" فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ " (المائدة:35).


هذا النص القرآني الكريم جاء في بداية الربع الثاني من سورة المائدة‏ ,‏ وهي سورة مدنية‏ ,‏ وعدد آياتها‏ (120)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وهي من طوال سور القرآن الكريم‏ ,‏ ومن أواخرها نزولا‏ ,‏ فقد نزلت بعد صلح الحديبية أي في السنة السادسة من الهجرة‏ ,‏ وسميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى المائدة التي أنزلها الله‏ (تعالى ‏)‏ من السماء كرامة لعبده ورسوله المسيح عيسي ابن مريم‏ (عليهما السلام‏) .‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة المائدة حول التشريع بعدد من الأحكام اللازمة لإقامة الدولة الإسلامية‏ ,‏ وتنظيم مجتمعاتها على أساس من الإيمان بوحدانية الخالق‏ (سبحانه وتعالى ‏) ,‏ وألوهيته‏ ,‏ وربوبيته‏ ,‏ بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏ ,‏ وبتفرده بالوحدانية الكاملة وبالحاكمية المطلقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ ومن ثم كان حقه وحده في التشريع لعباده وكانت أول بنود هذا التشريع الإسلامي هو عقد الإيمان بالله ربا‏ ,‏ وبالإسلام دينا‏ ,‏ وبسيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ نبيا ورسولا‏ ,‏ وهذا العقد هو القاعدة التي تقوم عليها سائر العقود في حياة الناس‏ ,‏ أفرادا وجماعات‏ ,‏ ومن هنا نصت السورة الكريمة على الوفاء بالعقود وعلى بيان الحلال والحرام في العديد من القضايا التي منها الذبائح‏ ,‏ والصيد‏ ,‏ والإحرام‏ ,‏ ونكاح الكتابيات‏ ,‏ حد كل من الردة والسرقة‏ ,‏ أحكام كل من الطهارة والإحرام بأي من الحج أو العمرة‏ ,‏ وحكم كل من الخمر والميسر‏ ,‏ وكفارة اليمين‏ ,‏ وتحريم قتل الصيد في الإحرام‏ ,‏ أحكام الوصية عند الموت‏ ,‏ وتحريم ترك العمل بشريعة الله‏ ,‏ وأحكام البحيرة والسائبة‏ ,‏ وأحكام كل من الولاء والبراء‏ ,‏ وحدود كل من البغي
‏ ,‏ والإفساد في الأرض‏ ,‏ وعلاقات المسلمين بغيرهم من أصحاب الملل والنحل المختلفة‏ ,‏ والتحذير من الافتتان بالكافرين‏ ,‏ أو من الحيود عن تطبيق العدل الإلهي تحت ضغوط أي من المشاعر الشخصية حتى يصل المسلمون إلى الكمال البشري الذي يصفه الله‏ (تعالى ‏)‏ بقوله العزيز ‏
" اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (المائدة3) .‏
ويتخلل آيات التشريع في سورة المائدة تأكيد سمو العقيدة الإسلامية‏ ,‏ واستعراض قصص عدد من السابقين لاستخلاص العظة والعبرة‏ ,‏ ومنها قصة ولدي آدم‏ قابيل وهابيل‏ وقتل الأول منهما أخاه رمزا للصراع بين الحق والباطل في هذه الحياة‏ .‏ وتأمر الآيات في سورة المائدة المؤمنين أن يكونوا قوامين لله شهداء بالقسط وتبشرهم بالمغفرة والأجر العظيم‏ ,‏ وتتهدد الذين كفروا وكذبوا بآيات الله أن مصيرهم إلى الجحيم‏ ,‏ وكذلك مصير المشركين .‏
وتعرض سورة المائدة لعقائد الكفار والمشركين وترد عليها‏ ,‏ وقد نسبوا إلى الله‏ (تعالى‏)‏ من الأوصاف والنعوت ما لا يليق بجلاله‏ ,‏ ونقضوا العهود والمواثيق‏ ,‏ وتنادي السورة الكريمة على أهل الكتاب بنداء يتكرر عدة مرات وذلك من مثل قول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) : ‏
" يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (المائدة19)‏ .
ثم تعرض السورة الكريمة لعدد من الأحكام المتعلقة بحماية النفس‏ ,‏ والمال والملكيات الفردية‏ ,‏ والمجتمعات الإنسانية‏ ,‏ وصيانتها من كل انحراف‏ ,‏ كما تعرض للسلطة وحقوقها‏ ,‏ وإلى ضرورة الحكم بما أنزل الله‏ ,‏ وتجرم الخروج على ذلك‏ ,‏ لأن حق التشريع بالحل والحرمة هو لله‏ (تعالى ‏)‏ وحده‏ .‏
وتفصل سورة المائدة قضية الولاء والبراء مؤكدة دورها في ضبط سلوك الأفراد والجماعات في الدولة المسلمة‏ ,‏ وتعرج إلى إقرار عدد من الأحكام الشرعية مؤكدة تحريم كل من الخمر‏ ,‏ والميسر‏ ,‏ والأنصاب والأزلام‏ ,‏ وتدعو إلى تعظيم كل من الكعبة المشرفة والأشهر الحرم‏ ,‏ وتأمر بطاعة الله ورسوله وتنهى عن مخالفتهما‏ ,‏ وتذكر بحتمية الآخرة‏ ,‏ وتدعو إلى عدم الانبهار بكثرة الباطل وأهله‏ ,‏ وإلى إنكار كل ما بقي من تقاليد الجاهلية‏ ,‏ و‏ (‏ما أكثرها في زمننا‏) .‏
وتختتم سورة المائدة بالتذكير بيوم القيامة الذي سوف تبعث فيه الخلائق للحساب والجزاء‏ ,‏ وفي مقدمتهم الأنبياء والمرسلون وبالإشارة‏ ,‏ إلى عدد من المعجزات التي أيد الله‏ (تعالى‏)‏ بها عبده ورسوله المسيح عيسي ابن مريم ومنها إنزال المائدة من السماء‏ ,‏ وقد سميت السورة باسمها‏ ,‏ ومنها تبرئة السيد المسيح وأمه الصديقة مريم ابنة عمران مما افتري عليهما به من دعاوي الألوهية الكاذبة‏ ,‏ وكلاهما من عباد الله الصالحين‏ ,‏ والله واحد أحد لا شريك له في ملكه‏ ,‏ ولا منازع له في سلطانه‏ ,‏ ولا حاجة به إلى الصاحبة أو الولد‏ ,‏ وكلها من صفات المخلوقين‏ ,‏ والله‏ (تعالى‏)‏ منزه عن جميع صفات خلقه ‏
" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" ‏(‏الشوري11) .‏


من التشريعات الإسلامية في سورة المائدة:
(1)‏ الوفاء بالعقود أي العهود المؤكدة بين العباد وخالقهم‏ ,‏ وبينهم وبين بعضهم البعض‏ ,‏ فمن العقود ما ألزم الله‏ (تعالى ‏)‏ به عباده‏ ,‏ وعقده عليهم من التكاليف من مثل شهادة أنه لا إله إلا الله‏ ,‏ وأن محمدا عبد الله ورسوله‏ ,‏ وإقام الصلاة‏ ,‏ وإيتاء الزكاة‏ ,‏ وصوم رمضان‏ ,‏ وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا‏ .‏ ومن العقود ما يعقده الناس فيما بينهم من عقود المعاملات‏ ,‏ والأمانات وغيرها مما يجب شرعا الوفاء به أي الإتيان به وافيا غير منقوص‏
.‏
(2)‏ تحليل أكل لحوم الأنعام وألبانها إلا ما حرم الله‏ (تعالى ‏)‏ منها‏ ,‏ كالخنزير والبهيمة اسم لذوات الأربع من الدواب‏ ,‏ ولفظة الأنعام يطلقها العرب على كل من الإبل‏ ,‏ والبقر‏ ,‏ والغنم‏ ,‏ والماعز‏ ,‏ وإن كان أكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل‏ ,‏ وألحق بها في حل الأكل ما يماثلها من الثدييات اللبونة المجترة المقتصرة على أكل الأعشاب كالظباء‏ ,‏ والغزلان‏ ,‏ والزراف‏ ,‏ وبقر الوحش‏ ,‏ وأشباهها‏ .‏
‏(3)‏ تحريم الصيد على المحرم أو حتى مجرد الانتفاع به سواء كان المحرم في الحل أو في الحرم‏ ,‏ وفي حكم المحرم من كان مقيما في الحرم وليس محرما‏ ,‏ وكفارة ذلك‏ .‏
‏(4)‏ احترام حرمة الدين وشعائره من مثل الكعبة المشرفة‏ ,‏ وحرمها والحج ومناسكه‏ ,‏ والأشهر الحرم الأربعة والامتناع عن الاقتتال فيها‏ ,‏ وحرمة ما يهدي إلى البيت الحرام‏ ,‏ وما يقلد به الهدي‏ ,‏ وحرمة الحجاج القاصدين البيت الحرام‏ ,‏ وحرمة أمنهم وسلامتهم ‏ .‏
‏(5)‏ الأمر بالتعاون على البر والتقوى‏ (أي على فعل الطاعات‏ ,‏ واجتناب المنكرات والمنهيات‏)‏ والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان أي عن مجاوزة حدود الله تعالى .‏
(6)‏ تحريم كل من الميتة‏ ,‏ والدم‏ ,‏ ولحم الخنزير‏ , وما أهل لغير الله به‏ ,‏ والمنخنقة والموقوذة‏ ,‏ والمتردية‏ ,‏ والنطيحة‏ ,‏ وما أكل السبع‏ (إلا ما أدرك ذكاؤه أي إتمام ذبحه قبل أن يموت‏) ,‏ وما ذبح على النصب‏ , (وهي أحجار كانت تعظم في الجاهلية‏ ,‏ ويذبح عليها وهي غير الأصنام‏) ,‏ إلا من اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ‏ .‏
(7)‏ تحريم الاستقسام بالأزلام أي محاولة استشراف المستقبل بواسطة القداح‏ ,‏ وهي سهام كانت لديهم في الجاهلية‏ ,‏ ولا تختلف عن غيرها من وسائل الدجل المعاصرة من مثل قراءة الطالع‏ ,‏ أو الفنجان‏ ,‏ أو فتح أوراق اللعب وغيرها‏ ,‏ لأن ذلك كله خروج عن طاعة الله وعن الاستسلام لقدره‏ .‏
