" ... يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ .‏.. " (الزمر:6).


هذا النص القرآني المعجز جاء في الثمن الأول من سورة الزمر، وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها خمس وسبعون‏(75)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى تمايز الناس في يوم القيامة ـ حسب أعمالهم ـ إلى زُمَرٍ من أهل الجنة‏,‏ وزُمَرٍ من أهل النار‏,‏ فيساق كلٌ إلى مصيره المحتوم‏.‏ويدور المحور الرئيسي للسورة الكريمة حول قضية العقيدة، شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏.‏

من ركائز العقيدة في سورة الزمر:

(1)‏ الإيمان بان القرآن الكريم هو كلام الله العزيز الحكيم الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ أنزله بالحق " قُرْآناً عَرَبِياًّ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ... " (الزمر:38) يدعو إلى عبادة الله ـ‏ تعالى ـ وحده بما أمر، بإخلاص وتجرد تامين ‏(‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏),‏ وتنزيهه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏؛ لأنه‏ ـ‏ تعالى شأنه‏ ـ لا يقبل من عباده إلا التوحيد الخالص لذاته العلية‏,‏ والشكر الدائم على نعمه العديدة‏.‏
‏(2)‏ اليقين بأن الشرك بالله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ كفر به‏,‏ وأن المشركين قد يتمتعون قليلاً في الدنيا‏,‏ ثم هم في الآخرة من أصحاب النار‏,‏ وعلى الذين يدعون لله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ ولداً بغير علم‏,‏ ولا هدى‏,‏ ولا سلطان مبين‏,‏ أن ينزهوا الله الواحد القهار عن ذلك اللغو؛ لأن الولد من صفات المخلوقين‏,‏ والخالق منزه عن جميع صفات خلقه‏.‏
وعلى الذين اتخذوا من دون الله أولياء يعبدونهم من دون الله بدعوى أنهم يقربونهم إلى الله زلفى أن يعلموا كذب هذا الادعاء‏,‏ وخطورة هذا الافتراء على الله‏ ـ تعالى ـ الذي سوف يحكم بينهم يوم القيامة‏,‏ وهو ـ سبحانه ـ‏ لا يهدي من هو كاذب كفار‏,‏ وأن من كذب على الله‏,‏ وكذب بالحق إذ جاءه قد ظلم نفسه ظلماً كبيراً‏.‏
‏(3)‏ التسليم بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ لا يرضى لعباده الكفر‏,‏ ولكنهم إن كفروا فالله غني عنهم‏,‏ وإن آمنوا وشكروا فالله‏ ـ‏ تعالى شأنه‏ ـ‏ يرضي ذلك منهم‏,‏ وأنه لاتزر وازرة وزر أخرى‏,‏ وأن الخلق جميعاً راجعون إلى الله فينبئهم بما كانوا يعملون‏,‏ وأنه عليم بذات الصدور، وأنه‏ ـ تعالى‏ ـ‏ هو الغفور الرحيم الذي لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بأن من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه‏,‏ وأن الكفار والمشركين من أصحاب القلوب القاسية في ضلال مبين،‏ وأنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون‏,‏ وأنه لا يتذكر إلا أولو الألباب‏.‏
‏(5)‏ اليقين بأن كل بني آدم خطاءون‏,‏ وأن خير الخطاءين التوابون‏,‏ وأن للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة‏,‏ وأن لهم في الآخرة الأجر العظيم، فإن تعرضوا لشيء من الابتلاء أو الإيذاء فإن عليهم بالصبر؛ لأن الصابرين يوفون أجورهم بغير حساب‏.‏
‏(6)‏ التسليم بأن الرزق من الله ـ تعالى ـ وأنه هو الذي يبسطه لمن يشاء ويقدر‏،‏ وبأن الموت حق على العباد‏,‏ وكذلك البعث والنشور‏,‏ وأن للآخرة نفختين‏:‏ نفخة الصعق التي يصعق بها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله‏,‏ ونفخة البعث التي إذا نفخت بعث بها كل ميت
"‏ ... فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ‏ " (الزمر:68).‏
‏(7)‏ الإيمان بكل ما جاء بالسورة الكريمة من عذاب أهل النار‏,‏ ونعيم أهل الجنة‏,‏ وبكل صور العذاب التي أنزلها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ بالعاصين المكذبين من أبناء الأمم السابقة‏,‏ وبأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو خالق كل شيء ورب كل شيء ومليكه‏.

