خلق الموت مع خلق الحياة


"الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ " (الملك: 2).
وجاء الفعل (مات) بمشتقاته وتصريفه فى القرآن الكريم مائة وخمسا وستين(165) مرة، ومن هذه المرات جاء ذكر( الموت) فى خمسة وثلاثين (35) موضعا. ويعرف (الموت) بانه مفارقة الحياة، وهو مصير محتوم على ل حى بتقدير من الله تعالى، لا يستطيع أحد الهروب منه، ولا التقدم أو التأخر عنه. وقد فرضه ربنا تبارك وتعالى على جميع خلقه ليفرق بين خلوده وفناء خلقه، وديمومته(سبحان وتعالى) ومرحلية جميع المخلوقين فى هذه الحياة ، ليتفرد – جل جلاله- بالألوهية والربوبية والوحدانية الطلقة فوق جميع خلقه، وليجبر المخلوقين على الخضوع لجلاله بالموت، مؤكداً له بمحدودية كل منهم بأجله ،لكى تستمر الحياة حسب مخطط- سبحانه وتعالى- جيلا بعد جيل حتى يرث الأرض ومن عليها.

ويعرف (الموت) بمفارقة الحياة بعد توقفها بالكامل، وذلك لأنه ضد الحياة ونقيضها. يقال للحى: (مات) (يموت) و(يمات) فهو (ميت) بتشديد الياء وتسكينها إذا فارقته الحياة. ويستوى فى ذلك المذكر والمؤنث لقول الله تعالى: " لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ....." (الفرقان: 49).
هذا، وقد يعبر بـ( الموتة الصغرى) عن النوم، وذلك لقول ربنا (تبارك وتعالى):" وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ .. "( الأنعام: 60)،ولقوله ( عز من قائل): " اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسْمًّى... " (الزمر:42).

وفى قول ربنا( وهو أكم القائلين): الذى خلق الموت ذكر لأغلب المفسرين ان من معانيها أنه (تعال) أوجد الخلائق من العدم، واستشهدوا بحديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) الذى رواه قتادة (رضى الله عنه) فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله أذل بنى آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء" (رواه ابن أبى حاتم).
وأشار نفر من المفسرين إلى إختلاف المتكلمين فى (الموت) حيث قال بعضهم: إنه أمر موجود مخلوق وهو ضد الحياة، وقال البعض الآخر: إن الموت أمر عدمى فإذا انعدمت الحياة مات المخلوق الحى، وبناء على هذا الفهم اعتبروا (خلق الموت) الوارد فى الآية الثانية من سورة الملك بمعنى (التقدير)، أى أن لله تعالى خلق الحياة لأنه أمر وجودى، وقدر الموت بنهاية تلك الحياة، فإذا جاء أجل النهاية انعدمت الحياة، وقال البعض الأخر: إن (الموت) أمر وجودى كالحياة، أى أنه عند نهاية الحياة يخلق الله شيئا يسمى (الموت)، ويؤكد ذلك حديث ذبح الموت الذى رواه ابو سعيد الخدري( رضى الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:" يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادى مناد: يا أهل الجنة، فيشربون وينظرون، فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه . ثم ينادى: يا أهل النار، فيشرون وينظرون، فيقولون لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت وكلهم قد رآه. ثم ينادى : يا أهل النار، فيشرون وينظرون، فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه ، فيذبح، ثم يقول المنادي: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أه النار خلود فلا موت ثم قرأ( صلى الله عليه وسلم) قول الحق تبارك وتعالى:" وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ "   ( مريم:39) "
أخرجه البخارى ومسلم.


