" وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الغَائِبِينَ " (النمل:20)‏.



هذه الآية الكريمة جاءت في بداية الخمس الثاني من سورة النمل‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وعدد آياتها ‏(93)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى وادي النمل الذي مر به نبي الله سليمان وجنوده ،‏ فنطقت نملة بلغتها الخاصة بها آمرة بقية النمل بالدخول إلى مساكنهم ومحذرة إياهم من إمكانية أن يطأهم سليمان وجنوده بأقدامهم ، أو بحوافر خيلهم فيحطموهم وهم لا يشعرون‏ ,‏ وفي ذلك من الدلالات القاطعة على تملك النمل لقدر من الإدراك والفهم والنطق‏ ,‏ وكذلك بقية المخلوقات‏ .‏ والدراسات العلمية قد بدأت بالفعل في تأكيد ذلك‏ .‏ وسورة النمل  مثلها مثل السورة المتقدمة عليها في المصحف الشريف ـ‏ سورة الشعراء‏ ـ‏ والسورة اللاحقة بها‏ ـ سورة القصص‏ ـ تستعرض قصص عدد من الأمم السابقة لاستخلاص العبرة‏ ,‏ وتعلم الدرس من تعامل تلك الأمم مع رسالة السماء ونتائج ذلك التعامل‏ ,‏ ومقارنة مواقف الكفار والمشركين في الجزيرة العربية من خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ,‏ مع مواقف أمثالهم من رسلهم السابقين  ومواقف أمثال أمثالهم مع الدعاة إلى الله من بعد ذلك العصر وحتى يوم الدين ‏.
ويدور المحور الرئيسي للسورة الكريمة حول قضية العقيدة الإسلامية بركائزها المختلفة‏ ,‏ وقد استهلت سورة النمل بالحرفين المقطعين‏ (‏طس‏) ,‏ وهذه الفواتح الهجائية التي استهلت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم قيل فيها أنها رموز إلى كلمات أو معان أو أعداد معينة‏ ,‏ أو أنها أسماء للسور التي استهلت بها‏ ,‏ أو أنها من أساليب التحدي للعرب الذين عجزوا عن الإتيان بشيء من مثل سور القرآن الكريم‏ ,‏ ولسوف يعجزون إلى يوم الدين‏ ,‏ وقد أُنزل بلغتهم ، وتكونت كلمات آياته من نفس الحروف التي يستخدمونها، وقد كانوا أرباب فصاحة وحسن بيان‏ ,‏ أو أن هذه المقطعات هي وسيلة من وسائل حسن الاستهلال من أجل قرع الأسماع والقلوب لكي تنصت لآيات هذا الكتاب العزيز‏ ,‏ أو أنها شهادة على صدق نبوة الرسول الخاتم
‏ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ لنطقه بأسماء الحروف ، وهو الأمي والأمي لا ينطق إلا بأصوات الحروف‏ ,‏ ولا يعرف أسماءها‏ ،‏ أو أنها تجمع بين ذلك كله وأكثر منه‏ ,‏ وما لا علم لغير الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ به‏ ,‏ وما يعتبر من أسرار هذا الكتاب العظيم ‏.‏
وبعد هذا الاستهلال تستكمل أول آيتين في سورة النمل بالثناء على القرآن الكريم، وذلك بقول الحق
‏ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : ‏

" طس‌ تِلْكَ آيَاتُ القُرآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ‏‏" (النمل:1)‏ .
ثم تصف الآية التالية المؤمنين بأنهم
" الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ " (النمل:3)‏ . ‏‏وتصف الآيتان التاليتان الذين لا يؤمنون بالآخرة بأنهم‏ " ‏يعمهون‏ "‏ أي يتيهون في ضلالاتهم التي يتحيرون فيها كثيراً ويترددون‏ ,‏ ثم يأتي الحكم الإلهي ‏" أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ العَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ ‏‏" (‏النمل:5)‏ .
وتمتدح الآيات القرآن الكريم مرة أخرى، وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ليقول له : ‏
" وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ " (‏النمل:6)‏ .
كذلك استعرضت سورة النمل لمحات من سير عدد من أنبياء الله ورسله مؤكدة وحدة الرسالة السماوية التي تكاملت في بعثة الرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ .‏ وفي هذا السرد الإلهي تبدأ السورة الكريمة بلمحة من قصة نبي الله موسى‏ ـ‏ على نبينا وعليه من الله السلام‏ ـ‏ حين ناجاه ربهـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ بالبقعة المباركة من أرض سيناء‏ ,‏ وكلفه بإبلاغ رسالته إلى فرعون وقومه‏ ,‏ وأعطاه تسع آيات تشهد له بالنبوة وبالرسالة‏ ,‏ ثم كيف كذب بها فرعون وملأه حين جاءهم موسى بها، واعتبروها ضرباً من السحر‏ ,‏ على الرغم من تيقنهم من صدقها‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ : " ‏فَلَمَّا
جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ . وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُواًّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ " (النمل14 ,13) .‏
ثم جاء ذكر كلٍ من داود وولده سليمان‏ ـ على نبينا وعليهما من الله السلام‏ ـ في قول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ :‏ " وَلَقَدْ
آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ . وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ . وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ  " ‏(‏النمل15‏ ,‏17)‏ .

وكان الهدهد من ضمن ما حُشر لسليمان من الطير‏ ,‏ ولكنه عندما تفقده لم يجده‏ ,‏ فتوعده بعذاب شديد‏ ,‏ ثم فاجأه الهدهد بنبأ جاءه به من مملكة سبأ‏ ,‏ حيث وجد امرأة تحكمهم‏ ,‏ وقد أوتيت من كل شيء‏ ,‏ ولها عرش عظيم‏ ,‏ وأنها كانت ـ وقومها ـ يسجدون للشمس من دون الله‏ ,‏ وانتقد الهدهد ذلك كما جاء في قول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على لسانه إذ يقول‏ : " أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ . إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ .أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ " ‏(‏النمل22‏,‏26)‏ .
" قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ . إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ " (‏النمل29‏,‏31)‏ .
وبعد مشاورات مع أهل الرأي عندها قامت ملكة سبأ بإرسال هدية إلى سليمان فرفضها‏ ,‏ وتوعدها بالحرب‏ ,‏ وأمر بالاتيان بعرشها فجيء به إليه‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ :‏
" قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ . قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِراًّ عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ "  (النمل:38‏,‏40)‏ .
ثم جاءت ملكة سبأ لملاقاة سليمان‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ لتعلن إسلامها على يديه‏ ,‏ تائبة عن عبادة الشمس قائلة في ضراعة :
"‏ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ‏‏" ‏(‏النمل44) .
وبعد ذلك انتقلت سورة النمل إلى جانب من قصة نبي الله صالح ـ‏ عليه السلام‏ ، وكانت قبيلته ثمود في غالبيتها من المفسدين في الأرض، فدعاهم إلى الاستقامة على منهج الله‏ ,‏ وإلى عبادته وحده ـ سبحانه وتعالى ـ ‏ بغير شريك ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏،‏ ولكن قومه عارضوه‏ ,‏ ورفضوا دعوته‏ ,‏ ومكروا به‏ ,‏ وتآمروا عليه على الرغم مما أيده الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ به من المعجزات الشاهدة على صدق نبوته‏ ,‏ ولذلك دمرهم رب العالمين‏ ,‏ ونجَّى صالحاً ومن آمن معه‏ ,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ : ‏
" وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ . فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ . فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ " ‏ (النمل50‏ -‏53)‏ .
ثم عرجت سورة النمل إلى جانب من قصة نبي الله لوط‏ ـ عليه السلام‏ ، وصدود الكافرين المفسدين في الأرض من قومه عن دعوته‏ ,‏ وتآمرهم عليه من أجل إخراجه ومن آمن معه من قريتهم بدعوى أنهم أناس يتطهرون‏ ,‏ فأنزل الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ عقابه الصارم بهم‏ ,‏ ونجَّى لوطاً والذين آمنوا معه ‏.‏
ثم تستشهد سورة النمل بعدد من الآيات الكونية على وحدانية الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ,‏ وكررت بعد كل آية من هذه الآيات هذا الاستفسار التقريري‏ ,‏ التقريعي التوبيخي لكل مشرك في هذا الوجود والذي يقول فيه ربنا:-
‏ـ‏ تبارك وتعالى‏ :"‏ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ
" ‏...‏؟‏ " ,‏ ويأتي الجواب في كل مرة رادعا‏ًً ,‏ صادقاً‏ ,‏ عنيفاً بقول الحق‏ ـ‏ تبارك اسمه‏ : ‏‏"‏ بَل هُم قَومٌ يَعدِلُونَ " أي يميلون عمداً عن الحق الواضح، وهو التوحيد الخالص‏، "‏ بَل أكثَرُهُم لا يَعلَمُون " , "‏ قَليِلاً مَا تَذَكَرُون " , " تعالى الله عما يشركون" ,‏ و "قُل هَاتُوا بُرهَانَكُم إنْ كُنتُم صَادِقِين‏ " .‏
وتعاود الآيات في سورة النمل إلى وصف كلٍ من منكري الآخرة‏ ,‏ والمتشككين في إمكانية وقوعها بالعمى؛ لأنهم لا يرون الحق الأبلج الظاهر أمام أعينهم‏ ,‏ وتطالب خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بالرد عليهم مذكرة بعواقب المكذبين من الأمم السابقة، وذلك بقول الحق ـ‏ جل جلاله‏ :‏
" قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ‏" ‏(‏النمل:69)‏ .
ثم تؤكد الآيات في هذه السورة المباركة أن اليهود قد حرَّفوا دينهم‏ ,‏ واشتروا به ثمناً قليلاً‏ ,‏ وأن على الذين يطلبون الحق منهم ـ إن بقي بينهم طالب حق ـ أن يرجعوا إلى كتاب الله الخاتم‏ ,‏ المحفوظ بحفظ الله‏ ,‏ في نفس لغة وحيه‏ كلمة كلمة‏ ,‏ حرفاً حرفا‏ًً ,‏ وآية آية‏ ,‏ وسورة سورة‏ ,‏ والمحفوظ على مدى أربعة عشر قرناً، أو يزيد‏ ,‏ وإلى أن يرث الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ الأرض ومن عليها‏ ,‏ فتقول بأمر الله ـ عز سلطانه‏ : ‏
" إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ " ‏(‏النمل:77,76)‏ .
وتشير الآيات في سورة النمل إلى واحدة من العلامات الكبرى للساعة‏ ,‏ مؤكدة جحود أغلب الناس بآيات الله المقروءة في القرآن الكريم‏ ,‏ والمنظورة في أنفسهم وفي الآفاق من حولهم‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى : " وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ "
(النمل:82) . 
ثم تذكر الآيات بيوم البعث وأهواله‏ ,‏ وبعدد من الأحداث المصاحِبة له‏،‏ كما تصف تمايز الناس فيه إلى محسنين ومسيئين‏ ,‏ وجزاء كل فريق منهم‏ ,‏ وتنتهي إلى قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ على لسان خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ بما نصه‏ :
" إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ . وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ المُنذِرِينَ " ‏(‏النمل92,91)‏ .
وتختتم سورة النمل بآية تؤكد أن كنوز المعرفة الكونية في القرآن الكريم سوف تكتشف بعد زمن الوحي مع اتساع دائرة المعرفة الإنسانية جيلاً بعد جيل‏ ,‏ وأمة بعد أمة‏ ,‏ حتى يشهد كل عاقل في هذا الوجود بصدق القرآن الكريم‏ ,‏ وبصدق الرسول الخاتم الذي تلقاه، وفي ذلك يوجه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله فيقول :
" وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " (النمل93)‏ .
وفي هذه الخاتمة إشارة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً مضت إلى التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه اليوم ، والذي يعد به المستقبل القريب إن بقي للكون وللإنسان وجود‏،‏ وما كان لأحد في زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده إمكانية لاستشراف شيء من ذلك أبدا‏ًً .‏


ركائز العقيدة في سورة النمل :
(1)‏ الإيمان بالله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ رباً واحداً أحدا‏ً ,‏ هو رب العالمين‏ ,‏ وهو العزيز الحكيم‏ ,‏ وهو رب العرش العظيم ورب هذا الكون ومليكه‏ ,‏ وصاحب الحول والطول والقوة المطلقة‏ ,‏ ولا حول‏ ,‏ ولا طول‏ ,‏ ولا قوة إلا به‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ,‏ والإيمان بأنه‏ ـ‏ جل جلاله‏ ـ‏ هو الخلاق‏ ,‏ الرزاق‏ ,‏ الفتاح‏ ,‏ العليم‏ ,‏ واهب النعم‏ ,‏ ومُجري الخيرات‏ ,‏ وهو الغفور الرحيم‏ .‏
‏(2)‏ اليقين بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ منزَّه عن جميع خلقه‏ في ذاته وصفاته وأسمائه‏ ,‏ فلا يجوز دعاؤه بغير ما سمى به ذاته العلية من أسماء‏ ,‏ ولا يجوز وصفه إلا بما نعت به ذاته العلية من نعوت‏ ,‏ ولا يجوز تحديده بمكان أو زمان؛ لأنه خالق كلٍ من المكان والزمان‏ ,‏ ولا يجوز تجسيده في شكل مادة أو طاقة؛ لأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ هو مبدعهما‏ ,‏ والمخلوق لا يحد خالقه أبدا‏ًً .‏ ومن هنا فإن من أبشع صور الكفر بالله ـ‏ تعالى‏ ـ ادعاء الشريك‏ ,‏ أو الشبيه‏ ,‏ أو المنازع‏ ,‏ أو الصاحبة‏ ,‏ أو الولد له ـ سبحانه وتعالى ؛‏ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏ ,‏ والله ـ جل جلاله‏ ـ‏ منزه عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ لذلك كان توحيد الله‏ ـ تعالى ـ هو رسالته الأولى إلى جميع خلقه يوم خلق السماوات والأرض‏ ,‏ علمها لأبينا آدم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ لحظة خلقه‏ ,‏ ثم أنزل بها سلسلة طويلة من أنبيائه ورسله‏ ,‏ وأكملها وأتمها في رسالته الخاتمة‏ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة‏ ,‏ ولذلك تعهد بحفظهما إلى يوم الدين‏ ,‏ وقد حفظها على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية ‏.‏