من الإشارات الكونية في سورة الزمر:
(1)‏ وصف عملية خلق السماوات والأرض بأنها تمت بالحق أي حسب قوانين وسنن منضبطة تشهد لخالقها بأنه الحق ـ‏ سبحانه وتعالى.‏
‏(2)‏ الإشارة الضمنية الدقيقة إلى كروية الأرض‏,‏ وإلى دورانها حول محورها، وإلى جريها في مدارها حول الشمس‏,‏ وجري كلٍ من الأرض والقمر والشمس‏ ـ وبالتالي كل أجرام السماء‏ـ‏ إلى أجل مسمى مما يشير إلى حتمية الآخرة‏.‏
‏(3)‏ التأكيد على خلق الناس جميعاً من نفس واحدة هي نفس أبينا آدم‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ التي خلق منها زوجها‏ ـ‏ أمنا حواء عليها السلام‏.‏
‏(4)‏ ذكر إنزال ثمانية أزواج من الأنعام مما قد يشير إلى إنزال الشفرة الوراثية لها أو الأمر الإلهي بخلقها‏.‏
‏(5)‏ التأكيد على خلق جنين الإنسان على مراحل
" خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ "‏ (الزمر:6).‏
‏(6)‏ عدم مساواة الذين يعلمون والذين لا يعلمون‏.‏ والتقرير بأن الذين يتدبرون ويفهمون ويتذكرون هم أولو الألباب والنهى‏.‏
‏(7)‏ الإشارة إلى أن أصل الماء تحت سطح الأرض هو ماء المطر الذي يسلكه ربنا‏ ـ‏ تبارك اسمه‏ ـ‏ ينابيع في الأرض‏,‏ ثم يخرج به زروعاً مختلفة الألوان والأنواع‏,‏ وعند نضجها تيبس وتجف بعد نضارتها‏,‏ ويصفر لونها‏,‏ ثم تتحطم وتصبح فتاتاً متكسرا‏ًً,‏ وفي ذلك إشارة إلى دورة الحياة والموت في كل مخلوق وفي كل شيء‏.‏
‏(8)‏ الإشارة إلى مفارقة النفس للجسد في حالتي النوم والممات‏,‏ ثم يعاد إرسالها إلى النائم لحظة يقظته‏,‏ وإمساكها عن جسد الميت لحظة مماته‏.‏
‏(9)‏ التأكيد على أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه على كل شيء وكيل‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الخامسة من القائمة السابقة، والتي جاءت في الآية السادسة من سورة الزمر‏,‏ وقبل التعرض لدلالاتها العلمية أستعرض عدداً من أقوال المفسرين في شرح دلالة هذا النص الكريم‏.‏

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ:‏
‏" ..‏. يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ‏... " (‏ الزمر‏:6)‏.
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره‏:..‏ أي قدركم في بطون أمهاتكم‏.
" خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ ‏ "‏ يكون أحدكم أولاً نطفة‏,‏ ثم يكون علقة‏,‏ ثم يكون مضغة‏,‏ ثم يخلق فيكون لحماً وعظماً وعصباً وعروقا‏ًً,‏ وينفخ فيه الروح فيصير خلقاً آخر" فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ " (المؤمنون:14),‏ وقوله ـ جل وعلا‏ ـ: "‏ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ " يعني ظلمة الرحم‏,‏ وظلمة المشيمة‏,‏ وظلمة البطن‏,‏ كذا قال ابن عباس ومجاهد.‏ (انتهى قول المفسر)
‏وجاء في الظلال‏ ـ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة ـ‏ ما مختصره‏..‏ من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام‏,‏ إلى الخلق الواضح فيه عنصر البشرية‏.