العلوم المكتسبة تثبت خلق الموت:
فى العقود الثلاثة المتأخرة من القرن العشرين أثبتت دراسات الشيفرة الوراثية للإنسان أن تقدير الموت مبرمج فيها. وتتكون الشيفرة الوراثية للجين من التقاء نطفتى الرجل والمرآة فيتكامل عدد الجسيمات الصبغية إلى (46) وهو العدد المحدد لنوع الإنسان حيث يحمل كل من النطفتين نصف هذا العدد (23 صبغيا فقط) وبتكامل عدد الصبغيات يتحدد كل من الصفات السائدة التى سوف تظهر على الجنين- إن قدر الله تعالى له الحياة-والصفات المتنحية (المستترة) فى شيفرته الوراثية لتظهر فى نسله من بعده، ومن هذه الصفات ( الأجل) الذى تؤكد الآية القرآنية الكريمة التى نحن بصددها أنه مخلوق . وفى ذك يروى الإمام مسلم فى صحيحه عن عبدالله بن مسعود (رضى الله عنه) قال: حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو الصادق المصدوق قال: أن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما ثم يكون فى ذلك علقه مثل ذلك، ثم يكون فى ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتي رزقه ، وأجله، وعمله وشقى أو سعيد.
وقد أكدت الكشوف العلمية فى دراسات الشيفرة الوراثية للإنسان حقيقة أن الموت مخلوق مع خلق الإنسان، ومبرمج فى داخل كل خلية نووية من خلاياه الحية بدقة بالغة على النحو التالى:
(1) فى سنة (1971م) اقترح العالم الروسى أولو فنيكوف (Olevnikov)ضرورة وجود آلة محددة تفسر خروج عملية الانقسام فى الخلايا السرطانية عن السيطرة.
(2) فى سنة (1985م) تم اكتشاف هذه الآلة المحددة التى تفسر خروج عملية الانقسام فى الخلايا السرطانية عن السيطرة وكانت إنزيما خاصا اكتشفه كل من جرايدر.
وبلاكبيرن(Blacburn& Greider) وقد اكتشفت ان هذا الإنزيم يختص ببناء غطاءين طرفيين لكل جسيم صبغى عرف كل منهما بـ الغطاء الطرفى (End Capor Telomere) وانطلاقا من هذا الأسم سمى الإنزيم المتحكم فى بنائه باسم انزيم تيلوميريز (Telomerase)أو الأنزيم البانى للأغطية الطرفية للجسم الصبغى.
(3) فى سنة (1986م) اكتشف هواردكوك ( Howard Cooke) أن طول الغطاءين الطرفيين للجسيم الصبغى يتناقص مع كل انقسام تقوم به الخلية الحية، وان هناك علاقة مطردة بين فقد أجزاء من طول هذين الغطاءين الطرفيين وشيخوخة الخلية، فإذا وصل طولهما الى حد معين ماتت الخلية بعد توقفها عن الانقسام.
وتأكدت هذه النتائج باكتشاف أن طول الأغطية الطرفية فى كل من الخلايا الجذعية (stem Cells) والخلايا المستنبتة من صغار السن أطوال منها فى خلايا كل من الكهول والشيوخ من كبار السن، وأن قدرة هذه الخلايا النشيطة على الانقسام تفوق قدرة خلايا كبار السن عدة مرات، ومن هنا أطلق على كل واحد من هذه الأغطية الطرفية للجسيمات الصبغية اسم عداد المضاعفات الانقسامية المتكررة(Replicometer )أو عداد الأجل (Longivity Meter) مما شجع بعض الباحثين مثل بودنار(Bodnar) على إعطاء إنزيم تيلوميزيز لكبار السن لتأخير الشيخوخة ولكن اتضح ان هناك علاقة بين زيادة هذا الإنزيم فى الخلايا ونشاطها السرطانى.