‏(3)‏ الإيمان بوحي السماء‏ ,‏ وبوحدة الرسالة السماوية‏ ,‏ وبالأخوة بين الأنبياء‏ ,‏ وبأن جميع الرسالات السابقة علي بعثة المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد تكاملت بالرسالة الخاتمة التي تعهد ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بحفظها إلى يوم الدين ‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بحتمية الآخرة وبضرورتها‏ ,‏ وبالعلامات الدالة على بدء وقوعها، والتي استشهدت السورة بأعداد منها، مثل دابة الأرض التي تكلم الناس‏ ,‏ والإيمان بجميع المظاهر المصاحِبة للآخرة، ومنها النفخ في الصور مرتين‏ ,‏ وما تصحب كل واحدة منهما من فزع‏ ,‏ والبعث وأهواله‏ ,‏ والعرض الأكبر أمام الله ـ‏ تعالى ـ‏ ورهبته‏ ,‏ والحساب بعدل الله وقسطاسه‏ ,‏ والميزان ودقته‏ ,‏ والصراط وحدته‏ ,‏ والجزاء وإنصافه‏ ,‏ ثم الخلود بعد ذلك إما في الجنة أبدا‏ًً ,‏ أو في النار أبداً‏ .‏
‏(5)‏ التسليم بالغيوب المطلقة التي تحدث عنها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة‏؛‏ لأن مثل هذه الغيوب لا يمكن للإنسان الوصول إليها مهما تطورت قدراته البشرية‏ ,‏ واتسع علمه المكتسب ‏.‏
‏(6)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كلام الله الحكيم العليم‏ ,‏ وهو ‏
"‏ كِتَابٌ مُّبِينٌ‏ " ،‏ وأنه‏ " هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ " ,‏ وأنه يقص على أهل الكتاب‏ "‏ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ " , "‏ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ‏ " .‏
‏(7)‏ التصديق بكل ما جاء بالقرآن الكريم من قصص الأولين‏ ,‏ وبكل المعجزات التي أجراها ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على أيدي عدد من أنبيائه تأييداً لهم‏ ,‏ ودعماً لصدق رسالتهم ‏.‏
‏(8)‏ الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ هو الذي ينبت نبات الأرض وأشجارها بعلمه وحكمته وقدرته‏ ,‏ وهو الذي جعل الأرض قرارا‏ًً ,‏ وجعل خلالها أنهاراً‏ ,‏ وجعل لها رواسي‏ ,‏ وجعل بين البحرين حاجزا‏ ,‏ وهو الذي يهدي خلقه في ظلمات البر والبحر‏ ,‏ ويرسل الرياح بشري بين يدي رحمته ، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده‏ ,‏ وهو الذي يرزق خلقه من السماء ومن الأرض‏ ,‏ وهو الذي يعلم غيب السماوات والأرض ‏.‏
‏(9)‏ اليقين بأن ‏
" مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ . وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وَجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (‏النمل:90,89)‏             
‏(10)‏ الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ‏ قد حرم مكة المكرمة يوم خلق السماوات والأرض‏ ,‏ فهي أرض محرمة إلى يوم القيامة‏ .‏
‏(11)‏ اليقين بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ سوف يُرِي خلقه عظيم آياته التي أنزلها في محكم كتابه ، والتي أبرأها في الأنفس والآفاق حتى يشهد كل ذي بصيرة أن القرآن الكريم هو كلام الله الحق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله ‏،‏ وحفظه بعهده‏ في نفس لغة وحيه دون أدنى تبديل ، أو تحريف ، أو تغيير حتى يبقى حجة على جميع الخلق إلى يوم يبعثون ‏.‏



من التشريعات في سورة النمل :
‏(1)‏ التشريع بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ‏.‏
‏(2)‏ تحريم الشذوذ الجنسي تحريماً قاطعا‏ًً‏ على الرغم من محاولة مؤسسات الغرب تحليله والتشريع لتبنيه‏ ,‏ ولتبني زواج الشواذ مما يقضي على مؤسسة الأسرة‏ ,‏ ويؤدي إلى إفناء الجنس
البشري بالكامل ‏.‏
‏(3)‏ تحريم الظلم؛ لأنه من صور الإفساد في الأرض‏،‏ ولأن عواقبه وخيمة ‏.‏
‏(4)‏ الحث على صحبة الصالحين لما فيها من خير عميم ‏.‏
‏(5)‏ تحريم السجود لغير الله‏ ـ‏ تعالى‏ ؛‏ لأنه صورة من صور الشرك الذي حرمه الله‏ .‏
‏(6)‏ الحث على مداومة الشكر لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على عظيم نعمه‏ ,‏ وعلى استغفاره طلباً لرحمته‏ ,‏ وعلى التوكل عليه استعانة به‏ .‏
‏(8)‏ الحث على تلاوة القرآن الكريم، وعلى تدبر آياته‏ ,‏ ذلك الكتاب المبين الذي تلقاه النبي الخاتم من لدن الله الحكيم العليم‏ ,‏ الذي أنزله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ هدى‏ ,‏ ورحمة‏ ,‏ وبشرى للمؤمنين ‏.