"‏ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ "ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين‏,‏ وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس‏,‏ وظلمة البطن الذي تستقر فيه الرحم‏.‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزاهم الله خيراً ـ‏ ما نصه‏:...‏ يخلقكم في بطون أمهاتكم طوراً من بعد طور في ظلمات ثلاث‏،‏ هي ظلمة البطن‏,‏ والرحم، والمشيمة.‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في تعليق الخبراء بالهامش ما نصه‏:‏ تنشأ البويضة في أحد مبيضي المرأة‏,‏ حتى إذا اكتمل نضجها انطلقت منه، فيتلقفها أحد بوقي فالوب‏,‏ ثم تمضي في قناة فالوب في طريقها إلى الرحم، فلا تصله إلا بعد بضعة أيام قد يقدر لها في أثنائها أن يخصبها الحيوان المنوي من الرجل، فتبدأ توا مراحل تطورها المبكرة‏,‏ وفي الرحم يمضي الجنين بقية مدة الحمل حيث يكون لنفسه فيها غلافين‏:‏
السلي
‏(Chorion)،‏ ويسهم جزء منه في تكوين المشيمة، والرهل‏(Amnion)‏ الذي يحيط بالجنين إحاطة مباشرة، وقد اختلفت الآراء في تحديد الظلمات الثلاث في الآية الكريمة، فمن ذلك أنها‏:‏
‏(1)‏ البطن‏,‏ والرحم‏,‏ والمشيمة، ‏(‏ ويقصد بها ما يغلف الجنين بصفة عامة‏)‏.
‏(2)‏ الرحم‏,‏ والسلي‏,‏ والرهل.
‏(3)‏ البطن‏,‏ والظهر‏,‏ والرحم‏.‏
‏(4)‏ المبيض‏,‏ وقناة فالوب‏,‏ والرحم‏.‏
والظاهر أن الرأي الأخير هو الأرجح؛ لأنها ثلاث متفرقات في أماكن مختلفة‏،‏ أما الآراء الأخرى فإنها تشير في الواقع إلى ظلمة واحدة في مكان واحد تحيط به طبقات متعددة‏،‏ ولعل الخالق العظيم قد أشار في كتابه إلى هذه الحقيقة العلمية في زمن لم يكن الناس قد اكتشفوا فيه بويضة الثدييات، ومسلكها ذاك في أجسام الإناث بعيداً عن العيون‏.‏ (انتهى قول المعلق)
وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لرأي كلٍ من الإمامين ابن كثير وسيد قطب ـ عليهما من الله الرحمات‏ ـ ولا أرى حاجة إلى تكرار سرده هنا‏,‏ وإن كنت أختلف مع تفسير خبراء المنتخب؛ لأن الخلق يتم في داخل الرحم‏,‏ والجنين محاط بأغشيته التي تحدث الظلمة الأولى‏,‏ والأغشية محاطة بجدار الرحم الذي يحدث الظلمة الثانية‏,‏ والرحم محاط بالبدن الذي يحدث الظلمة الثالثة‏،‏ ومراحل الخلق المتتالية من النطفة الأمشاج إلى العلقة‏,‏ فالمضغة‏,‏ فالعظام‏,‏ ثم اللحم‏,‏ ثم النشأة الأخرى كل ذلك يتم في داخل الرحم‏,‏ ومراحل النطف الذكرية والأنثوية السابقة على لحظة الإخصاب لا تدخل في هذه المراحل، وإن اعتبرت مقدمات لها‏.‏



من الدلالات العلمية للنص القرآني الكريم:
أولا‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ ‏:‏ " ... يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ ... ":‏
في وقت ساد الاعتقاد بأن الجنين البشري يتخلق من دم الحيض وحده أو من ماء الرجل وحده نزل القرآن الكريم بالتأكيد على اشتراك خلايا التكاثر الذكرية والأنثوية في تكوين الجنين، وذلك في العديد من الآيات نختار منها قول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
‏(1)‏
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ‏... "
‏(‏الحج‏:5)‏.