(8)‏ لا يجوز للمسلم أن يخشي غير الله أبدا‏ ,‏ خاصة أهل الكفر والشرك لأنهم أضعف من الضعف لمبارزتهم الله بالمعاصي‏ ,‏ فالله لا يرضى عنهم أبدا‏ ,‏ ويرضى عن المسلمين الذين أكمل لهم دينهم‏ ,‏ وأتم عليهم نعمه‏ ,‏ ورضي لهم الإسلام دينا‏ ,‏ ومن كان في جوار الله كان الله في جواره‏ ,‏ ولا يقوى على مواجهة الله أحد من خلقه بل لا يقوى على ذلك جميع خلقه ‏ .‏
(9)‏ أحل الله‏ (تعالى ‏)‏ للمسلمين كل الطيبات‏ ,‏ وهو ما أذن في أكله بما في ذلك صيد البحر وطعامه‏ ,‏ وصيد البر غير المحرم بعد ذكر اسم الله على وسيلة الصيد من الجوارح قبل إطلاقها‏ .‏ ومما أحل الله‏ (تعالى)‏ لعباده المسلمين ذبائح أهل الكتاب وطعامهم إذا ذكروا عليها اسم الله أثناء الذبح‏ .‏
(10)‏ أحل الله‏ (تعالى)‏ للمسلمين زواج المحصنات من المؤمنات‏ ,‏ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبل‏ ,‏ أي العفيفات المترفعات عن الرذائل‏ ,‏ وذلك بالطرق الإسلامية المشروعة بعد دفع مهورهن‏ ,‏ وعدم الاختلاء بهن قبل الزواج بدعوى الصداقة أو حسن التعرف كما يجري في هذه الأيام‏ .‏
(11)‏ فصلت الآيات في سورة المائدة أحكام الطهارة في جميع الحالات‏ .‏
(12)‏ الأمر بالعدل في كل أمر‏ ,‏ وبتقوى الله‏ (تعالى‏)‏ في السر والعلن‏ ,‏ وبالتوكل على الله حق التوكل‏ ,‏ وبالنهي عن الاعتداء على الآخرين‏ .‏
(13)‏ تحريم القتل بغير الحق تحريما قاطعا‏ .‏
(14)‏ تحريم قطع الطريق وتحديد عقوبته‏ .‏
(15)‏ الأمر بتقوى الله‏ ,‏ وابتغاء الوسيلة إليه‏ ,‏ والجهاد في سبيله‏ .‏
(16)‏ تحريم السرقة وتحديد عقوبتها‏ ,‏ والنهي عن أكل السحت بأشكاله المختلفة‏ .‏
(17)‏ تأكيد ضرورة الحكم بما أنزل الله‏ .‏
(18)‏ إنزال حكم القصاص‏ ,‏ فمن تصدق به فهو كفارة له‏ .‏
(19)‏ إنزال حكم الولاء والبراء‏ ,‏ وحكم الردة‏ ,‏ وحكم الحنث في اليمين‏ .‏
(20)‏ تحريم الشرك بالله تحريما قاطعا‏ ,‏ ومساواته بالكفر بالله‏ ,‏ وإنزال حكم الله فيه‏
" إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ " (المائدة72)‏ .
(21)‏ تحريم كل من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام واعتبارها رجسا من عمل الشيطان يجب على المسلم اجتنابه .‏
(22)‏ الأمر بطاعة الله ورسوله‏ ,‏ وبعمل الصالحات وبالإحسان إلى الخلق ‏ .‏
(23)‏ حكم الوصية ساعة الاحتضار أو قبل ذلك ‏ .‏

من ركائز العقيدة في سورة المائدة:
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ ,‏ وملائكته‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسوله‏ ,‏ واليوم‏ ,‏ الآخر‏ ,‏ وبالقدر خيره وشره‏ .‏
‏(2)‏ الإيمان ببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ الذي أكمل الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ به الدين‏ ,‏ وأتم النعمة‏ ,‏ ورضي لعباده المؤمنين الإسلام دينا‏ .‏
‏(3)‏ اليقين بأن الرسالة الخاتمة جاءت لتبين لأهل الكتاب كثيرا مما اختلفوا فيه‏ .‏
‏(4)‏ اليقين بأن الشرك يساوي الكفر بالله وكلاهما من الكبائر‏ .‏
‏(5)‏ الإيمان بأن لله ما في السماوات‏ ,‏ وما في الأرض وما بينهما‏ ,‏ وأنه‏ (تعالى‏)‏ على كل شيء قدير وإليه المصير‏ ,‏ وأنه رب هذا الكون ومليكه بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة ولا ولد لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏ ,‏ والله‏ (سبحانه وتعالى ‏)‏ منزه عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏
‏(6)‏ الإيمان بوحدة رسالة السماء‏ ,‏ وبالأخوة بين الأنبياء الذين بعثوا جميعا برسالة واحدة هي الإسلام الذي تكامل في بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ,‏ في القرآن الكريم وفي سنة هذا النبي الأمين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏
‏(7)‏ الإيمان الجازم بأن المسيح عيسي ابن مريم هو عبد الله ورسوله‏ ,‏ وأنه خلت من قبله الرسل‏ ,‏ وأنه بشر بمقدم خاتم الأنبياء‏ ,‏ والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ من بعده‏ ,‏ وأن الفضل في المعجزات التي أكرمه الله‏ (تعالى ‏)‏ بها يعود لله‏ (تعالى ‏)‏ ولا فضل له فيها‏ ,‏ وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام‏ .‏
‏(8)‏ الإيمان بأنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .

‏(9)‏ الإيمان بأن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم‏ .‏
‏(10)‏ الإيمان بالحقيقة القرآنية التي مؤداها‏ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون‏ .‏
(11)‏ الإيمان بأن حزب الله هم الغالبون‏ .‏


من الإشارات العلمية في سورة المائدة :
‏(1)‏ تحريم كل من الميتة‏ ,‏ والدم‏ ,‏ ولحم الخنزير‏ ,‏ وما أهل لغير الله به‏ ,‏ والمنخنقة‏ ,‏ والموقوذة‏ ,‏ والمتردية‏ ,‏ والنطيحة‏ ,‏ وما أكل السبع إلا ما ذُكِّي‏ .‏ والعلم يؤكد أخطار تناول مثل هذه اللحوم‏ .‏
‏(2)‏ التأكيد على البينية الفاصلة بين الأرض والسماوات‏ ,‏ والعلم يؤكد حقيقة ذلك‏ .‏
‏(3)‏ تأكيد حقيقة تحريف اليهود كتابهم‏ ,‏ وأنهم سماعون للكذب أكالون للسحت‏ ,‏ يسارعون في الإثم‏ ,‏ والعدوان‏ ,‏ وأنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا‏ ,‏ والأحداث الراهنة تؤكد حقيقة ذلك وتدعمه‏ .‏
‏(4)‏ تحريم كل من الخمر‏ ,‏ والميسر‏ ,‏ والأنصاب والأزلام‏ ,‏ والعلم يؤكد ضرورة ذلك التحريم‏ .‏
‏(5)‏ تأكيد كرامة الكعبة المشرفة بجعلها قياما للناس‏ ,‏ والعلم يثبت تميز موقعها‏ .‏
‏(6)‏ الإشارة إلى أن كثيرا من الناس لفاسقين وتسابق الإدارات الغربية على إباحة زواج الشاذين في هذه الأيام إثبات مادي لذلك ‏ .‏
(7)‏ اختيار الغراب بالذات ودون غيره من الطيور والحيوانات لتعليم قابيل كيف يواري سوءة أخيه‏ .‏ والعلم أثبت أنه أذكي الطيور على الإطلاق‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة السابعة من القائمة السابقة التي فصلتها الآية رقم‏ (31)‏ من سورة المائدة‏ ,‏ ولكن قبل الوصول إلى مناقشة دلالتها العلمية لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة‏ .‏



من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله تعالى :
" فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ " (المائدة31)‏ .
‏‏ ذكر ابن كثير‏ (رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏ قال السدي‏ لما مات الغلام تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن‏ ,‏ فبعث الله غرابين أخوين‏ ,‏ فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه‏ ,‏ فحفر له‏ ,‏ ثم حثي عليه‏ ,‏ فلما رآه قال
" يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي "‏ (المائدة31)‏ , وقال ابن عباس‏ جاء غراب إلى غراب ميت فحث عليه من التراب حتى واراه‏ .‏
وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه إلا أن مستشاري أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم أضافوا في الهامش ما نصه‏ تشير هذه الآية إلى أول دفن في الإنسانية‏ ,‏ وكيف أن الدفن في التراب كان وحيا من الله سبحانه وتعالى عن طريق عمل الغراب وحكمة ذلك إرشاد الإنسان إلى أن الدفن يمنع انتشار الأمراض‏ ,‏ بجانب ذلك فإنه إكرام للميت‏ .‏
وقصة ابني آدم جاءت الإشارة إليها باقتضاب شديد في الإصحاح الرابع من سفر التكوين‏ ,‏ وإن تبدل اسم قابيل إلى قاين
‏ (CAIN)‏ وبقي اسم هابيل على حاله‏ ,‏ ولكن حرف في الترجمة الانجليزية إلى أبل‏ (ABEL) ,‏ وجاءت القصة مقتضبة اقتضابا شديدا‏ ,‏ ومليئة بأسماء عديدة ولكنها لم تشر إلى قصة الغراب أو إلى عملية دفن قابيل جثة أخيه هابيل‏ ,‏ وحرصت فقط على رص أسماء الأبناء والزوجات‏ ,‏ والأحفاد وأحفاد الأحفاد‏ ,‏ ففقدت الهدف من ذكرها‏ ,‏ والرمزية إلى الدروس المستفادة منها‏ ,‏ ومن أبرزها طبيعة الصراع بين الخير والشر في هذه الحياة‏ .‏
