" وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ " ‏(لقمان‏19).


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بدايات النصف الثاني من سورة لقمان‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وعدد آياتها أربع وثلاثون‏ (34)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم ؛ لورود الإشارة فيها إلى لقمان الحكيم‏ ,‏ وهو شخصية لا يعرف المؤرخون كثيراً عنها‏ ,‏ فقد قيل إنه نوبي‏ ,‏ أو سوداني أو حبشي أو عبري‏ ,‏ وجمهور الذين ذكروه مُجمِعون على أنه لم يكن نبياً‏ ,‏ وإن كان قليل منهم يرجح نبوته لذكر القرآن الكريم له بالاسم‏‏ وإطلاق اسمه على هذه السورة الكريمة‏ ,‏ وإن كانوا يجمعون على أنه كان من الأحناف لما اشتُهر به من التوحيد‏ ,‏ ونبذ الشرك‏ ,‏ والحكمة‏ ,‏ والدعوة إلى مكارم الأخلاق التي روت السورة الكريمة التي نحن بصددها طرفاً منها في مقام نصيحة لقمان الحكيم لابنه ‏.‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة الكريمة حول قضية العقيدة الإسلامية‏ ,‏ ومن ركائزها‏‏ التوحيد الخالص لله ـ تعالى ـ ‏(بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏) ,‏ وتنزيهه‏ ـ سبحانه وتعالى ـ عن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ والإيمان بحقيقة الوحي‏ ,‏ والنبوة‏ ,‏ والرسالة‏ ,‏ واليقين بضرورة البعث‏ ,‏ والحساب‏ ,‏ والجزاء‏ ,‏ والجنة‏ ,‏ والنار‏ ,‏ والتسليم بملكية الله الخالصة للسماوات والأرض وما فيهما‏ ,‏ وبشمول علمه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ لكل شيء‏ ,‏ وبضرورة الخضوع لأوامره‏ ,‏ واجتناب نواهيه في عبودية خاضعة‏ ,‏ وعبادة خالصة له وحده‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ ,‏ والتسليم كذلك بضرورة الالتزام بمكارم الأخلاق‏ ,‏ ومن ألزمها بر الوالدين‏ ,‏ ومنها النهي عن الغرور الكاذب‏ ,‏ والتكبر على الخَلْق‏ ,‏ والاختيال بالجاه والسلطان‏ ,‏ والعجب بالنفس‏ ,‏ والتفاخر بالمكاسب المادية الزائلة،‏ وكلها من مداخل الشيطان الذي أُمرنا بمعصيته ومعاداته‏ ,‏ ومنها الاقتصاد في المشي‏ ,‏ والغض من الصوت؛ تواضعاً لله‏ ـ‏ تعالى ـ ,‏ وشكراً له على نعمه الظاهرة والباطنة‏ ,‏ ومنها إسلام الوجه لله الخالق البارئ المُصوِّر‏ ,‏ مع الإحسان إلى الخلق‏ ,‏ والاستمساك بالعروة الوثقى‏ ,‏ واليقين بأن الله ـ‏ سبحانه وتعالى ـ هو الحق‏ ,‏ وأن ما يدعو المشركون من دونه هو الباطل‏ ,‏ وأن الله هو العلي الكبير ‏.‏
وبشَّرت السورة المحسنين بالنعيم المُقيم‏ ,‏ وأنذرت الكافرين بالعذاب الأليم‏ ,‏ وختمت بما استأثر الله‏ ـ تعالى ـ‏ بعلمه من أمور الغيب التي لا سبيل للإنسان في الوصول إلى علم شيء منها‏ .‏
هذا‏ ,‏ وقد استشهدت السورة الكريمة في سياق ذلك بعدد من الآيات الكونية على طلاقة القدرة الإلهية المُبدِعة في الخلق‏ ,‏ والشاهدة للخالق‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ بالألوهية‏ ,‏ والربوبية‏ ,‏ والوحدانية المُطلِقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ والشاهدة له‏ ـ‏ تبارك اسمه‏ ـ‏ بأنه كما خلق فإنه قادر على إفناء خلقه‏ ,‏ وعلى إعادة بعثه وحسابه وجزائه ، إن خيراً فخير‏ ,‏ وإن شراً فشر .‏

عرض موجز لسورة لقمان :
تبدأ سورة لقمان بثلاثة من الحروف الهجائية المُقطَّعة هي "الم" التي تكررت في مطلع ست من سور القرآن الكريم‏ ـ‏ هي‏‏ البقرة‏ ,‏ آل عمران‏ ,‏ العنكبوت‏ ,‏ الروم‏ ,‏ لقمان‏ ,‏ والسجدة‏ ـ ,‏ وجاءت هذه الحروف الثلاثة بإضافة الحرف"ص‏"في مطلع سورة الأعراف‏"المص‏" ,‏ وبإضافة الحرف‏ "ر‏"‏ في مطلع سورة الرعد‏ "المر‏" .‏
وقد قيل في هذه المُقطَّعات بأنها رموز إلى كلمات أو معانٍ أو أعداد معينة‏ ,‏ أو أنها أسماء للسور التي جاءت في أوائلها‏ ,‏ أو هي من قبيل التحدي للعرب بالقرآن الكريم، الذي لم تتجاوز حروفه حروف لغتهم‏ ,‏ وعلى الرغم من ذلك فقد عجزوا ـ وسوف يظلون عاجزين ـ عن الإتيان بشيء من مثله‏ .‏