‏(2)" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ‏ .‏ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين‏ .‏ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ‏ "  (المؤمنون‏:12‏ ـ‏14).
‏(3)
" هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ‏ .. " (غافر‏:67).
‏(4)‏ " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ
وَالأُنثَى‏ .‏ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى‏ " (‏ النجم‏:45‏ و‏46).‏
‏(5)‏
" أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى‏ .‏ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى‏ . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى‏ .‏ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى‏ " (‏القيامة‏:36‏ ـ‏39)‏.
‏(6)‏
" إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً‏ " (‏الإنسان‏:2)‏.
‏(7)‏
" مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ " ‏(‏عبس‏:19)‏.
وتنزل القران الكريم بهذا الحق المبين‏,‏ وبهذا الوصف الدقيق‏,‏ الكامل‏,‏ الشامل لأطوار الجنين في الإنسان‏,‏ وهي أطوار لا تتعدى في معظمها أجزاء من الملليمتر إلى ملليمترات قليلة في الطول‏,‏ وذلك من قبل ألف وأربعمائة سنة‏,‏ وفي زمن لم يكن متوافراً أية وسيلة من وسائل التكبير، أو التصوير، أو الكشف مما يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل كلام الله الخالق‏.‏
وظل الناس ـ أغلب الناس ـ على تصوراتهم الخاطئة التي منها أن الجنين يتخلق من دم الحيض كخلق ذاتي تلقائي سابق التشكيل للإنسان الكامل الهيئة الذي يبدأ في صورة مصغرة جداً لا تكاد تُرَى‏,‏ ثم يزداد في الحجم بمرور الوقت حتى يكتمل نمو الحنين‏.‏
وظلت هذه التصورات المنطلقة من الخيال الجامح سائدة عند أغلب أهل الأرض إلى أواخر القرن السابع عشر الميلادي حين أمكن للهولندي أنتون فان ليو‏ فين هويك
(Anton Van Leeu wen hoek)‏ وزميله هام‏(Hamm)من رؤية الحويمن‏ ـ‏ الحيوان المنوي ـ‏ لأول مرة بواسطة المجهر، وذلك في سنة‏(1677‏م‏)،‏ وبعد ذلك بقرنين من الزمان ـ‏ أي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏ ـ تمت رؤية بويضة الثدييات لأول مرة‏.‏
وفي نفس الوقت تقريباً ـ أي في حدود سنة‏1865‏ م‏,1869‏ م ـ وضع النمساوي مندل
‏(Mendel)‏ تصوراً مبدئياً لآلية توارث الصفات من خلال عدد من التجارب والملاحظات على نبات البازلاء استخلص منها أن عملية توارث الصفات ـ أي انتقالها ـ من جيل إلى آخر تتم عبر عدد من العوامل الوراثية المتناهية في ضآلة الحجم عرفت فيما بعد باسم حاملات الوراثة أو المورثات‏(Genes)‏، وبقيت المورثات مجرد رموز تستخدم في تفسير عمليات التنوع في الخلق إلى العقد الثاني من أوائل القرن العشــرين حين استطاع الأمريكي مورجان ‏(Thomas Hunt Morgan)‏ في سنة‏(1912‏ م‏)‏ إثبات أن المورثات هي أجزاء فعلية من عدد من الجسيمات