وإذا علمنا أن التوراة قد فقدت ولم تكتب إلا بعد موسي عليه السلام بأكثر من عشرة قرون على أفضل الفروض أدركنا ضعف حجية ما يسمي الكتب الخمسة على أنها هي التوراة‏ ,‏ وقد جاء في دائرة المعارف البريطانية الجزء الثاني ص‏882‏ تحت مسمي التوراة ما ترجمته (يجب التفريق بين عملية تقنين التوراة ككتاب وبين العملية التي تم بواسطتها نمو المكونات المختلفة وغير المتجانسة‏ ,‏ لهذا الكتاب‏ ,‏ ويضيف المقال‏ أن التحرير النهائي لكتاب التوراة‏ ,‏ واعتباره كتابا مقدسا قد تم أثناء النفي البابلي بين القرنين السادس والخامس قبل الميلاد‏ .‏


من الدلالات العلمية للنص الكريم :
من الدلالات العلمية المستوحاة من هذا النص القرآني الكريم أن الغراب طائر شديد الذكاء‏ ,‏ ومن أوضح الأدلة على ذلك أنه يدفن موتاه‏ ,‏ ولا يتركها نهبا للجوارح من الطيور ولغيرها من الحيوانات المفترسة أو للتعفن والتحلل في الجو صونا لكرامة الميت وترفقا بالبيئة والأحياء فيها‏ .‏ وقد ثبت أن الغراب يقوم بحفر الأرض بواسطة كل من مخالبه ومنقاره ليكون حفرة عميقة فيها ثم يقوم بطي جناحي الغراب الميت وضمهما إلى جنبيه‏ ,‏ ورفعه برفق لوضعه في قبره ثم يهيل عليه التراب حتى يخفي جسد الميت تماما كما يفعل المسلمون بموتاهم احتراما لهذا الجسد حيا وميتا‏ .‏
والغراب
‏ (CROW)‏ طائر أسود اللون‏ ,‏ خشن الصوت‏ ,‏ يأكل الخضراوات واللحوم وإن كان ميله لأكل اللحوم أكبر‏ ,‏ ويعرف العلماء اليوم من أنواع الغراب أكثر من خمسة وثلاثين نوعا تنتشر في مختلف بيئات الأرض‏ ,‏ وهو يتبع جنس‏ (CORVUS)‏ وعائلة‏ (CORVIDAE)‏ وللغربان قدرة فريدة على صناعة الأدوات الحجرية لاستخدامها في الحفر والتنقيب على الحشرات في شقوق الأرض لافتراسها والتغذي عليها‏ ,‏ ولاستخدامها أيضا في حفر قبور موتاه ‏ .‏

وقد ثبت علميا بالدراسة والملاحظة أن الغراب هو أذكي الطيور وأمكرها على الإطلاق‏ ,‏ ولا يدانيه في الذكاء والمكر إلا بعض الببغاوات‏ ,‏ ويعلل ذلك بأن الغراب يملك أكبر حجم لنصفي المخ بالنسبة إلى حجم الجسم في كل الطيور المعروفة‏ ,‏ التي يقدر عدد أنواعها بأكثر من عشرة آلاف نوع‏ ,‏ وأفرادها بعشرات البلايين‏ .‏ ولذلك تظهر علامات الذكاء المتميز على الغراب من مثل المعرفة‏ ,‏ الإدراك‏ ,‏ الذاكرة‏ ,‏ القدرة على الاتصال‏ ,‏ التحايل على حل المشكلات‏ ,‏ بناء مجتمعات دقيقة التنظيم‏ ,‏ القيام بالعديد من الأعمال الجماعية من مثل الصيد الجماعي‏ ,‏ والدفاع الجماعي‏ ,‏ والرعاية الجماعية للصغار‏ ,‏ واللعب الجماعي‏ ,‏ والبناء الجماعي للأعشاش‏ ,‏ والمحاكاة والفضول وحب الاستطلاع‏ ,‏ وشدة اليقظة والانتباه‏ ,‏ وقوة الملاحظة والقدرة على الإدراك‏ ,‏ وعلى التحايل في اختطاف الطعام وفي طرائق إخفائه‏ ,‏ وعلى التمييز في التعامل بين القريب والغريب ‏ .‏ فقد شوهدت الغربان وهي تلقي على الطرق العامة ما لم تستطع فتحه من الثمار والأصداف الصلدة مثل جوز الهند‏ ,‏ وأصداف بلح البحر‏ ,‏ وبعض الحيوانات الكبيرة الحجم مثل السنجاب كي تقوم السيارات المارة بدهسها وإعدادها لقمة سائغة لها‏ ,‏ كما شوهدت الغربان وهي تقلد الصيادين في عمليات صيد السمك بمهارة فائقة‏ ,‏ وفي ترطيب الطعام الجاف بالماء ‏.‏
وللغربان محاكم تلتزم قوانين العدالة الفطرية‏ ,‏ تحاكم الجماعة فيها أي فرد يخرج على نظامها من مثل محاولات التعدي على حرمات غراب آخر من أنثى أو فراخ أو عش أو طعام‏ ,‏ ولكل جريمة عند جماعة الغربان عقوبتها الخاصة بها‏ ,‏ ففي حالة اغتصاب طعام الفراخ الصغار تقوم جماعة الغربان بنتف ريش الغراب المعتدي حتى يصبح عاجزا عن الطيران كالفراخ الصغار قبل اكتمال نمو ريشها‏ ,‏ وفي حالة اغتصاب العش وتهدمه في مراحل الدفاع عنه تكتفي محكمة الغربان بإلزام المعتدي ببناء عش جديد لصاحب العش المعتدَى عليه‏ ,‏ وقد يتبع ذلك الطرد من الجماعة إذا تكررت الأخطاء من هذا النوع‏ ,‏ وفي حالة اغتصاب أنثي غراب آخر فإن جماعة الغربان تقضي بقتل المعتدي ضربا بمناقيرها حتى الموت .‏
