" فالق ألإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ..." (الأنعام:96).


جاء التعبير (فالق الإصباح وجعل الليل سكنا) إشارة إلى تبادل كل من النهار والليل ، وإلى جعل النهار لعمارة الأرض ، وإقامة عدل الله فيها ، وللجري وراء المعايش ، وللتدرج من أجل كسب الرزق الحلال ، وجعل الليل للسكن والاستجمام والراحة والاسترخاء والتأمل والعبادة بعد كدح النهار ، وتبادل كل من الليل والنهار لا يتم إلا بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس .وهذه الدورة الأرضية التي تعرف باسم "الدورة المحورية" أو "المغزلية" أو "الدورانية" تتم بسرعة تقَّدر بنحو الثلاثين كيلو مترًا في الدقيقة (465 مترا في الثانية ×60 = 27.9 كيلو متر في الدقيقة × 60 = 1674 كيلو مترا في الساعة) لتتم دورة كاملة في يوم مقداره 24 ساعة (23 ساعة ، 56 دقيقة ، 4 ثوان في المتوسط" ، يتقاسمه ليل ونهار بتفاوت قليل في طول كلٍ منهما ، وذلك بسبب ميل محور دوران الأرض على مستوى مدار دوران الأرض حول الشمس ، مما ينتج عنه تبادل فصول السنة : الربيع ، والصيف ، والخريف ، والشتاء. ويوم الأرض -الناتج عن دورانها دورة كاملة حول محورها- يختلف طوله على مدار السنة بسبب تغيير سرعة سبح الأرض في فلكها حول الشمس -سرعة الحركة المدارسة للأرض- تبعاً لبعدها عن الشمس ، وبسبب آثار ظاهرتي المد والجزر ، والدوران الفعلي للغلاف الغازي المحيط بالأرض ، وبسبب بعض التغيرات في لب الأرض . وقد جددت الثانية كوحدة للزمن على أساس أنها الفترة الزمنية المكافئة لـ؛1 ؛: 86,400 من متوسط طول اليوم الشمس على مدار السنة (24 ساعة ×60 دقيقة ×60 ثانية = 86,40 ثانية) . ولتفادي ما ثبت من تناقص سرعة دوران الأرض حول محورها ، وبالتالي زيادة متوسط طول اليوم الشمسي بنحو 0.001 من الثانية في القرن الواحد ، فقد تم الاتفاق على تعيين طول الثانية "ذرياً" بأنها الفترة التي يتردد منها قفز الإليكترون من مدار إلى أخر حول نواة ذرة نظير عنصر (السيزيوم 133) نحو تسعة بلايين مرة (9،192،631،770 مرة) كما يمكن تقسيم الثانية إلى وحدات أقل . ومع دوران الأرض حول محورها أمام الشمس من الغرب إلى الشرق يبدو لنا هذا النجم -الشمس- صاعداً من جهة الشرق ، وغائباً في جهة الغرب في حركة ظاهرية تحدد لنا كلاً من ليل ونهار ، ويوم الأرض . وباستخدام كل من المزولة ، أو البندول المُعلَّق من سقف مرتفع ، أو الساعات -باختلاف أنواعها ودرجة دقتها حتى الساعة الذرية- يمكن تقسيم كلٍ من الليل والنهار إلى الساعات والدقائق والثواني ، وفى بعض الحالات إلى أجزاء من الثانية .