وقد قيل في هذه الحروف الهجائية المُقطَّعة أنها من وسائل قرع الأسماع والقلوب؛ كي تتنبه لتلقي القرآن الكريم من قبيل استهلالات العرب‏ ، أي أنها مجرد فواتح للسور‏ ,‏ أو أن كل حرف منها يدل على كلمة محددة المعني الذي يُستخرج من مضمون السورة‏ ,‏ أو أنها من دلائل نبوة سيدنا محمد‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وصدق رسالته‏ ,‏ بسبب نطقه بأسماء الحروف وهو الأمي ‏,‏ والأمي ينطق بأصوات الحروف ولا يعرف أسماءها‏ .‏ أو أنها تجمع بين كلٍ هذه الأقوال وغيرها‏ ,‏ أو أنها من أسرار القرآن الكريم التي لم يأذن الله‏ ـ‏ تعالى ـ بعد بالكشف عن مدلولاتها، والله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ أعلم بمضمونها ‏ .‏
 وبعد هذا الاستهلال مباشرة جاء الثناء على القرآن الكريم، وعلى المؤمنين به وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ ‏
" الم . تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ .هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ " (لقمان:‏1-5) .
ثم عرجت الآيات إلى استنكار عمل من يشتري لهو الحديث ؛ ليضل عن سبيل الله بغير علم‏ ,‏ ويتخذها هُزُواً  ليضل الناس عن طاعة الله ويصرفهم عن التمسك بآداب دينه .‏ وقد قيل في لهو الحديث أنه كل ما كان مُلهِياً عن سبيل الله من وسائل الترفيه الحرام ، من قبيل التمثيل الفاضح الذي تُكشف فيه العورات‏ ,‏ والغناء الماجن الذي تُتَجَاوز فيه حدود الأدب‏ ,‏ ومشاهدته أو الاستماع إليه‏ ,‏ وذلك من مثل ما تمتلئ به وسائل الإعلام في أيامنا هذه ، مما يخدش الحياء وينحط بالذوق السليم‏ ,‏ ويصرف الناس عن كل جاد وهادف في هذه الحياة‏ ,‏ ويدعو إلى الفواحش والرذائل ‏ .‏ وفي النهي عن ذلك يروى عن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قوله الشريف‏‏" لا يحل تعليم المغنيات‏ ,‏ ولا بيعهن‏ ,‏ وأثمانهن حرام‏ . " وقدرت السورة الكريمة أن هؤلاء لهم عذاب مهين في الدنيا قبل الآخرة‏ .‏ وروى ابن عباس ـ‏ رضي الله عنهما‏ ـ‏ أن هذه الآية الكريمة كانت قد نزلت في رجل من كفار قريش اشترى جارية مُغنِّية‏ ,‏ وكان حريصاً على أن يصرف أوقات الناس في الاستماع إليها‏ ,‏ وكان إذا تليت عليه آيات القرآن الكريم انصرف عنها مُستكبِراً مُتعالِياً‏ ,‏ ومُتغطرِساً مُجافِياً كأن أذنيه قد أصيبتا بالصمم الثقيل فلم يسمعها‏ ـ تماما كما يفعل العديد من أهل الإعلام الفاسد في زماننا‏ ـ .‏
وتطالب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ كما تطالب كل مُتبِع لهديه من بعده أن يبشر هذا اللاهي وأشباهه بالعذاب الأليم في الدنيا، وبالعذاب المهين في الآخرة ‏ .‏
وفي المقابل تؤكد الآيات الكريمة في سورة لقمان أن الذين آمنوا ببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وبرسالته‏ ,‏ وعملوا الصالحات فإن لهم جنات النعيم خالدين فيها أبدا‏ًً ,‏ وأن هذا هو وعد الله الحق الذي لا يُخلَف‏ ,‏ والله هو العزيز الحكيم‏ .‏
 واستشهدت السورة الكريمة بعدد من آيات الله الكونية الدالة على طلاقة قدرته المُبدِعة في الخلق‏ ,‏ ثم تخاطب الناس جميعا بقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ ‏
" هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ " ‏(‏لقمان:‏11)‏ .
ثم أثنت الآيات على عبد من عباد الله، آتاه الله الحكمة ـ هو لقمان ـ فعرف باسم لقمان الحكيم‏ .‏ والحكمة تقتضي الوضاءة في الفهم‏ ,‏ والفقه في الدين‏ ,‏ والإصابة في الحكم‏ ,‏ ومن صميمها أن يكون العبد شاكراً لأنعُم الله‏ ,‏ فبالشكر تدوم النعم‏ ,‏ ويجزل الثواب من الله‏ ـ تعالى ـ
" وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ " ‏(‏لقمان:‏12)‏ .
 ومن سمات حكمة لقمان نهي ابنه ـ وهو يعظه ـ عن الشرك بالله ، الذي وصفه بأنه من أبلغ صور ظلم الإنسان لنفسه‏ .‏
وتوصي الآيات الأبناء ببر الوالدين ، مستشهدة بحمل الأم لجنينها وهنا على وهن‏ ,‏ أي ضعف على ضعف‏ ,‏ ورعايته حتى يُفطم بعد عامين‏ ,‏ وهذا مما يستوجب الشكر لله‏ ـ تعالى ـ‏ على الخلقة والرعاية الإلهية طيلة مدة الحمل، حتى يخرج الصغير حياً من بطن أمه‏ ,‏ والشكر للوالدين على تحملهما ما رافق ذلك الحمل والوضع من مشاق‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏
" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ " (لقمان:‏14)‏ .
وحتى في حالة إيمان الابن وكفر الوالدين أو شركهما بالله‏ ـ‏ تعالى ،‏ فإن الآيات توصي الابن بعدم طاعتهما في أمر الدين‏ ,‏ وبطاعتهما فيما سواه من أمور الدنيا، التي لا تُحمِّله تبعة أو مسئولية أمام الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ ,‏ وأن يتبع سبيل من تطهر من أدران الكفر والشرك‏ ـ‏ ويقصد به أبو بكر الصديق رضي الله عنه‏ ـ ,‏ وقد عاد إلى ربه في توبة صادقة‏ ,‏ وبراءة كاملة من كل ذلك حين آمن بخاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ,‏ حتى يسعد في الحياة الدنيا برضاء الله‏ ,‏ وينجوَ في الآخرة من عذابه‏ .‏ والرجوع إليه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ أمر حتمي بعد هذه الحياة ليخبر كلاً بما عمل ويجازيَه عليه ‏.‏
وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ :
" وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " ‏(‏لقمان:‏15)‏ .
وهذه الآية الكريمة نزلت في الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص‏ ـ رضي الله عنه‏ ـ ,‏ وذلك لأنه لما أسلم قالت له أمه جميلة ـ وكان أحب ولدها إليها ‏ ,‏ وكان باراً بها‏‏ ـ : " يا سعد‏ ,‏ ما هذا الدين الذي أحدثت ؟ . فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح‏ ,‏ ولا آكل ولا أشرب حتى تدع دينك هذا، وترجعَ إلى ما كنت عليه‏ ,‏ أو أموت فتُعيَّر بي‏ ,‏ ويقال‏‏ يا قاتل أمه‏ "،‏ فقال لها‏‏ : " لا تفعلي يا أماه . فإني لا أدع ديني هذا لشيء‏ "‏ وأبي سعد أن يوافقها‏ ,‏ وصبرت هي ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل بظل حتى خشي عليها‏ ,‏ فلما رأى منها ذلك قال لها‏‏ : " تعلمين والله يا أماه‏ ,‏ لو كانت لك مائة نفس‏ ,‏ فخرجت نفساً نفساً‏ ,‏ ما تركت ديني هذا لشيء‏ ,‏ إن شئت فكلي‏ ,‏ وإن شئت فلا تأكلي‏ "،‏ فلما رأت ذلك منه أكلت‏ ,‏ فأنزلت هذه الآية الكريمة في سعد وأمه‏ ,‏ وتمام الآية نزل في أبي بكر الصديق‏ ـ‏ رضي الله عنه وأرضاه‏ ـ ,‏ وقد كان سبباً في هداية سعد بن أبي وقاص إلى الإسلام .‏
ثم تعاود الآيات استكمال وصايا لقمان الحكيم لابنه ـ وهو يعظه ـ مُؤكّداً إحاطة علم الله بكل شيء‏ ,‏ وأنه هو اللطيف الخبير‏ ,‏ ويوصيه بإقامة الصلاة‏ ,‏ وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏ ,‏ وبالصبر على المكاره‏ ,‏ وبعدم التكبر على الخلق أو الاستعلاء عليهم‏ ,‏ أو الزهو والتباهي والافتخار‏ ,‏ والخيلاء‏ ,‏ والعجب بالذات؛ لأن الله ـ تعالى ـ لا يحب ذلك‏ ,‏ ويوصيه بالاقتصاد في المشي‏ ,‏ وبغض الصوت‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات على لسانه‏‏ :
" يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ . وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ " ‏(‏لقمان:‏16‏- ‏19)‏ .
وتعاود الآيات إلى تذكير الناس بأن الله‏ ـ تعالى ـ‏ قد سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض‏ ,‏ وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة‏ ,‏ وعلى الرغم من ذلك فإن منهم من يجادل في وحدانية الله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ ,‏ وفي ضرورة الخضوع لجلاله بالطاعة والعبادة‏ ,‏ من غير علم من الله‏ ,‏ ولا برهان منطقي على ما يدعيه من أقوال‏ ,‏ وفي ذلك يقول الله ـ وهو أحكم القائلين‏ ـ : ‏
" وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ . وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوَهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ " (‏لقمان:‏21,20).

وتؤكد الآيات أن من يسلم وجهه لله‏ ـ تعالى ـ وحده‏ ,‏ مُقرِّاً لجلاله بالألوهية والربوبية والوحدانية المُطلَقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ متُقرِّباً إليه بالإيمان الكامل‏ ,‏ والطاعة التامة‏ ,‏ مُنفِّذاً لأوامره‏ ,‏ ومُجتنِباً لنواهيه‏ ,‏ ومُتذلِّلاً له بالعبودية الكاملة‏ ,‏ مؤمنا بأن نهاية كل شيء إليه‏ ,‏ ومصير كل الخلائق إليه ، وهو الناجي حقاً . وفي ذلك يقول ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ : ‏" وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ " (‏لقمان:‏22)‏ .
ثم تتوجه الآيات بالخطاب إلى رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بألا يحزن لكفر الكافرين‏؛‏ لأن الخلق جميعهم راجعون إلى الله ـ‏ تعالى ـ‏ العليم بذات الصدور‏ ,‏ وتتوعدهم الآيات بأن إمهالهم في الدنيا بمتاعها القليل سوف يتبعه العذاب الشديد في الآخرة‏ .‏ والخطاب موصول لأتباع هذا النبي الخاتم إلى يوم الدين‏‏ ألا يحزنوا لكفر الكافرين‏ ,‏ ولتطاول خفافيش الظلام منهم الذين يتسترون خلف شاشات شبكة المعلومات الدولية‏ ـ الشبكة العنكبوتية‏ ـ لينفثوا سمومهم الحاقدة‏ ,‏ وجهلهم الفاضح‏ ,‏ وشركهم الكريه‏ ,‏ وحقدهم على الإسلام وكتابه‏ ,‏ وعلى خاتم أنبياء الله ورسله‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ ،‏ فعقاب الله يتهددهم بوعده‏ ,‏ ووعيده
" وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ " (يوسف:21) .‏
وتؤكد الآيات لرسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أنه لو سُئل الكافرون عن خالق السماوات والأرض ، لأجابوا بالقطع بأنه هو الله‏ ـ‏ تعالى ـ ,‏ وتأمره بحمد الله‏ ـ تعالى ـ على نعمة الإسلام الذي لا يرتضي ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ من عباده ديناً سواه‏ ,‏ خاصة أن أكثر الناس لا يدركون فضل هذا الدين على غيره من الأديان‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ مُخاطِباً خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :
" وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ " ‏(‏لقمان:‏23‏-‏25)‏ .
وتؤكد الآيات مرة أخرى أن جميع ما في السماوات والأرض هو ملك لله‏ ـ تعالى ـ الغني عن جميع خلقه‏ ,‏ المحمود في السماوات والأرض‏ .‏ وتعظيماً للقرآن الكريم تؤكد أن كلمات الله فيه لا تنفد أبداً مهما حاول المفسرون ‏، واجتهد الكاتبون‏ ,‏ وتقرر أن خلق الناس وموتهم ثم بعثهم من اليسر على الله‏ ـ تعالى ـ‏ كخلق نفس واحدة‏ ,‏ وأن من صفات الله‏ ـ‏ تعالى ـ أنه السميع البصير .‏ وعاودت الآيات الاستشهاد بعدد آخر من الآيات الكونية على طلاقة القدرة الإلهية المُبدِعة في الخلق والإفناء والبعث‏ ,‏ وعلى أن الله‏ ـ تعالى ـ خبير بما يعمل كل واحد من خلقه‏ ,‏ وأنه‏ ـ‏ تبارك اسمه‏ ـ هو الحق‏ , ‏وأنه هو العلي الكبير‏ ,‏ وأن كل ما يدعون من دونه هو الباطل ‏.‏

وتستعرض الآيات جانباً من طبائع النفس البشرية غير المؤمنة‏ ,‏ ومن ذلك أنها تلجأ إلى الله‏ ـ‏ تعالى ـ ساعات الضيق والشدة‏ ,‏ وتلهو عن طاعته في أوقات الرخاء والسعة‏ ,‏ وضربت لذلك مثلا بمن يقلع في المياه المُتلاطِمة للبحار والمحيطات، والذي تارة يسلم برحمة من الله وفضل‏ ,‏ وتارة تغشاه تلك الأمواج المُتلاطِمة فيلجأ الراكبون في البحر إلى الله‏ ـ تعالى ـ‏ وحده‏ ,‏ وينسوا كل من أشركوهم في عبادته‏ ,‏ حتى إذا أنجاهم الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ إلى البر برحمته وفضله ، فمنهم من يقر بالفضل لله‏ ـ‏ تعالى ـ ,‏ ومنهم من يجحد ذلك كفراً بنعمة الله عليه ‏ .‏
 وتختتم سورة لقمان بآيتين كريمتين، تدعوان الناس جميعاً إلى تقوى الله‏ ,‏ وإلى خشية أهوال يوم القيامة، حيث لا يغني والد عن ولده‏ ,‏ ولا مولود عن والده شيئا‏ ,‏ ووعد الله‏ ـ سبحانه‏ ـ‏ بذلك هو الحق‏ ,‏ وعليه فلا يجوز لعاقل أن يغتر بالدنيا الفانية‏ ,‏ أو أن يستهويَه الشيطان بالانصراف عن طاعة الله، الذي عنده علم الغيب كله‏ ,‏ ولا يعلمه سواه ؛ لأنه‏ ـ تعالى ـ‏ هو العليم بكل شيء‏ ,‏ والخبير في كل أمر‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات : ‏
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ . إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " (‏لقمان:‏34,33) ‏.