وتنعقد محاكم الغربان عادة في حقل من الحقول الزراعية أو في أرض فضاء واسعة‏ ,‏ تتجمع فيه هيئة المحكمة في الوقت المحدد‏ ,‏ وينحي الغراب المتهم تحت حراسة مشددة‏ ,‏ وتبدأ محاكمته فينكس رأسه‏ ,‏ ويخفض جناحيه‏ ,‏ ويمسك عن النعيق اعترافا بذنبه .‏
فإذا صدر الحكم بالإعدام وثبت جماعة الغربان على المذنب توسعه تمزيقا بمناقيرها الحادة حتى الموت‏ ,‏ وحينئذ يحمله أحد الغربان بمنقاره ليحفر له قبرا يتواءم مع حجم جسده‏ ,‏ يضع فيه جسد الغراب القتيل ثم يهيل عليه التراب احتراما لحرمة الموت .‏
وهكذا تقيم الغربان العدل الإلهي في الأرض أفضل مما يقيمه كثير من بني الإنسان‏ ,‏ فالعدل في الغربان من الأمور الغريزية الفطرية لأنها لا تشرع لنفسها‏ ,‏ ولكنها تتحرك بفطرتها المسلمة بأن الحاكمية لله وحده ومن أهم بنودها التشريع‏ ,‏ فالمشرع هو الله سبحانه وتعالى الذي شرع لكل الخلائق وغرس شريعته في جبلة كل مخلوق غير مكلف حتى أصبح العدل الإلهي جزءا لا يتجزأ من تكوينهم وفطرتهم‏ ,‏ أما الإنسان‏ ,‏ ذلك المخلوق المكلف فيحاول التشريع من عنده بعلمه المحدود‏ ,‏ وقدراته المحدودة حتى نسي العدل الإلهي‏ ,‏ وأراد إقامة عدل نسبي من عنده فظلم نفسه وظلم غيره ‏.‏
والغربان من الطيور آكلة كل من النبات والحيوان‏ ,‏ وإن كان ميلها لأكل الحيوان أكبر‏ ,‏ فهي تأكل الحبوب والثمار‏ ,‏ والفراشات‏ ,‏ والجراد‏ ,‏ والضفادع‏ ,‏ والفئران‏ ,‏ والبيض‏ ,‏ وفراخ الطيور الأخرى‏ ,‏ كما تأكل النفايات والجيف‏ .‏ وبذلك تلعب دورا مهما في تنظيف وتطهير البيئة‏ ,‏ ففي كل عام تزيل الغربان وأشباهها من الطيور الجارحة آلاف الأطنان من الجيف المتجمعة على الأرض‏ ,‏ وملايين الحشرات والديدان‏ ,‏ خاصة الحشرات الوبائية التي تصيب العديد من المحاصيل الزراعية فتحد من انتشارها‏ .‏

وعلى الرغم من هذه الميزات العديدة للغربان فقد درج بعض الناس على التشاؤم من رؤيتها‏ ,‏ وذلك بسبب التقاطها البذور المبذورة في الأرض من قبل إنباتها‏ ,‏ أو قضائها على بعض المحاصيل الزراعية من قبل جمعها‏ ,‏ أو وهي في مراحل الدراس والتذرية‏ ,‏ وافتراسها بعض الحيوانات الأليفة مثل الدجاج وفراخه وبيضه ‏ .‏ والغربان من طائفة الطيور‏ (CLASSAVES)‏ وهي طائفة من الحيوانات الفقارية تتميز بالريش الذي يغطي جسمها وبوجود عدد من أجهزة العزل الحراري الجيد ويعمل الريش على تجميع الهواء بداخله‏ ,‏ وتدفئته ليساعد بذلك على حفظ درجة حرارة الجسم التي تتميز بالثبات‏ ,‏ والارتفاع إلى ما هو أعلى من درجة حرارة جسم الإنسان بعدة درجات‏ ,‏ ولتحقيق ذلك جعل الله تعالى للطيور عددا من الأكياس الهوائية بالإضافة إلى الرئتين‏ ,‏ وتنتشر هذه الأكياس في مختلف أجزاء الجسم الطائر بما في ذلك العظام الكبيرة مما يعين على تخفيف وزن جسم الطائر‏ ,‏ ومساعدته على الطيران‏ ,‏ كما يزيد من حجم الحيز المتوفر لتخزين الهواء إلى عشرة أضعاف حجم الرئتين‏ .‏ ويساعد على الاحتفاظ بدرجة حرارة ثابتة في داخل جسم الطائر‏ ,‏ كذلك مرور كميات كبيرة من الأكسجين المصاحب لهذا الهواء مما يعين على ارتفاع معدل التمثيل الغذائي‏ ,‏ وعلى دوران الدم بشكل سريع وفعال في الجسم‏ ,‏ ويحفظ الدم المؤكسد بعيدا عن الدم غير المؤكسد‏ ,‏ مما يعين بعض الطيور على العيش في المناطق الباردة والمتجمدة‏ .‏ وهناك أكثر من عشرة بلايين طائر بري تعيش على مختلف قارات الأرض‏ ,‏ بالإضافة إلى بلايين الطيور البحرية التي تعيش على محيطاتها وعلى الجزر المنتشرة في تلك المحيطات‏ .‏