من الإشارات الكونية في سورة النمل :
‏(1)‏ الإشارة إلى حقيقة الآخرة‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد أن الكون مستحدث، فإن‏‏ كانت له في الأصل بداية‏ ,‏ فإنه لابد وأن تكون له في يوم من الأيام نهاية لا يعلم موعدها إلا الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ؛ لأن العلوم المكتسبة لا تستطيع تحديدها رغم الشواهد المادية الكثيرة التي تؤكد حتمية وقوعها‏ .‏
‏(2)‏ الإشارة إلى عالمي الغيب والشهادة، والعلوم المكتسبة تؤكد أن الغيوب في الكون المدرك تفوق المشاهد منه بتسعة أضعاف على أقل تقدير‏؛ لأن المعلوم لنا من الجزء المدرك من الكون لا يتعدى ‏10%‏ من مجموع الكتل المحسوبة رياضياً ، وفيزيائياًًً ، وفلكياًً من أجل انتظام وجوده‏ .‏
‏(3)‏  إثبات أن لكل خلق من خلق الله ـ كالنمل والطير‏ ,‏ وغير ذلك من الكائنات الحية‏ ,‏ وحتى النباتات والجمادات ـ قدر من الوعي‏ ,‏ والإدراك‏ ,‏ والذاكرة‏ ,‏ والشعور‏ ,‏ والإحساس‏ ,‏ وله إيمان فطري بالله‏ ـ‏ تعالى‏ ,‏ وعبادة‏ ,‏ وتسبيح‏ ,‏ ولا يدرك ذلك إلا من وهبه الله‏ ـ تعالى‏ ـ شفافية خاصة لذلك‏ ,‏ كما أن لكل منها صورة من صور التعبير عن الذات‏ ,‏ والتفاهم والاتصال بالغير‏ ,‏ وتبادل المعلومات‏ ,‏ وقدرة على إصدار الأوامر وتلقيها، وعلى تنفيذها في أحسن صورة‏ . وعلوم سلوك الحيوان والنبات‏ ,‏ وحتى سلوك الجمادات قد بدأت في التعرف على بعض الجوانب في هذا المجال الغامض ‏.‏
‏(4)‏ إن في الإتيان بعرش الملكة من أرض سبأ إلى بيت المقدس في أقل من طرفة عين يشير إلى سرعات فائقة تقترب من سرعة الضوء‏ ,‏ ومثل هذه السرعات الفائقة لم يعرف إلا في القرن العشرين‏ ,‏ والإشارة إليها في القرآن الكريم، وهو كتاب أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبي أميـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ،‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين يعتبر سبقاً علمياً معجزاً يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية ‏.‏
‏(5)‏ التأكيد على خلق السماوات والأرض بالحق‏،‏ وعلى أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يبدأ الخلق ثم يعيده‏ . والمشاهدات في الكون كما تدونها العلوم الحديثة تؤكد ذلك وتدعمه‏ .‏
‏(6)‏ الإشارة إلى كلٍ من تصريف الرياح‏ ,‏ ودورة الماء حول الأرض بالتأكيد على إنزاله من السماء‏ ,‏ وإلى إنبات الأرض بمجرد إنزال الماء عليها‏ .‏
‏(7)‏ ذكر العديد من صفات الأرض ومنها أن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد جعلها قرارا‏ًً ,‏ وجعل خلالها أنهارا‏ًً ,‏ وجعل لها رواسي‏ ,‏ وجعل بين البحرين حاجزا‏ًً ,‏ وكلها من الحقائق التي لم يتمكن العلم من إثباتها إلا مؤخرا‏ًً .‏
‏(8)‏ الإشارة إلى هداية الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ لعباده في ظلمات البر والبحر بواسطة كلٍ من أضواء نجوم السماء‏ ,‏ وأنوار القمر‏ ,‏ وكلها من نعم الله العديدة على خلقه‏ ,‏ ومن صور رزقه المتعددة لهم، وهو الذي يرزقهم من السماء والأرض ‏.‏