من ركائز العقيدة في سورة لقمان :
‏(1)‏ الإيمان بأن آيات القرآن الكريم هي كلام الله الموحى به إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ ,‏ وأن القرآن هو الكتاب الحكيم الذي جعله الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هدى ورحمة للمحسنين ‏، وأن كلماته لا تنفد أبداً مهما حاول تفسيرها المُفسِّرون‏ ,‏ وكتب عنها الكاتبون‏ .‏
‏(2)‏ اليقين بأن إقامة الصلاة‏ ,‏ وإيتاء الزكاة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏ ,‏ والصبر على القيام بذلك، والدعوة إليه، هو من عزائم الأمور‏ ,‏ ومن الهداية الربانية التي تقود صاحبها إلى الفلاح في الدنيا والنجاة في الآخرة‏ ,‏ وإلى الاستمساك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها .‏
‏(3)‏ التصديق بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم‏ ,‏ خالدين فيها أبدا‏ً ,‏ كما وعد رب العالمين‏ ,‏ ـ ووعده الحق‏ ,‏ وهو العزيز الحكيم‏ ـ ,‏ وأن من كفر فعليه كفره‏ ,‏ وأن مآله إلى جهنم وبئس المصير‏ ,‏ حتى لو تمتع بشيء من زينة الحياة الدنيا‏ ,‏ ومتاعها القليل‏؛‏ وذلك لأن الله ـ‏ تعالى ـ سوف يضطره إلى عذاب غليظ ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم ‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بأن الله‏ ـ تعالى ـ‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ بما في ذلك السماوات القائمة بغير عمد مرئية‏ ,‏ والأرض التي ألقى فيها رواسي ؛ كي لا تميد بما عليها من الخلق‏ ,‏ وبث فيها من كل دابة‏ ,‏ وأنزل من السماء ماء فأنبت فيها من كل زوج كريم ‏، وأن غير الله‏ ـ‏ تعالى ـ لا يخلق شيئا‏ًً،‏ وأن الله‏ ـ تعالى ـ‏ هو الذي سخر للناس ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه‏ ,‏ وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة‏ ,‏ وأنه هو الغني الحميد‏ ,‏ واللطيف الخبير‏ ,‏ الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماوات‏ ,‏ ومن هنا كان الشكر لله‏ ـ تعالى ـ‏ واجباً على المخلوقين جميعا‏ .‏
‏(5)‏ التصديق بأن الشرك بالله‏ ـ‏ تعالى ـ هو من أخطر درجات ظلم النفس ؛ لأن مآله وخيم‏ ,‏ وأن الشيطان للإنسان عدو مبين‏ ,‏ يدعوه دوماً إلى عذاب السعير‏ .‏
‏(6)‏ الإيمان بحتمية الآخرة‏ ,‏ بل بضرورتها‏ ,‏ وبما فيها من بعث وحساب وخلود إما في الجنة أبداً ، أو في النار أبدا‏ًً ,‏ وأن فيها لا يُجزى والد عن ولده‏ ,‏ ولا مولود هو جاز عن والده شيئا‏ .‏
‏(7)‏ الإيمان بالغيوب المُطلَقة التي لا يعلمها إلا الله‏ ـ تعالى ـ ,‏ ومنها علم الساعة‏ ,‏ ونزول الغيث‏ ,‏ وعلم ما في الأرحام‏ ,‏ وما تكسب كل نفس في مستقبل عمرها‏ ,‏ وبأي أرض تموت‏ .‏


من مكارم الأخلاق في سورة لقمان :
(1)‏ تحريم كل صور اللهو الماجن، الذي تتجاوز فيه حدود الأدب‏ ,‏ والاحتشام‏ ,‏ والذوق السليم‏ ,‏ فيخدش الحياء‏ ,‏ ويدمر الأخلاق‏ ,‏ ويفسد سلوكيات الناس‏ ,‏ ويضل عن سبيل الله‏ ,‏ ويجعل من الناس من يتخذ الحياة لعباً ، والأصل فيها أن تؤخذ مأخذ الجد .‏
‏(2)‏ برُّ الوالدين‏ ,‏ وإن كانا كافرَيْن أو مشركَيْن‏ .‏
‏(3)‏ التأسِّي بالصالحين‏ ,‏ والحرص على مصاحبتهم‏ .‏
‏(4)‏ النهي عن التكبر على الخَلْق‏ ,‏ وعن الاستعلاء في الأرض لأن الله‏ ـ تعالى ـ لا يحب كل مختال فخور‏ ,‏ ومن هنا كانت الدعوة إلى القصد في المشي‏ ,‏ والغض من الصوت‏ ,‏ والتذكير بأن أنكر الأصوات هي تلك الأصوات الحادة‏ ,‏ المُرتفِعة النبرة كصوت الحمير‏ .‏