وتتميز الطيور عموما بالعيون التي وهبها الله تعالى القدرة على الرؤية من ارتفاعات شاهقة ولمسافات شاسعة‏ ,‏ وبعدد من مراكز التنظيم الحركي على درجة كبيرة من الكفاءة‏ ,‏ ويتضح ذلك في الغراب بشكل واضح ‏ .‏ ويرجع تاريخ الطيور على الأرض إلى نحو ‏150‏ مليون سنة مضت في العهد الجوري المتأخر‏ ,‏ وإن لم تنتشر انتشارا واسعا إلا في العهد الطباشيري المتأخر أي منذ تسعين مليون سنة مضت تقريبا‏ ,‏ ولم تخلق الطيور الحديثة إلا منذ ستين ‏60‏ مليون سنة مضت تقريبا أي في العهد القديم لفجر الحياة الحديثة الباليوسين‏ ,‏ ولم تنتشر انتشارا واسعا إلا في عهد الإيوسين منذ خمسة وخمسين مليون سنة مضت‏ .‏
وعلى ذلك فالغراب سابق في وجوده للإنسان على الأرض بأكثر من ‏55‏ مليون سنة على أقل تقدير‏ ,‏ وبذكائه وملكاته الفطرية التي وهبه إياها الله حق له أن يقف من ابني آدم موقف المعلم الذي علم قابيل قاتل أخيه هابيل كيفية دفن أول قتيل من بني آدم‏ ,‏ وأن الدفن في التراب بالإضافة إلى ما فيه من تكريم للميت‏ ,‏ يمنع انتشار الكثير من الأمراض والأوبئة‏ ,‏ ويحافظ على نظافة البيئة وطهارتها ‏ .‏
ومن صور ذكاء الطيور بصفة عامة تلك القدرة الفائقة للطيور المهاجرة في التعرف على أماكن فقسها وتربيتها‏ ,‏ والعودة إليها مهما كانت أبعاد المسافات بينها‏ ,‏ ومازالت البحوث العلمية دائبة على دراسة نظم هجرة الطيور وفي محاولة لفهم الطرق التي تتعرف بها على الاتجاهات في مثل هذه الرحلات الطويلة‏ .‏ والمراقبون للطيور والدارسون لسلوكها لا يستطيعون تفسير عملية تحديد أعداد الطيور من نوع معين في مكان محدد‏ ,‏ في زمن محدد من أزمنة السنة‏ ,‏ وبقاء هذا العدد ثابتا ثباتا نسبيا‏ .‏ ولا يستطيعون تفسير كيفية تحديد مناطق النفوذ لكل نوع من أنواع الطيور‏ .‏ ومعظم الطيور ومنها الغربان لها أرض خاصة لجمع الغذاء أو الصيد‏ ,‏ غير الأرض التي تعيش فيها‏ .‏ وعادة ما تكون أرضا مألوفة لها تمتد على مساحة من عشرات إلى مئات الكيلومترات المربعة لا تغيرها إلا مع تغير الظروف البيئية‏ ,‏ وتأثير ذلك على وفرة الطعام‏ .‏
والطيور في تحركها من أوكارها إلى مناطق صيدها أو رعيها‏ ,‏ أو في هجراتها المختلفة تعتمد على اتجاه الرياح‏ ,‏ وغير ذلك من الظروف الجوية‏ ,‏ وعلى موقع الشمس كدليل ملاحي‏ ,‏ وعلى المجالات المغناطيسية للأرض‏ ,‏ وهذا يعني وجود ساعة حياتية تعطي للطائر إحساسا بالوقت وبالتغيرات الفصلية‏ ,‏ كالتغير النسبي في طول كل من النهار والليل مع تغير الفصول المناخية‏ ,‏ ويبقى هذا التوازن ثابتا حتى تحت ظروف التجارب المصطنعة كالظلام المستمر أو النور المستمر‏ .‏
والطيور ومنها الغربان كما تستخدم حواسها المختلفة في التوجيه كالنظر الحاد‏ ,‏ والشم لأقل نسب من الروائح‏ ,‏ والإحساس بفروق درجات الحرارة‏ ,‏ وغير ذلك‏ ,‏ من المتغيرات المناخية‏ ,‏ فإنها تتأثر بالمجال المغناطيسي للأرض‏ ,‏ وبأية تغيرات فيزيائية أو كيميائية أخري في غلافها الغازي‏ .‏
والغراب كغيره من الطيور له قدرة فائقة على تحويل وسائل إدراكه من حاسة إلى أخرى بمنتهى السهولة‏ ,‏ وذلك بالإلهام والفطرة
‏ (
