يتبقى عن احتراقها فضلات صلبة تعرف باسم النيازك التي ترتطم بالارض بشدة بالغة ‏.‏
ويروى عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" الملائكة تتحدث في العنان والعنان الغمام بالأمر يكون في الأرض فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة فيزيدون معها مائة كذبة " (أخرجه الإمام البخاري) .
فالشياطين في محاولاتهم استراق السمع في عملية من التجسس والتلصص على أخبار السماء الدنيا يلقون بشئ من ذلك إلى أعوانهم من الدجالين والمُنجِّمين و‏ ,‏الكهان والعرافين من أجل إضلال بني أدم وصرفهم عن التوكل على رب العالمين قد حيل بينهم وبين استراق ذلك السمع بعد بعثة المصطفى‏ ـ صلى الله علىه وسلم‏ ـ ,‏ وبقيت الشهب ـ وهي من مادة بروج ونجوم وكواكب السماء ـ لهم بالمرصاد .

‏(4)‏ البروج والنجوم والكواكب كمصدر من مصادر الرزق في السماء ‏:‏
يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في مُحكَم كتابه ‏:‏
" وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ‏" ‏(‏الذاريات‏:22)‏ ، وفسر بعض المفسرين هذه الأية الكريمة بأمر الرزق وتقدير الموعود‏ ,‏ بأن الموعود به هو الجنة أو النار‏ ,‏ والثواب أو العقاب‏ ,‏ وفسرها البعض الاخر بأنه المطر‏ ,‏ وفسر السماء بالسحاب‏ ,‏ وهذا كله صحيح ولكن يأتي العلم التجريبي ليؤكد لنا أن كافة العناصر يخلقها ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ في قلب النجوم‏ ,‏ وأن الله ـ تعالى ـ ينزل منها إلى الأرض بقدر معلوم‏ ,‏ فالبروج والنجوم والكواكب والشهب والنيازك من أهم مصادر الرزق على الأرض .

‏(5)‏ البروج بنجومها جند مسخرة للإمساك بأطراف السماء الدنيا ‏:‏
إن البروج بنجومها وباقي أجرامها‏ ,‏ والأجرام بمواقعها وكتلها جند مسخرة من قبل الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ للإمساك بأطراف السماء الدنيا‏ ,‏ على الرغم من المسافات الشاسعة التي تفصلها‏ ,‏ فهي مرتبطة مع بعضها بالاتزان الدقيق بين قوى الجاذبية ، والقوى الطاردة المركزية‏ ,‏ على الرغم من تحركها بسرعات مُذهِلة في صفحة السماء‏ ,‏ وفي حركات عديدة مُعقَّدة تشهد لله الخالق العظيم بطلاقة القدرة وبديع الصنعة ‏.‏
من هنا تتضح بعض جوانب الأهمية الكبرى للبروج ، والتي نبهنا ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ إليها بهذا القسم الجامع : " وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ " .
وقد يرى القادمون في هذا القَسَم ما لا نراه نحن اليوم حتى تظل هذه الإشارات الكونية في كتاب الله شاهدة له بالربانية الخالصة ‏,‏ وللرسول الخاتم الذي تلقاه‏  ـ‏ صلى الله عليه وسلم ‏ ـ‏ بالنبوة والرسالة‏ ,‏ وبأنه‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ما كان ينطق عن الهوى ‏..!!‏