‏(9)‏ التأكيد على أن كل مخلوق مهما تضاءلت صورته له قدر من الإيمان الفطري‏ ,‏ والتسبيح اللاإرادي‏ ,‏ والعبادة التسخيرية ‏،‏ والقدرات الذاتية من الوعي‏ ,‏ والإدراك‏ ,‏ والإحساس والشعور‏ ,‏ والذاكرة‏ ,‏ وقدرة الحكم على الأشياء بمنهجية صحيحة‏ ,‏ ومنطق سوي‏ ,‏ والتعبير عن ذاته‏ ,‏ وانطباعاته‏ ,‏ وأفكاره‏ ,‏ ومشاعره وعلى مشاركة غيره في ذلك‏ ,‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ يهب لمن يشاء من عباده القدرة على استيعاب ذلك وفهمه والتفاعل معه‏ .‏ ومن هنا كان تعليم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ عبده ونبيه سليمان لغة النمل ومنطق الطير‏ ,‏ وكانت إرادته ـ تعالى‏ ـ أن يتمكن أحد طيوره ـ وهو الهدهد ـ من نقل أخبار حضارة سبأ إليه حتى يأتوه مسلمين‏ .‏ والدراسات المستحدثة في علم سلوك الحيوان تشير إلى إمكانية ذلك وتدعمه ‏.‏
‏(10)‏ التلميح إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس بذكر تبادل كلٍ من الليل والنهار‏ ,‏ وبالإشارة إلى مرور الجبال مر السحاب، وهي تبدو للناظر إليها وكأنها جامدة راسخة في أماكنها‏ .‏
‏(11)‏ الإشارة إلى أن مستقبل البشرية في تطورها العلمي سوف يؤكد صدق ما جاء به القرآن الكريم من حقائق علمية‏ ,‏ وتاريخية‏ ,‏ ونفسية‏ ,‏ وتربوية‏ ,‏ وسلوكية ترددت في ثنايا رسالته الأساسية، وهي الدين‏‏ بركائزه الأربع الأساسية‏ : العقيدة‏ ,‏ والعبادة‏ ,‏ والأخلاق‏ ,‏ والمعاملات‏ ,‏ كي يكون في استمرارية ذلك ما يؤكد على صدق ما جاء به القرآن الكريم من غيب‏ ، وعلى صدق النبي الخاتم الذي تلقاه‏ ,‏ وليقيم الحجة بهذا الدين على الخلق أجمعين حتى يرث الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ الأرض ومن عليها ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي النقطة التاسعة في القائمة السابقة، والتي غطتها الآيات من رقم ‏(20)‏ إلى رقم‏ (26)‏ من سورة النمل‏ ,‏ وقبل البدء في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح ودلالة هذه الآيات القرآنية الكريمة‏ .

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ تعالى‏ : ‏
" وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الغَائِبِينَ . لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ . فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ . إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ .  وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ . أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ "  (‏النمل:20‏,‏26) .
ذكر صاحب الظلال‏ ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ‏ ما مختصره : "‏ ونجد أنفسنا أمام هدهد عجيب‏ ,‏ صاحب إدراك وذكاء وإيمان‏ ,‏ وبراعة في عرض النبأ‏ ,‏ ويقظة إلى طبيعة موقفه‏ ,‏ وتلميح وإيماء أريب ،‏ فهو يدرك أن هذه ملكة‏ ,‏ وأن هؤلاء رعية‏ ,‏ ويدرك أنهم يسجدون للشمس من دون الله‏ ,‏ ويدرك أن السجود لا يكون إلا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض‏ ,‏ وأنه هو رب العرش العظيم‏ .‏ وما هكذا تدرك الهداهد‏.‏ إنما هو هدهد خاص أوتي هذا الإدراك الخاص‏ ,‏ على سبيل الخارقة التي تخالف المألوف‏ .‏ "
‏‏ وقال بقية المفسرين كلاماً مشابهاً لا أرى حاجة إلى تكراره ‏.‏