INSTINCT) ,‏ وبالتوجيه‏ (ORIENTATION) ,‏ وبالتعود‏ . (HABITULATION)‏ وبالارتباط بالجماعة‏ (LEARNINGBYASSOCIATION) ,‏ والتعلم بالتمييز بين الأشياء‏ (LEARNINGBYDISCRIMINATION) ,‏ والتعلم بالتجربة والخطأ ‏LEARNINGBYTRIALANDERROR)) ,‏ والتعلم بحل المشكلات ‏LEARNINGBYPROBLEM-SOLVING))‏ وبالانطباع في الذاكرة‏ (MEMORYIMPRINTING) ,‏ أو بتأثير البيئة المثالية للنوع‏ (EFFECTOFTHESPECIES-TYPICALENVIRONMENT) ,‏ وهذا كله مما يؤكد أن الطيور ومنها الغربان لها عقل‏ ,‏ وذاكرة‏ ,‏ وقدرات إدراكية واعية تحكم سلوكها الاجتماعي بالتعاون والمنافسة والتأقلم‏ ,‏ ولها مهارات اتصال فائقة‏ .‏
(
EXCELLENTCOMMUNICATIONSKILLS)‏ منها الاتصال الصوتي اللفظي‏ ,‏ والسمعي‏ ,‏ والبصري‏ ,‏ والإشاري‏ ,‏ واللوني أي بتغيير الألوان وبالتنبيه المتبادل‏ (RECIPROCALSTIMULATION) .

‏وبتطبيق هذه المهارات على مدى يزيد على ‏55‏ مليون سنة تكونت عند الغربان حصيلة تجربة هائلة تناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل حتى جاء خلق الإنسان ذلك المخلوق المكرم ولكنه كان قليل الخبرة في بدء الخلق فأرسل الله تعالى إليه غرابا يعلمه كيف يواري سوءة أخيه ‏.‏ ويقرر القرآن الكريم في آيات عديدة أن الطيور تسبح الله تعالى ,‏ وهي ليست وحدها في ذلك‏ ,‏ فجميع الكائنات الحية‏ ,‏ بل وكل الجمادات‏ ,‏ بل الكون بكل ما فيه يعبد الله تعالى ويسبحه ويمجده إلا عصاة الإنس والجن‏ .‏
كما يقرر القرآن العظيم أن جميع الدواب والطيور وغير ذلك من المخلوقات هي أمم كأمثال الأمم الإنسية لها منطق‏ (أي لغات‏)‏ تتفاهم بها فيما بينها‏ ,‏ وتنسق روابطها الفردية والجماعية بواسطتها‏ ,‏ وتتمتع بقدر من الشعور والإدراك الخاص الذي تتفاوت فيه الكائنات من كائن إلى آخر‏ ,‏ وتعاون الفطرة السليمة‏ ,‏ والإلهام والتسخير تلك المخلوقات غير المكلفة في الثبات على منهج الله‏ .‏
من هنا تتضح روعة الإشارة القرآنية إلى الغراب‏ ,‏ معلم الإنسان الأول كيفية الدفن الصحيح للموتى‏ ,‏ ويأتي العلم في قمة من عطائه ليؤكد لنا أن الغراب قد وهبه الله تعالى من المواهب الحسية والمعنوية ما جعله أذكى الطيور على الإطلاق‏ ,‏ وأقدرها على التحايل‏ ,‏ وأنه يملك أكبر حجم لنصفي المخ بالنسبة إلى حجم الجسم في جميع الطيور المعروفة لنا‏ ,‏ والتي يزيد عدد أنواعها على العشرة آلاف نوع‏ ,‏ وأن له من حدة البصر ما يمكنه من التقاط التفصيلات من الارتفاعات الشاهقة على مساحات تقدر بمئات الكيلومترات المربعة وبتفاصيل تفوق قدرة الإنسان بثلاث إلى أربع مرات‏ .‏
والسؤال الذي يفرض نفسه هو‏ إذا كان القرآن الكريم من كتابة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما يدعي كثير من الجهلة المفسدين في مختلف بقاع الأرض فمن الذي أعلمه أن الغراب هو أذكى الطيور ليختاره لمهمة تعليم الإنسان الأول كيفية دفن الميت؟ وإذا كان الادعاء الباطل بأنه استمد هذا العلم من بقايا كتب سابقة على رسالته فموضوع الغراب ليس مذكورا عندهم‏!!‏ .
إن هذه الإشارة على بساطتها تقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه اللغة العربية ليبقى حجة على الناس جميعا إلى قيام الساعة‏ .‏

فالحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ,‏ والحمد لله على حفظ هذا الدين العظيم الإسلام في صياغته الربانية‏ ,‏ وإشراقاته النورانية‏ ,‏ وفي كماله وتمامه في القرآن الكريم‏ ,‏ وفي سنة خاتم النبيين‏ ,‏ ولا يمكن المقارنة بين كلام البشر وكلام الله في تمامه وكماله وصدقه وحجيته اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد وأنت خير الشاهدين‏ .‏ وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‏ .‏