الخيطية المتناهية في الصغر والدقة والرقة توجد في داخل نواة الخلية الحية، وتعرف باسم الجسيمات الصبغية أو الصبغيات‏(Chromosomes)‏ بسبب قدرتها الفائقة على اكتساب الصبغة المضافة إلى الخلية بشكل أوضح من بقية أجزائها‏،‏ ومن خلال دراسته للصبغيات في خلايا جسم الإنسان تعرف مورجان على الصبغي المختص بالتكاثر‏(ReproductiveChromosome)‏، واقترح فكرة التخطيط الوراثي للكائنات الحية‏ ـ‏ أي رسم خرائط وراثية تفصيلية للصبغيات ـ‏ باعتبار الصبغيات مسئولة عن نقل الصفات من الوالدين إلى المولود‏.‏
في سنة‏(1955‏ م‏)‏ تمكن كلٌ من الأمريكي جيمس واطسون والبريطاني فرنسيس كريك
‏(
James Watson and Francis Crick)‏ من التعرف على التركيب الكيميائي للصبغيات، وإثبات أنه جزيء من الحمض النووي الريبي المنقوص الأكسجين ‏(DeoxyribonucleicAcidorDNA)‏ الذي تكتب بمكوناته الشفيرة الوراثية لكل كائن حي‏.‏
ومع تطور الأجهزة العلمية خلال القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين تطور علم الأجنة تطوراً مذهلاً‏,‏ وكان في كل خطوة يخطوها يثبت صدق كل ما جاء في كتاب الله وفي سنة خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ تعالى الله عليه وسلم‏ ـ‏ من أن جنين الإنسان ينتج من اتحاد واندماج النطفتين الذكرية والأنثوية ليكونا معاً النطفة الأمشاج‏ ـ‏ المختلطة‏ ـ التي يقدر فيها خلق الجنين بتقدير من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وأن هذه النطفة الأمشاج تتخلق منها الأجنة في بطون الأمهات عبر عدد من الأطوار المتتالية التي عجز العلم المكتسب ـ في قمة لم يصلها من قبل ـ عن تسميتها‏,‏ واكتفى بالتعبير عنها بعدد الأيام من أعمارها‏,‏ وسماها القران الكريم بأسماء النطفة‏,‏ ثم العلقة‏,‏ ثم المضغة‏,‏ فالعظام‏,‏ فكسوة العظام باللحم‏,‏ ثم إنشاء الجنين خلقا آخر
"‏ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ‏ " (المؤمنون:14)

ثانيا‏ًً:‏ في قوله ـ تعالى‏ ـ:" ..‏ خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ ‏.. ":‏
في الوقت الذي ساد غالبية الناس الاعتقاد الخاطئ بتخلق الإنسان تخلقاً ذاتيا‏ًً‏ تلقائياًَ سابق التشكيل‏,‏ كامل الهيئة‏,‏ في صورة مصغرة جداً لا تكاد أن تُرَى‏,‏ ثم يزداد في الحجم بمرور الوقت حتى يكتمل نمو الجنين‏,‏ جاء القرآن الكريم بإثبات الخلق على مراحل متتالية عبر عنها بقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ: "‏ خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ " (الزمر:6)، وفصل هذه المراحل في سبع مراحل متتالية أثبتتها الدراسات العلمية في العقود القليلة الماضية، وسماها القرآن الكريم بأسمائها المحددة التالية‏:‏
‏(1)‏ طور النطفة‏:‏ وهي في اللغة تعبير عن القليل من الماء الذي يعدل قطرة إلى بضع قطرات‏,‏ واستخدمها القرآن الكريم للتعبير عن خلية التكاثر‏
(Gamete)‏ سواءً كانت مذكرة‏(Sperm)‏ أو مؤنثة‏(Ovum).
‏(2)‏ طور النطفة الأمشاج‏:‏ وهي في اللغة المختلطة، والنطفة مفرد‏,‏ وأمشاج جمع مشيج‏,‏ واستخدم الجمع للتعبير عن خلط أكثر من شيئين؛ لأن الذي يختلط فيها ليس مجرد خليتي التكاثر الذكرية والأنثوية‏,‏ ولكن ما بداخل كل واحدة منهما من مكونات وأهمها الشفرة الوراثية التي تشمل في الخلية العادية الواحدة من الخلايا البشرية ‏18.6‏ بليون جزيء كيميائي من القواعد النيتروجينية، والسكر، والفوسفات، وتحمل نصف هذا العدد كل خلية من خلايا التكاثر‏.‏
يكتمل عدد كلٍ من الصبغيات وما تحمله من جزيئات كيميائية تكتب الشفرة الوراثية للجنين عبر التقدير الإلهي الذي يعبر عنه في لغة العلم باسم برمجة المورثات أو البرمجة الجينية‏
(Genetic Programming).‏
فبعد ساعات من إخصاب البييضة‏ ـ‏ وبها ‏23‏ صبغيا‏ ـ‏ بالحيوان المنوي ـ‏ وبه نفس العدد‏ ـ يكتمل عدد الصبغيات المحدد للنوع البشري‏ ـ ‏ صبغياً في‏23‏ زوجاً‏ ـ‏ وفي أثناء عملية الاختلاط تلك تتحدد الصفات التي يرثها الجنين من الأبوين، وتعرف باسم الصفات السائدة‏ (Dominant Characters)‏، وهي التي سوف تظهر عليه بعد اكتمال نموه‏,‏ كما تتنحى صفات أخرى تعرف باسم الصفات المستترة، أو المتنحية‏ (Recessive Characters)،‏ والتي قد تظهر في الأجيال التالية‏؛ وذلك لأن كل صفة من الصفات تورث مرتين‏,‏ مرة من جانب الأب والأجداد من جهته‏,‏ ومرة من جانب الأم والأجداد من جهتها‏,‏ فتسود إحداهما وتتنحي الصفة الأخرى بتقدير من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وبذلك يتم تقدير صفات الجنين في مرحلة النطفة الأمشاج‏(Zygote)‏، ولذلك قال‏ ـ تعالى ـ:‏" قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ‏ .‏ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ‏ .‏ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ " ‏(‏سورة عبس‏:17‏ ـ‏19)‏.
وهذا التقدير يمتد عبر القرون ليتصل بالأجداد العلا إلى أبينا آدم وأمنا حواء‏ ـ‏ عليهما السلام‏ ـ‏ ومن المعجز حقاً أن يشير المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ إلى تلك الحقيقة من قبل أن يعرف شيئاً عن قوانين الوراثة بأكثر من اثني عشر قرناً
،فقد أخرج كل من ابن جرير وابن أبي حاتم أن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ سأل رجلا فقال له‏:‏ ما ولد لك؟ قال الرجل‏:‏ يا رسول الله، ما عسى أن يولد لي؟ إما غلام وإما جارية‏.‏ قال ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ:‏" فمن يشبه؟ قال الرجل‏:‏ يا رسول الله، من عسى أن يشبه؟ إما أباه وإما أمه‏.‏ فقال الرسول‏ ـ صلوات الله وسلامه عليه‏ ـ:‏ أمه‏..‏ لا تقولن هكذا‏.‏ إن النطفة إذا استقرت في الرحم احضرها الله ـ تعالى ـ كل نسب بينها وبين آدم‏، أما قرأت هذه الآية في كتاب الله ـ تعالى‏ ـ: "‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ " (الانفطار:8) قال‏:‏ أي شكلك .‏
وتعبير النطفة الأمشاج هو أول تعبير علمي دقيق عن تخلق الجنين باتحاد النطفتين الذكرية والأنثوية‏,‏ وهي حقيقة لم يعرفها العلم المكتسب إلا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي‏(1775‏ م‏/1186‏ هـ‏).‏