من الدلالات العلمية للآيات الكريمة :
‏(‏الطائر‏)‏ في اللغة : هو كل حيوان من ذوات الفقار له جناحان يمكنانه من السبح في الهواء وإن لم يفعل ذلك ‏ ,‏ وجمعه ‏(‏طير‏)‏، وإن أطلق هذا اللفظ علي المفرد أيضا‏ًً .‏ وجمع الطير ‏(‏طيور‏)‏ و‏(‏أطيار‏) .‏
يقال‏ : (‏طار‏) (‏يطير‏) (‏طيرورة‏)‏ و‏(‏طيرانا‏) ,‏ و‏(‏أطاره‏)‏ غيره أو ‏(‏طيَّره‏)‏ أو‏(‏طايره‏)‏ بمعني واحد‏ ,‏ و‏(‏الطيار‏)‏ هو الذي يطير أو يقود طائرة‏ ,‏ وأرض ‏(‏مطارة‏)‏ أي كثيرة الطير‏ ,‏ و‏(‏المطار‏)‏ مكان انطلاق عمليات الطيران ويقال : (‏تطاير‏)‏ الشيء بمعني تفرق أو طال‏ ,‏ و‏(‏استطار‏)‏ بمعني انتشر‏ ,‏ و‏(‏استطير‏)‏ بمعني طير ‏.‏
و‏(‏طائر‏)‏ : الإنسان عمله الذي قلده أو طار عنه من خير أو شر ‏.‏
ويقال‏ : " كأن على رؤوسهم‏ (‏الطير‏) "‏ إذا سكتوا من هيبة أو خوف‏.‏ كما يقال : (‏تطيَّر‏)‏ فلان و‏(‏اطير‏)‏ بمعني تشاءم، وإن كان أصله التفاؤل بالطير ثم استعمل في كل ما يتفاءل به ويتشاءم‏ ,‏ وإن غلب استعماله في التشاؤم‏ ,‏ و‏(‏الطير‏)‏ و‏(‏الطيرة‏)‏ اسم من التطير أي التشاؤم‏ .‏ وفي الحديث :
" عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن ويكره الطيرة "(أخرجه الإمام أحمد) .‏
ولفظة ‏(‏الطير‏)‏ جاءت في القرآن الكريم في ستة عشر موضعا‏ًً ,‏ وجاء الفعل ‏(‏يطير‏)‏ مرة واحدة‏ ,‏ وجاءت لفظة ‏(‏طائر‏)‏ بمعناها الحيواني مرة واحدة كذلك‏ ,‏ ولفظة‏ (‏طيرا‏ًً)‏ جاءت ثلاث مرات‏ ,‏ وجاء الفعل‏ (‏تطيَّر‏)‏ و‏(‏اطَّيَّر‏)‏ و‏(‏يطير‏)‏ بمعني تشاءم مرة واحدة لكل‏ ,‏ وجاء الاسم‏ (‏طائركم‏)‏ بمعني شؤمكم مرتين‏ .‏
وجاء لفظ‏ (‏طائر‏)‏ بمعني العمل مرتين‏ ,‏ وجاءت الصفة ‏(‏مستطيرا‏ًً)‏ بمعني فاشياً منتشراً مرة واحدة ‏.‏
وجاء اسم طائر‏ (‏الهدهد‏)‏ مرة واحدة في القرآن الكريم‏ ,‏ وهو طائر أنيق‏ ,‏ يتسم بالذكاء‏ ,‏ واليقظة‏ ,‏ والحذر وسرعة الملاحظة‏ ,‏ وقوة الذاكرة‏ ,‏ وسعة الحيلة‏ ,‏ والإيمان الفطري‏ ,‏ والتسبيح اللاإرادي‏ ,‏ والقدرة على التعبير‏ ,‏ وتوحيد الله ـ تعالى ـ‏ بصورة تكاد تكون متصلة‏ ,‏ والدعوة إلى الخير بلا توقف‏ ,‏ وإلى عبادة الله‏  ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ وحده‏ ,‏ ولذلك نهي رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ عن قتله بما جاء في حديث أبي هريرة‏ (رضي الله عنه‏)‏ قال فيه :‏
" نهي النبي‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ عن قتل أربع من الدواب‏ النملة‏ ,‏ والنحلة‏ ,‏ والهدهد‏ ,‏ والصرد " ‏. (أخرجه كل من الأئمة أحمد‏ ,‏ وأبي داود‏ ,‏ وابن ماجه‏) .‏

والهدهد اسمه العلمي‏ (Upupaesp)‏ واسمه الدارج باللغة الإنجليزية (Hoopoe)‏، وُينسب إلى فصيلة الهداهد‏ (FamilyUpupidae)،‏ وهي من فصائل الطيور ذات المنقار العظمى ‏(Hornbill)‏، ولا يعرف منها أكثر من سبعة أنواع من الهداهد التي تعتبر من الطيور النادرة في أوروبا والأمريكتين‏ ,‏ وإن انتشرت في كلٍ من المناطق الاستوائية والمعتدلة من القارتين الإفريقية والآسيوية‏ .‏