‏(5)‏ التأكيد على قيمة العقل في الحكم على الأشياء التي لا يجدي فيها مجرد الميراث كالدين‏ ,‏ واستنكار مُبارَزة الله ـ تعالى ـ بالمعاصي في أوقات الرخاء والسعة‏ ,‏ واللجوء إليه في ساعات الأزمات والضيق .‏


من الإشارات الكونية في سورة لقمان :
‏(1)‏ الإشارة إلى خلق السماوات بغير عمد مرئية‏ .‏
‏(2)‏ ذكر إلقاء الجبال في الأرض رواسي لها؛ كي لا تميد وتضطرب بما عليها من الخلائق ‏.‏
‏(3)‏ بث الحياة في الأرض من كل دابة ‏.‏
‏(4)‏ إنزال الماء من السماء‏ ,‏ وإحياء الأرض بواسطته ؛ حتى تنبت من كل زوج بهيج .‏
‏(5)‏ تأكيد حقيقة أن الله‏ ـ تعالى ـ‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ وأن غيره لا يخلق شيئاً ‏.‏
‏(6)‏ التوصية بضرورة الاقتصاد في المشي‏ ,‏ والغض من الصوت‏ ,‏ والإشارة إلى أن أنكر الأصوات هو صوت الحمير‏ ,‏ وفي ذلك من القيم البيئية ما فيه للتحذير من التلوث البيئي بالضوضاء والضجيج .‏
‏(7)‏ الإشارة إلي أن خلق البشر جميعهم‏ ,‏ ثم موتهم وبعثهم هو بالنسبة إلى الله‏ ـ تعالى ـ،‏ كخلق نفس واحدة وإفنائها ثم بعثها‏ .‏
‏(8)‏ الإشارة إلى كلٍ من كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس بولوج كلٍ من الليل في النهار‏ ,‏ والنهار في الليل‏ .‏
‏(9)‏ الإشارة إلى حتمية فناء الكون بالتأكيد على أن تسخير كلٍ من الشمس والقمر هو إلى أجل مسمى‏ .‏
‏(10)‏ التأكيد على أن جريان الفلك في البحر، هو نعمة من نعم الله‏ ,‏ وآية من آياته .‏
‏(11)‏ التأكيد على أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ هو وحده الذي عنده علم الساعة الأخيرة من عمر الكون‏ ,‏ وهو وحده الذي ينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام‏ ,‏ ويعلم ماذا تكسب كل نفس في غدها وبأي أرض تموت .‏ والأحداث من حولنا تؤكد صدق ذلك وحقيقته .‏


من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
تقول الآية الكريمة التي نحن بصددها على لسان لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه‏‏ : " وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ " ‏(‏لقمان:‏19)‏ .
و‏(‏القصد‏)‏ هنا من الاقتصاد أي عدم الإسراف أو، الاتزان بين الإسراف والتقتير‏ ,‏ ومدلوله هنا هو التوسط في المشي بين البطء والإسراع في شيء من السكينة والوقار، الذي لا يشوبه التبختر والاختيال والعجب بالذات .‏
و‏(‏الغضُّ‏)‏ من الصوت هو خفضه إلى مستوى الحاجة‏ ,‏ وكفه عن إيذاء مسامع الآخرين‏ ,‏ وفي ذلك من الأدب‏ ,‏ والثقة بالنفس‏ ,‏ والاطمئنان إلى صدق الحديث ما يجعل غض الصوت من مكارم الأخلاق‏ ,‏ ويجعل أعلاها أقبحها كصوت الحمير ـ أي نهيقها ـ، لما فيه من العلو المُفرط بين الزفير والشهيق‏ ,‏ من الفزع الذي ينتابها عند رؤية الشياطين ، وذلك لقول المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ :‏
" إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا‏ً ,‏ وإذا سمعتم نهيق الحمار فاستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنه رأي شيطانا‏ًً "(أخرجه النسائي وبقية كتب الحديث الستة سوى ابن ماجة‏) .‏