ويتضمن التقدير الذي يحدث عند عملية الإخصاب تحديد الجنس ذكراً كان أم أنثى، وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى ‏.‏ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى " ‏(‏ النجم‏:46,45).‏وبعد إتمام عملية التقدير تبدأ النطفة الأمشاج بالانقسام السريع إلى خلايا أصغر فأصغر حتى تتحول إلى كتلة كروية من الخلايا الأرومية تعرف باسم التويتة ‏(Morula)،‏ ثم تتمايز التويتة إلى طبقة خارجية وأخرى داخلية مكونة ما يعرف باسم الكيسة الأرومية (Blastocyst)‏ التي تبدأ في الانغراس بجدار الرحم في اليوم السادس من تاريخ الإخصاب‏,‏ وتعرف هذه المرحلة باسم مرحلة الغرس أو الحرث(Implantation)‏،وتستغرق أسبوعاً كاملاً إلى اليوم الرابع عشر حتى يتم انغراس الكيسة الأرومية في جدار الرحم، فتنتقل من طور النطفة إلى طور العلقة‏.‏
‏(3)‏ طور العلقة‏:‏ بمجرد إتمام تعليق الكيسة الأرومية بجدار الرحم بواسطة المشيمة البدائية التي تتحول فيما بعد إلى الحبل السري‏,‏ يبدأ طور العلقة‏ ـ‏ من اليوم الخامس عشر إلى الخامس والعشرين ـ‏ وذلك باطراد النمو‏,‏ وتعدد الخلايا‏,‏ وبدء تكوين الأجهزة، واستطالة الجنين ليأخذ شكل دودة العلق‏
(Leech)في شكلها‏,‏ وفي تعلقها بجدار الرحم‏‏ تماماً كما تتعلق الدودة بجسم العائل الذي تتطفل عليه,‏ وفي تغذيته على دم الأم ـ‏ تماماً كما تتغذى دودة العلق على دم الحيوان الذي تتعلق به‏ ـ‏ وعلى ذلك فإن التعبير القرآني عن هذه المرحلة‏(‏ بالعلقة‏)‏ يعتبر سبقاً علمياً معجزاً في زمن لم تتوفر أية وسيلة من وسائل التكبير، أو التصوير، أو الكشف لطور يتراوح طوله بين ‏0,7‏ ـ من المليمتر و‏3,5‏ ملليمتر‏.‏

‏(4)‏ طور المضغة‏:‏ ببدء ظهور عدد من فلقات الكتل البدنية‏
(Somites)‏ على جسم العلقة تبدأ بفلقة واحدة في منتصف الأسبوع الرابع من عمر الجنين، وتنتهي إلى حوالي‏40‏ ـ‏45‏ فلقة‏، وفي بدايات الأسبوع الخامس تنتقل ‏(‏العلقة‏)‏ إلى طور‏ (‏المضغة‏)؛‏ لأن الجنين يبدو فيها كأنه قطعة صغيرة من اللحم الممضوغ الذي بقيت عليه طبعات أسنان الماضغ كما تبقى مطبوعة على قطعة من العلك الممضوغ،‏ ومن هنا كان السبق القرآني بوصف هذه المرحلة التي لا يتعدى طولها في نهاية عمرها‏(1‏ سم‏)‏ باسم‏(‏ المضغة‏)‏ إعجازاً ما بعده إعجاز، حيث لم يكن لأحد من الخلق إدراك لذلك في زمن الوحي‏,‏ ولا لأكثر من اثني عشر قرناً من بعده‏.‏
(5)‏ طور العظام‏:‏ في خلال الأسبوع السابع من عمر الجنين يبدأ انتشار الهيكل العظمي في جسم الجنين‏,‏ وذلك بالتكلس التدريجي للغضاريف التي تم تكونها في مرحلة المضغة حول عدد من المنابت العضوية‏,‏ وبتكون العظام يبدأ الجنين ‏(‏ الذي يتراوح طوله بين‏14‏ و‏20‏مم‏)‏ في اكتساب استقامة جذعه‏,‏ وبروز أطراف أصابعه‏,‏ وظهر حويصلات مخه‏. ووصف القرآن الكريم لتخلق العظام في مرحلة ما بعد المضغة سبق علمي معجز، حيث لم يكن لأحد من الخلق إلمام بتلك الحقيقة قبل القرن العشرين‏.‏
‏(6)‏ طور كسوة العظام باللحم‏:‏ في خلال الأسبوع الثامن من عمر الجنين تبدأ عملية كسوة العظام باللحم ـ‏ العضلات والجلد‏ ـ ويكون طول الجنين في هذه المرحلة بين‏22‏ مم و‏31‏ مم، وتنشأ خلايا العضلات عادة من الطبقة المتوسطة للمضغة‏,‏ وتخرج من بين فلقاتها‏,‏ ولذلك تنشأ مجزأة‏,‏ وتنتقل بعيداً عن منطقة الفلقات الجسدية، ثم تنمو وتتصل مع بعضها البعض مكونة أعداداً من الخيوط والألياف والأنابيب العضلية التي تنتظم بالتدريج في حزم مميزة تكسو العظام وتتصل بأغشيتها مكونة ما يعرف باسم النسيج العضلي للظهر والبطن والأطراف‏,‏ ويزود كل قسم منها بفرع من العصب الشوكي‏.‏ وسبق القرآن بذلك من الأمور المعجزة حقاً‏.
‏(7)‏ طور التنشئة‏:‏ بدءاً من الأسبوع التاسع من عمر الجنين إلى نهاية فترة الحمل تأخذ صفاته الجسدية في التمايز بتكامل خلق كل أعضاء وأجهزة الجسم التي تنشط للعمل مع بعضها البعض في تناسق عجيب‏.‏
وفي هذه الرحلة يبدأ نمو الجنين ببطء حتى بداية الأسبوع الثاني عشر‏,‏ ثم تتسارع معدلات النمو في الحجم‏,‏ والتغير في الشكل، فتتحرك العينان إلى مقدمة الوجه‏,‏ وتنتقل الأذنان من الرقبة إلى الرأس‏,‏ ويستطيل الساقان بشكل ملحوظ‏,‏ ويتراوح طول الجنين بين‏33‏ مم و‏500‏مم‏.‏
وهذه المراحل السبع المتتالية في خلق الجنين تؤكدها الدراسات الحديثة‏,‏ ولا تميزها إلا بأيام العمر‏,‏ مع عجزها عن إعطائها مسمياتها الدقيقة‏,‏ وسبق القرآن الكريم بوصف هذه المراحل وترتيبها بهذه الدقة الفائقة في غيبة كل وسائل التكبير والتصوير والكشف‏,‏ من قبل أربعة عشر قرناً مما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية ـ على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية وإلى قيام الساعة‏,‏ ويشهد للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة والرسالة‏.‏

ثالثا‏ًً:‏ في قوله ـ تعالى‏ ـ:" ...‏ خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ‏... " :‏
يحاط الجنين في داخل الرحم بمجموعة من الأغشية هي من الداخل إلى الخارج كما يلي‏:‏ غشاء السلي أو الرهل‏(amnion),‏ والغشاء المشيمي‏(chorion),‏ والغشاء الساقط‏(Decidua),‏ وهذه الأغشية الثلاثة تحيط بالجنين إحاطة كاملة، فتجعله في ظلمة شاملة هي الظلمة الأولى،‏ ويحيط بأغشية الجنين جدار الرحم‏,‏ وهو جدار سميك يتكون من ثلاث طبقات تحدث الظلمة الكاملة الثانية حول الجنين وأغشيته‏.‏
والرحم المحتوي على الجنين وأغشيته في ظلمتين متتاليتين يقع في وسط الحوض‏,‏ ويحاط إحاطة كاملة بالبدن المكون من كلٍ من البطن والظهر‏، وكلاهما يحدث الظلمة الثالثة تصديقاً لقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:" ..‏. يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ‏... " (‏الزمر‏:6)‏.
وما كان أحد من الخلق يعلم بهذه الظلمات الثلاث في زمن الوحي‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إليها مما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ حتى يبقى حجة على الناس كافة إلى يوم الدين‏,‏ ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏.‏