والهدهد طائر صغير يبلغ طوله حوالي‏30‏ سنتيمترا‏ًً ,‏ ويتميز بأرجله القصيرة وأقدامه العريضة‏ ,‏ ومخالبه القوية‏ ,‏ وتاجه الريشي الجميل وذيله المربع‏ ,‏ وريشه المزخرف‏ ,‏ ومنقاره الطويل‏ الرقيق‏‏ المعقوف قليلاً إلى الأسفل‏ ,‏ وجناحاه العريضان المدوران‏ ,‏ وصوته الموسيقي الناعم الذي يتردد مرة كل ثانيتين تقريباً ‏.‏
والهدهد يمشي على الأرض بخطي سريعة‏ ,‏ ويجري بسرعة ملحوظة‏ ,‏ ويعيش عادة في المناطق المفتوحة‏ ,‏ المكسوة بالخضرة إلى مسافات كبيرة‏ ,‏ والنائية عن السكان‏ ,‏ ويُرى أفرادا‏ًً ,‏ وفي بعض الأحيان يُرى أزواجاً‏ ,‏ وفي البعض النادر يُرى في جماعات‏ .‏ والهدهد يطير بقوة وبمباشرة فيها شيء من الفجائية‏ ,‏ ويحط على الأرض باندفاع وفجائية كذلك‏،‏ ويتغذي أساساً على الحشرات ويرقاتها‏ ,‏ وعلى بعض اللافقاريات الصغيرة من مثل العناكب‏ ,‏ وذوات المائة قدم‏ ,‏ وديدان الأرض‏ ,‏ وغيرها‏ .‏
وبما وهبه الله‏ ـ تعالى ـ‏ من قوى الذكاء الفطري يستطيع الهدهد تخليص فريسته مما لا يفيده هو من طعام من مثل الأصداف‏ ,‏ والأجنحة‏ ,‏ والأرجل‏ ,‏ والزوائد الأخرى‏ ,‏ وذلك بضرب فريسته في الأرض عدة مرات حتى يتخلص من تلك الأجزاء التي لا تفيده‏ ,‏ ثم يمزق الفريسة المنظفة بواسطة منقاره‏ ,‏ ويبتلعها جزءاً جزءاً ‏.‏
والهدهد يستخدم الفتحات والفراغات الموجودة في العديد من الأشجار أو في فتحات الصخور أو في أسقف وجدران المباني لاستعمالها عشاً له ولفراخه بعد فرشها بالقش‏ ,‏ أو الأعشاب‏ ,‏ أو أوراق الشجر‏ ,‏ حيث تضع الأنثى بيضها وتحتضنه لمدة‏ (16)‏ إلى ‏(19)‏ يوماً ولا تغادره حتى يفقس‏ ,‏ وعلى الذكر أن يوافيها بالطعام طوال هذه المدة‏ .‏ وبعد أن يفقس البيض‏ ,‏ وتخرج منه الفراخ الصغار تحتضن الأم صغارها لمدة ثمانية أيام أخرى في المتوسط؛ لأنها قد تزيد على ذلك وقد تقصر‏ ,‏ والهداهد من أكثر الطيور وفاء لأمهاتها‏ ,‏ وحناناً على صغارها‏ .‏
والعلوم المكتسبة، وإن أدركت مؤخراًً قوة الملاحظة‏ ,‏ والتمييز‏ ,‏ والقدرة على التعبير في العديد من الحيوانات‏ ـ ومنها الطيور‏ ـ‏ إلا أنها لا تستطيع أن تعرف بدقة قدرات كل كائن حي على إدراك الأحداث التي تمر أمام ناظريه‏ ,‏ وعلى الانفعال بها‏ ,‏ والتفاعل معها ولا كيفيات عمل المخ في كل واحد من هذه الكائنات الحية‏ ,‏ وإن تحققت من قدراتها على السمع والإبصار‏ ,‏ والمعرفة‏ ,‏ وتخزين المعلومات‏ ,‏ واجترارها‏ ,‏ وتمييزها‏ ,‏ وتبويبها‏ ,‏ والانفعال بها‏ ,‏ والتعبير عن ذلك بوسائلها المختلفة‏.‏ والاكتشافات الأخيرة في علوم سلوك الحيوان تؤكد ذلك وتدعو إليه‏ ,‏ وقد صدرت مؤلفات عديدة بعناوين، مثل ذكاء الحيوان وقدرته على كل من التفكير والسلوك
‏ (
AnimalIntelligence ,ThinkingandBehhviour)‏، وعندما تبكي الفيلة ‏(WhenElephantsWeep) .
وسبق القرآن الكريم بالإشارة إلى هذه الحقائق من قبل أن يصل إليها علم الإنسان بأكثر من ألف وأربعمائة سنة مما يقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية ، وحفظه كلمة كلمة‏ ,‏ وحرفاً حرفاًً‏ ,‏ في صفائه الرباني‏ ,‏ وإشراقاته النورانية‏ ,‏ وبكل ما جاء فيه من حق حتى يبقى حجة على جميع الخلق إلى يوم الدين‏ ,‏
" وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ " .
‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراًً ‏.