والآية الكريمة فيها نهي واضح عن رفع الأصوات دون ضرورة‏ .‏ والدراسات الحديثة تؤكد أن الضوضاء صورة من صور تلوث البيئة‏ ,‏ وأن هناك علاقة وثيقة بين الاستقرار البدني والنفسي للكائن الحي ،‏ بل وللجمادات‏ في وسط ما‏ ,‏ وبين مستوى الضجيج السائد في ذلك الوسط ‏ .‏ فالضوضاء الصاخبة تؤدي إلى خلل واضح في أنشطة ووظائف الأجهزة المختلفة في جسم الإنسان، مثل زيادة إفراز مادة الأدرينالين مما يؤدي إلى توتره العصبي‏ ,‏ ويقظته الزائدة‏ ,‏ وشدة انتباهه فوق الطاقة ، مما يزيد من إرهاقه‏ ,‏ وشعوره بالإعياء الفائق عن الحد‏ .‏
 فجسم الإنسان‏‏ كأي كائن آخر‏ يستقبل الموجات الصوتية كما يستقبل غيرها من صور الطاقة بدرجات مُتفاوِتة‏ ,‏ وينتج عن ذلك فيه قدر من ردود الأفعال المُتبايِنة في مختلف أجهزته ، خاصة في كلٍ من جهازه العصبي المركزي‏ ,‏ وجهازه الدوري‏ ,‏ وجهازه السمعي‏ ,‏ وفي أنظمة غدده وإفرازاتها الداخلية‏ ;‏ وذلك لأن الأصوات تُحدث تغيرات في ضغط الهواء بالزيادة‏ ـ التضاغط‏ ـ،‏ والنقصان‏ ـ‏ التخلخل‏ ـ . وتندفع هذه التغيرات على هيئة موجات من الذبذبات المُنتشِرة في كل الاتجاهات من مصدر الصوت بسرعات تُقدَّر بنحو ‏330‏ متراً في الثانية في المتوسط‏ .‏ وتعتمد طبقة الصوت على عدد الذبذبات في الثانية التي تؤثر في طبقة الهواء‏ ,‏ دون أن تتأثر سرعة الصوت‏ .‏ أما شدة الصوت فتعتمد أساساً على سعة الذبذبة‏ ,‏ وتتناقص بالتدريج بالبعد عن مصدر الصوت‏ .‏ وأقل تردد للموجات الصوتية تسمعه أذن الإنسان هو ‏(20)‏ هيرتز‏ ـ ‏أي عشرين ذبذبة في الثانية‏ ـ،‏ وأعلاه هو‏(15 ,000‏ إلى ‏20 ,000)‏ هيرتز ـ أي ‏15 .000‏ إلى‏20 .000‏ ذبذبة في الثانية ـ ‏.
‏ والموجات الصوتية تنقل الطاقة من المصدر إلى أذن المستمع، أو إلى أجهزة الاستقبال‏ .‏ ومن الثابت أن بعض الحيوانات من أمثال الخفافيش‏ ,‏ والحيتان الزرقاء‏ ,‏ والدلافين وبعض الحشرات لها قدرة استماع فوق صوتية، تتراوح بين ‏(30) , (100)‏ كيلو هيرتز‏ .‏ والموجات الصوتية لا تتحرك في الفراغ‏ ,‏ فهي تحتاج إلى وسط من الهواء أو السوائل كالماء‏ ,‏ أو الجوامد كي تتحرك فيه‏ .‏ وتتحرك الموجات الصوتية في الهواء بسرعة تُقدَّر بنحو ‏(1200)‏ كيلو متر في الساعة عند مستوى سطح البحر‏ ,‏ ومع زيادة كثافة الوسط الذي تتحرك فيه الموجات الصوتية فإن سرعتها تزداد بصورة مطردة حتى تصل إلى‏ (4800)‏ كم في الساعة في الأوساط المائية وإلى أضعاف تلك السرعة في الجوامد‏ .‏

وعند ارتطامها بأسطح صلدة ملساء كبيرة فإن جزءاً من هذه الموجات الصوتية يرتد مُحدِثاً الصدى‏ ,‏ بينما ينفذ الجزء الباقي من خلال هذه الأسطح‏ .‏ وفي داخل المباني المُغلَقة يتكرر انعكاس الموجات الصوتية مرات عديدة بواسطة الأسطح الداخلية لتلك المباني فيزداد الصدى .‏
وللمقارنة بين شدة موجتَيْن صوتيتَيْن تُستخدم وحدة خاصة تسمى البل
‏(
Bel)‏، نسبة إلى جراهام بل ‏(Graham Bell)‏ مُخترِع التليفون‏ ,‏ وهذه الوحدة تستخدم كذلك كوحدة لقياس كلٍ من شدة الصوت والقدرة على السمع ‏ .‏ ولما كانت هذه الوحدة كبيرة نسبياً فقد اقتُرِح قسمتها على عشرة واستخدام هذه الوحدة العشرية التي عُرفت باسم عشر البل ـ الديسيبل‏ (Decibel) ـ في المقارنة بين شدة صوتين من الأصوات ‏ .‏ وأقل تردد يمكن لأذن الإنسان أن تسمعه وهو ‏(20)‏ هيرتز تكون حركة طبلة الأذن كبيرة‏ ,‏ ولكن إذا زادت الضغوط الصوتية إلى أعلى من‏ (160)‏ ديسيبل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن بالكامل‏ .‏