(4) فى سنة (1989م) لاحظ مورين (Morin) ان هناك علاقة واضحة بين زيادة إفراز إنزيم التيلوميريز (The Telomerase Enzyme) فى الخلية الحية وبين نشاطها فى الانقسامات غير العادية المتسارعة والمعروفة باسم النشاط السرطانى. وقد مهد ذلك لإمكانية معالجة الأمراض السرطانية بإيقاف نشاط هذا الإنزيم بواسطة عقار مضاد له أو للمورث المتسبب فى إفرازه، ولكن ذلك لم يتم بعد، وإن حاوله شاي(Shay)فى سنة 2001 م بفتح باب استخدام مثبطات انزيم تيلوميزيز لوقف النشطة السرطانية.
وبإثبات خلق الموت مع خلق الحياة ثبت ان الأجل مقدر فى داخل الخلية الحية، وأن كلا من الأمراض والأحداث العارض والشيخوخة وغيرها من الأحداث الحيوية مقدر كذلك ومدون فى الشيفرة الوراثية وذلك بواسطة طول الأغطية الطرفية للصبغيات، وما يفرز من الإنزيم البانى لها مما يحدد عدد مرات انقسام كل خلية حية وبالتالى يحدد أجلها.
(5) بمجرد فقد الخلية الحية لقدرتها على الانقسام فإنها تبدأ فى فقد أجزاء من محتواها البروتينى من كل من السائل الخلوى والنواة، وقد تتورم الخلية حتى تنفجر ملقية بمحتوياتها فى الأنسجة المجاورة، وقد تتعرض النواة الى التفتت أو الأنكماش. وينتج ذلك عن فقد غشاء الخلية قدرته على التحكم فى مرور السوائل الى داخل الخلية او الى خارجها، مما يؤدى الى انفجارها وتناثر مكوناتها التى تنفجر هى الأخرى أو تلتهم بواسطة الخلايا المجاورة ، أو يؤدى ذلك الى انكماشها مكونة عددا من الفقاقيع الغازية على سطحها.
وهذه العمليات تتم بدقة فائقة مما حدا بالعلماء الى تسميتها باسم الموت الخلوى المبرمج أو المقدر  ( Programmed Cell Death Or PCD) ويطلق عليه باللاتينية اسم(Apoptosis) ، وهى خاصية داخلية فى الخلية الحية توظف لصالح الجسد الذى يحتويها وهو حى، وتحدد أجله عند لحظة الوفاة، وتتم بواسطة عد من العوامل الخاصة التى تعرف باسم عوامل الأمر بالموت (Apoptosis Inducing Factorsor A.I.F)، ومن هذه العوامل أعداد من مواد بروتينية خاصة تختزن فى المسافات بين الطيات الغشائية للمتقدرات.
وهذه العوامل الآمرة بالموت تحدد فى الأيام الأولى من الحمل وفق عدد من القوانين التى يأمر الخالق العظيم ببثها فى الخلايا الحية لحظة خلقها ومنها جسد الإنسان.
(6) بذلك يدب الموت بالتدريج فى خلايا كل جسد حى بدءا من العضيات الدقيقة فى داخل الخلية الى الخلايا ذاتها، ثم الأنسجة فالأعضاء والأجهزة منتهيا بالانهيار الكامل للكائن الحى بالوفاة والتى يعلن عنها طبيا بوقف كل من القلب والرئتين عن العمل والانخفاض الملحوظ فى درة حرارة الجسم وتصلبه أو تخشبه، وانتشار الزرقة فيه خاصة فى كل من الشفاه الأطراف، وظهور عدد من البقع الدموية على الجلد، وتوقف حركة العينين. وباستخدام الأجهزة المتطورة فى غرف العناية المركزة يمكن استنهاض عمل كل من القلب والرئتين، وعلى ذلك فإن الموت الحقيقى يتحدد بموت الدماغ، والذى من أعراضه الدخول فى إغماء كامل لا فواق منه والموت محدد سلفاً فى لحظة الخلق الأولى للكائن الحى.
(7) ومن قبل الف واربعمائة سنة نزل القرآن الكريم بقول ربنا (تبارك وتعالى):" الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ "   (الملك: 2).