أول بيت وضع للناس


بعد مجاهدة طويلة استغرقت آلافاً من العلماء عبر عشرات من العقود، ثبت لنا فى منتصف الستينيات من القرن العشرين أن أرضنا فى مرحلة من مراحل خلقها كانت مغمورة بالماء غمراً كاملاً، لم يدع فيها شيئاً مكشوفاً من اليابسة ، ثم شاءت إرادة الله – تعالى- أن يفجر قاع هذا المحيط بثورة بركانية عنيفة، ظلت تلقي بحممها التي تراكمت فوق بعضها البعض مكونة سلسلة جبلية وسط هذا المحيط الغامر، وظلت هذه السلسلة فى النمو والارتفاع حتى ظهرت قمتها فوق سطح الماء مكونة أول جزء من اليابسة على هيئة جزيرة بركانية مثل الجزر البركانية العديدة المنتشرة فى محيطات اليوم - جزر اليابان، الفلبين، أندونسيا، هاواى، وغيرها- وباستمرار عمليات النشاط البركانى نمت هذه الجزيرة الأولية بالتدريج بواسطة الثورات البركانية المتلاحقة التى أضافت إليها مساحات جديدة من اليابسة محوله إياها إلى قارة كبيرة تُعرف باسم القارة الأم أو "بانجيا" (Pangaea)وهذا النمو - بالإضافة إلى هذه المراحل- يعرف باسم "الدحو" الذى يعرف لغة: بالمد والبسط والإلقاء وهو تعريف دقيق لعمليات بناء الأرض بواسطة الثورات البركانية.

وبعد اكتمال تكون القارة الأم ، شاءت إرادة الله – تعالى- أن يمزقها بواسطة شبكة هائلة من الصدوع العميقة التى شكَّلت خسوفاً أرضية غائرة، فصلت تلك القارة الأم إلى القارات السبع المشاهدة حالياً على سطح الأرض، والتى كانت فى القديم أشد تقارباً إلى بعضها البعض ، ثم بدأت فى الزحف والتباعد حتى وصلت إلى مواقعها الحالية على سطح الأرض، والتى لا تزال فى حركة دائبة منها اليوم.
هذه الظاهرة التي يتحول فيها جزء من المحيط إلى أرض يابسة،و تنشق الأرض اليابسة لتحتوى محيطاً فيما بينها تعرف باسم " دورة المحيط واليابسة".
ويتم تحوُّل المحيط إلى أرض يابسة بواسطة الثورات البركانية المتكررة من تحت قاع المحيط والتي ترتفع بجزء من ذلك القاع إلى ما فوق سطح الماء على هيئة جزر بركانية تظل تنمو التدريج متحولة إلى قارة، ثم بواسطة تصدع وخسف أجزاء من تلك القارة تنفصل إلى كتلتين متوازيتين يفصلهما بحر طولي شبيه بالبحر الأحمر، يظل يتسع باستمرار حتى يتحول إلى محيط.

ومن قبل ألف وأربعمائة سنة رُوى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قوله: " كانت الكعبة خشعة على الماء فدحيت منها الأرض" والحديث ذكره الهروى فى " غريب الحديث" (3/362) وذكره الزمخشري فى " الفائق قى غريب الحديث" (1/371) لأن دلالته العلمية سابقة لعصره بألف وأربعمائة من السنين.
و( الخُشعة) أكمة لاطئة بالأرض، والجمع (خُشع ).
وهذا الحديث النبوى الشريف يدعمه حديث آخر أخرجه الطبرانى والبيهقى فى الشعب عن ابن عمر - رضى الله عنهما- موقوفاً عليه: أنه - أى البيت الحرام- أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق السماوات والأرض زَبدة ( بفتح الزاى، أى كتلة من الزبد) بيضاء فى الأرض من تحته".
وهذان الحديثان الشريفان يعتبران سبقاً علميا معجزاً لرسول الله- صلى الله عليه وسلم - يشهد له بالنبوة وبالرسالة، وبأنه كان موصولاً بالوحي ، ومُعلًّماً من قبل خالق السماوات والأرض، لأنه لم يكن لأحد من الخلق قبل منتصف الستينيات من القرن العشرين إدراك شئ من هذه الحقيقة.

ويؤكد ذلك ما ثبت علمياً من توسًّط مكة المكرمة لليابسة، كما يحمل معنى أن اليابسة تحت الكعبة المشرًّفة تعتبر أقدم جزء من الغلاف الصخري للأرض على الإطلاق، وهو مالم يحاول أحد إثباته بعد، وعلى علماء المسلمين أن يتحققوا من ذلك بتحديد العمر المطلق للصخور القائمة حول الكعبة المُشرًّفة بواسطة العناصر المُشعًّة الموجودة فيها حتى يمكن تقديم هذا الدليل إلى الناس جميعا- مسلمين وغير مسلمين- مما يعتبر وثيقة مادية ملموسة، وحجة منطقية دامغة على الناس كافة بنبوة هذا النبي الخاتم - صلى الله عليه وسلم- .
ولعل فى هذين الحديثين الشريفين ما يدعم قول السُدي - رحمة الله - في تفسير قوله (تعالى): 
" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ " 
  ( آل عمران:96).
أي : أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقا
فسبحان الذي أنزل القرآن بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه لنا بلغة وحية ، كلمة كلمة، وحرفا حرفا ليكون العالمين نذيراً وصلى الله وسلم وبارك على النبي الخاتم الذي تلقاه، وعلى آله وصحبه ، ومن تبع هداه ن ودعا بدعوته إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.