 ومن الأضرار التي تنشأ عن الضوضاء الصاخبة حدوث اضطرابات في وظائف الأذن‏ ,‏ والأنف والحنجرة‏ ,‏ وإمكان فقد حاستي السمع والشم جزئياً أو كلياً‏ ,‏ والإصابة بالعديد من أمراض كلٍ من القلب والأوعية الدموية، مثل زيادة نسبة الكوليسترول في الدم‏ ,‏ وحدوث الجلطات‏ ,‏ وتصلب الشرايين‏ ,‏ وارتفاع ضغط الدم‏ ,‏ واضطراب إفرازات الغدد الصماء‏ ,‏ وأنشطة بعض وظائف المخ خاصة في حالات التوتر الشديد من الضوضاء الصاخبة‏ ,‏ التي قد تؤدي إلى عدم انضباط معدلات إفراز بعض الهرمونات‏ ,‏ وما يصاحب ذلك من اضطرابات في وظائف مختلف أعضاء الجسم‏ ,‏ وغير ذلك من الاضطرابات العصبية والنفسية المُصاحَبة بالشعور بالصداع المزمن‏ ,‏ والضيق‏ ,‏ والشعور بالإجهاد .‏ وقد ينعكس ذلك على كلٍ من الجهاز العصبي المركزي والجهاز الهضمي فيؤدي إلى عسر الهضم وحدوث القرح المختلفة‏ .‏ ولذلك وضعت العديد من دول العالم قوانين صارمة لمكافحة الضوضاء الناتجة عن ضجيج مُحرِّكات الطائرات خاصة ، تلك التي تفوق حاجز سرعة الصوت‏ ,‏ والضجيج الناتج عن كثافة مختلف وسائل المواصلات‏ ,‏ وعن حركة آلات المصانع‏ ,‏ وآلات الحفر وغيرها‏ ,‏ وعن الموسيقى الصاخبة‏ ,‏ وضجيج كلٍ من الناس في مناطق الزحام‏ ,‏ وأصوات الحيوانات المُستأنَسة وغير المُستأنَسة وأصوات الصواريخ‏ ,‏ والمتفجرات‏ ,‏ والقنابل وغيرها من وسائل الاقتتال‏ .‏
وكل ذلك يؤثر في الغلاف الغازي للأرض‏ ,‏ ويرتد تأثيره على كل شيء فيها من الإنسان‏ ,‏ والحيوان‏ ,‏ والنبات‏ ,‏ والجمادات‏ .‏ ولذلك وضعت جداول لتحديد أقصى مدة يمكن أن يتعرض لها الإنسان تحت شدة معينة من الضوضاء‏ ,‏ فتحت شدة في حدود ‏45‏ ديسيبل لا يستطيع الفرد العادي أن ينام في هدوء واسترخاء‏ ,‏ وعند ‏(85)‏ ديسيبل تبدأ آلام الآذان‏ ,‏ فإذا وصلت شدة الصوت إلى ‏(90)‏ ديسيبل لا يجوز أن يبقى الإنسان لأكثر من ثماني ساعات‏ ,‏ وإذا زادت الضوضاء إلى ‏(100)‏ ديسبل لا يجوز أن يبقى الإنسان لأكثر من ساعتين‏ ,‏ وتحت شدة للصوت تصل إلى ‏(110)‏ ديسيبل لا يمكن التعرض لها بأمان لمدة تزيد على نصف الساعة‏ ,‏ فإذا وصلت شدة الصوت إلى ‏(160)‏ ديسيبل حدث للإنسان صمم تام ‏ .‏
وأثناء استخدام أجهزة فوق صوتية مثل السونار
‏(
Sonar) ،‏ التي تصل شدتها إلى ‏(200)‏ ديسيبل في الأوساط المائية، فإنها تؤدي إلى القضاء التام على العديد من الحيوانات البحرية بتمزيق أنسجة جسدها‏ .‏

وقد ثبت بالقياس أن شدة صوت نهيق الحمار تتجاوز المائة ديسيبل‏ ,‏ وأن كثرة التعرض لهذا الصوت قد يصيب الإنسان بالعديد من الأمراض ‏.‏
ومن الحيوانات المُستأنَسة ذات النبرة العالية في الصوت أيضاً الكلاب‏ ,‏ والأغنام‏ ,‏ ولذلك يجب أن تُخصص لها أماكن بعيدة عن سُكنى كل من الإنسان، وسُكنى غيرها من الحيوانات المُستأنَسة ‏ .‏
والإشارة القرآنية التي تقول ‏‏" إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ " فيها من السبق العلمي ما لم يكن معروفاً في زمن الوحي بالقرآن الكريم‏ ,‏ ولا لقرون مُتطاوِلة من بعده‏ ,‏ وورودها في كتاب أُنزل على نبي أمي‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏ ,‏ من قبل أربعة عشر قرناً‏ ,‏ وإلماحاتها إلى أخطار التلوث البيئي بالضجيج ‏ـ‏ وهي حقائق لم تُعرف إلا في أواخر القرن العشرين‏ ـ‏ لما يقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ ‏؛ حتى يكون حجة على الخلق إلى قيام الساعة .‏
وهذه الإشارات العلمية في كتاب الله وأمثالها لما يشهد كذلك للنبي الخاتم الذي تلقى القرآن العظيم بالنبوة وبالرسالة . فصلِّ الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه
، ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