والدورة اليومية الناشئة عن دوران الأرض حول محورها دورة كاملة في كل يوم تجعل جميع ما نراه في صفحة السماء الدنيا وكأنه يدور من حولنا ، وليست الشمس وحدها، فبالمثل يبدو القمر وكأنه يطلع على الأرض من جهة الشرق ويغيب عنها في جهة الغرب ، وهذه دورة ظاهرية ، وللقمر دورة حقيقية حول محوره الماثل على مستوى؛ مدار ؛أمام الأرض بسرعة متوسطة تقَّدر بنحو 3675 كيلو متراً في الساعة - أي نحو واحد في الثانية- وهي نفس سرعة سبحه حول الأرض في مدار دائري يقدَّر طوله بنحو 2.4 مليون كيلو متر لتتم هذه الدورة في أكثر قليلا من السبعة والعشرين يوماً (27,3217 يوم)، ولكن نظراً لسبح الأرض حول الشمس في نفس الوقت مما يؤدي إلى تباعد نقطة البداية في كل دورة قمرية عن سابقتها، فإن القمر يتم دورته الشهرية فعلاً في نحو 29,5 يوم (29,5309 يوم) هي مدة الشهر القمري . ويقدر متوسط بعد القمر عن الأرض بنحو 384 ألف كيلو متر ، وبذلك يكون يوم القمر هو الشهر القمري للأرض ، وهو يوم يقدَّر طول كل من ليلة ونهاره بنحو 14.5 يوم أرضي . ويشترك في تحديد الشهر القمري كلٌ من الشمس ، والقمر ، والأرض بأوضاعها المحددة بالنسبة لبعضها البعض ، وكلٌ من حركاتها الحقيقية والظاهرية ، فالقمر في سبحه في مداره حول الأرض ، وهو يواجهها بوجه واحد ُيُتم دورته في شهر قمري يتراوح طوله بين 30,29 يوماً (بمتوسط 29,53يوم) فيبدأ بالخروج من دور المحاق -طور الاقتران- ، وبميلاد الهلال الجديد ، ثم بزيادة مساحة الجزء المنير من سطح القمر بالتدريج يتحرك إلى التربيع الأول ، ثم الأحدب الأول ، ثم البدر الكامل -طور الاستقبال- وبعد ذلك تبدأ مساحة الجزء المنير من سطح القمر في التناقص بالتدريج إلى الأحدب الثاني ، ثم التربيع الثاني ، ثم الهلال الأخير حتى يدخل في طور المحاق ، فيختفي نور القمر بالكامل لمدة يوم أو يومين حسب طول الشهر القمري، ويعاود الظهور في أول الشهر القمري التالي بميلاد هلال جديد ، وهكذا إلى أن يرث الله -تعالى- الكون بما فيه ومن فيه . والأرض تسبح حول الشمس في فلك محدد لها-ومعها قمرها- لتتم دوره كاملة في سنة شمسية يقدر طولها في زماننا الراهن بنحو (365,25يوم) موزعة على إثني عشر شهراً بعد بروج السماء . ونظراً لميل محور دوران الأرض فإن فصول السنة -الربيع ،والصيف والخريف ، والشتاء - تتبادل وذلك بتقدير العزيز الحكيم . ولقد شاءت إرادة الله الخالق -سبحانه وتعالى- أن يتحدد يوم الأرض -بليلة ونهاره- عن طرق دوران الأرض حول محورها أمام الشمس ، وأن يتحدد شهر الأرض القمري بواسطة دورة القمر الشهرية حول الأرض ، ويتحدد شهرها الشمسي عن طريق بروج السماء، وأن يقسم شهرها القمري إلى أسابيع وأيام بواسطة منازل القمر وأطواره المتتالية في كل شهر . والسنة القمرية هي الفترة الزمنية التي يتم فيها القمر اثنتي عشرة دورة كاملة حول الأرض ، ويستغرق ذلك (354,37يوم) ، وكسر اليوم بجمع ليكون يوماً في كل ثلاثة سنوات تقريباً، ومن هنا اعُتبرَت السنة القمرية البسيطة 354 يوماً ، والكبيسة 355 يوماً ، بينما تستغرق السنة الشمسية 365,25 يوم .

ومن الناحية الشرعية فإن الشهر القمري يبدأ برؤية الهلال الجديد بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين أو الثلاثين من الشهر القمري السابق ، وينتهي برؤية الهلال الجديد الذي يليه بعد غروب شمس التاسع والعشرين أو الثلاثين منه، وعلى ذلك فإن الفترة الزمنية للشهر القمري تكون عدداً صحيحاً من الأيام ، إما تسعة وعشرين يوماً ، أو ثلاثين يوماً . ومن المعلوم أن الطول الفعلي للشهر القمري يتراوح بين (29 يوماً و5ساعات ) ، و(29يوماو 19 ساعة أو أكثر قليلاً ) ، وعلى ذلك فإن مدته الوسيطة تقدر بنحو (29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة) ، وانطلاقاً من ذلك فإن الأشهر الكاملة قد تتوالى مرة أو مرتين ، كما قد تتوالى الأشهر الناقصة مرة أو مرتين . وسطح الأرض منقسم إلى قسمين يفصل بينهما خط اتحاد المطالع ، وجميع الأماكن التي تقع إلى الغرب من هذا الخط إذا رأت الهلال بدأ عندها الشهر القمري الجديد من اليوم التالي للرؤية ، بينما جميع الأماكن الواقعة إلى الشرق من خط اتحاد المطالع فإنها لا ترى الهلال إلا في اليوم التالي . واليوم يبدأ في التقويم القمري من غروب الشمس إلى غروبها التالي ، وبذلك يكون الليل سابقاً للنهار، وفى التقويم الشمسي يبدأ اليوم من منتصف الليل إلى منتصفه التالي . وعلى ذلك فقد أصبحت حركات كلٍ من الأرض والقمر والشمس معلومة لنا بدقة كبيرة لدرجة أن الساعات الزمنية تُضبط اليوم على حركاته ، وصدق الله العظيم الذي انزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ "    (الأنعام : 96) .
وصدق ربنا (العزيز الحكيم ) الذي انزل كذلك قوله الحق: " الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ " (الرحمن : 5) .
أي بحساب مُحكَم دقيق يعين الإنسان على إدراك الزمن وحسابه، والتأريخ للأحداث،وأداء العبادات والحقوق ، ولولا ذلك لتعذرت الحياة على الأرض.
وهي قضايا لم يدركها الإنسان إلا في أزمنة متأخرة بقرون طويلة بعد تنزل القرآن الكريم ، مما يقطع بأنه كلام الله الخالق ، ويشهد بالنبوة والرسالة للرسول الخاتم الذي تلقاه بحق ، وأبلغه بأمانة ، وصدق ، وجاهد في سبيله حتى أتاه اليقين ، فصلِّ اللهم وسلم وبارك عليه ، وعلى آلة وصحبه ، ومن تبع هداه ، ودعا بدعوته إلى يوم الدين .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .