" فَلَمَّا قَضَيْنَا عليه المَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ " (سبأ‏:14‏).


هذا النص القرآني جاء في مطلع الربع الثاني من سورة سبأ‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وعدد آياتها‏ (54)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى قوم سبأ‏ ,‏ وهم قبيلة من العرب سكنت اليمن وسميت باسم جدهم‏ (سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان‏) .‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة الإسلامية‏ ,‏ ومن ركائزها ‏:‏ الإيمان بالله‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ والتوحيد الخالص لجلاله‏ (بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏) ,‏ والإيمان بوحيه‏ ,‏ وبجميع أنبيائه ورسله‏ ,‏ وبحتمية الآخرة‏ ,‏ والبعث‏ ,‏ والحساب‏ ,‏ والجزاء إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ ,‏ وبأن الإيمان يصدقه العمل الصالح‏ ,‏ وكلاهما قوام الحكم والجزاء عند الله الذي‏ ...‏ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين‏ ,‏ وأنه ما من قوة يمكنها أن تعصم العبد من عقاب الله‏ ,‏ وما من شفاعة عنده إلا بإذنه‏ .‏ وترد السورة على المشركين في إنكارهم للآخرة‏ ,‏ وعلى تكذيبهم بالبعث بعد الموت بعرض عدد من مشاهد القيامة‏ ,‏ ومن صور العذاب الذي يكذبون به‏ ,‏ ومن الأدلة على عجز شركائهم الذين يدعون من دون الله‏ ,‏ كما ترد على المكذبين لبعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ ولرسالته الخاتمة‏ ,‏ وتناولت هذه السورة الكريمة أيضا قصص عدد من أنبياء الله الشاكرين لأنعمه‏ ,‏ وعدد من الأمم التي أبطرتها النعم كقوم‏ (سبأ‏)‏ الذين عاقبهم الله‏ (تعالى‏)‏ على طرهم بإقصاء نعمه عنهم‏ ,‏ وتلك سنة الله في خلقه‏ ,‏ وهي سنة لا تتوقف‏ ,‏ ولا تتخلف أبدا فاعتبروا يا أولي الأبصار‏ ... !! .‏

عرض موجز لسورة سبأ :
تبدأ سورة سبأ بثناء الله‏ (تعالى‏)‏ على ذاته العلية بقوله‏ (عز من قائل‏) : ‏" الْحَمْدُ لله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ. يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ " (سبأ‏:2,1) .‏
ثم انتقلت السورة إلى الرد على منكري البعث بالتأكيد على حتمية وقوعه‏ ,‏ والرد على المناوئين لبعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) : ‏
" وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ إليمٌ . وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إليكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ  " (سبأ‏:6,5) .‏
وتستشهد الآيات ببديع صنع الله في السماء والأرض‏ ,‏ وتتهدد المكذبين ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏
 (صلى الله عليه وسلم‏)‏ والمتطاولين على شخصه الكريم من الكفار والمشركين والمكذبين بالبعث في القديم والحديث وحتى قيام الساعة بأن الله‏ (تعالى‏)‏ لو يشاء لخسف بهم الأرض أو أسقط عليهم كسفا من السماء‏ .‏
ثم انتقلت السورة بالحديث إلى قصة كل من نبي الله داود وولده النبي سليمان‏ (على نبينا وعليهما من الله السلام‏) ,‏ وما من الله‏ (تعالى‏)‏ به عليهما من أفضال جزاء شكرهما لأنعمه‏ ,‏ وقارنت ذلك ببطر غالبية‏ (قوم سبأ‏)‏ الذين أعرضوا عن دين الله بعد أن كانت ملكتهم قد أسلمت لرب العالمين مع سليمان‏ (عليه السلام‏) ,‏ فأزال الله نعمه عنهم‏ ,‏ وجعلهم أحاديث‏ ,‏ ومزقهم كل ممزق‏ ,‏ وجعلت من قصتهم آيات لكل معتبر ولكل صبار شكور‏ .‏
ثم توجه الآيات الخطاب للمشركين بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ " (‏سبأ‏:22) .‏
والخطاب هنا للتوبيخ والتعجيز إذ يقرر أن كل معبود غير الله لا يملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض‏ ,‏ لا على سبيل الملك‏ ,‏ ولا حتى المشاركة‏ ,‏ والله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ لا يستعين بهم في شيء‏ ,‏ فما هو في حاجة إلى معين‏ ,‏ ولا يشفع عنده إلا من أذن له‏ ,‏ وفي ذلك يقول‏ :
‏" وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العلى الكَبِيرُ " (سبأ‏:23) .‏
وتؤكد الآيات أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يرزق خلقه من السماوات والأرض‏ ,‏ وأن كل مخلوق مسئول عن عمله‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يفصل بين خلقه يوم القيامة‏ ,‏ ويستنكر شرك المشركين وهو العزيز الحكيم‏ .‏
وتخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ له‏ :‏
" وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ "‏ (سبأ‏:28) .‏
وتعاود السورة الكريمة الرد على منكري البعث وعلى الذين يرفضون الإيمان بالقرآن الكريم ولا بما أنزل من قبله من كتب‏ ,‏ وعلى المشركين فتقول الآيات‏ : ‏
" وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ . وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا القُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ "‏ (سبأ‏:29‏-‏31) .‏
وتفصل السورة الكريمة ضربا من الحوار بين الذين استكبروا والذين استضعفوا من المشركين في يوم القيامة وتختتم بقول الحق‏ (عز وجل‏) : ‏
"وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا العَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " (سبأ‏:33) .‏
وتعرج الآيات في سورة سبأ على غرور المترفين الذين أفسد الترف فطرتهم‏ ,‏ وأغلظ قلوبهم‏ ,‏ وأفقدها رقة الخضوع لله‏ (تعالى‏) ,‏ وملأها بالكبر على الهداية‏ ,‏ والإصرار على الباطل‏ ,‏ والانغماس في الشهوات‏;‏ والمترفون عادة ما تخدعهم النعمة‏ ,‏ ويغرهم ما أغدق الله‏ (تعالى‏)‏ عليهم من ثراء وقوة فيحسبون ذلك مانعهم من عذاب الله‏ ,‏ وهو وهم كاذب لا ظل له من واقع‏ ,‏ ولذلك تقول الآيات فيهم‏ :
" وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ . وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ . قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ . وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ آمِنُونَ" (‏سبأ‏:34‏ ـ‏37) .‏
وتشجع الآيات على الإنفاق في سبيل الله مؤكدة أن الرزق من الله‏ (تعالى‏)‏ فتنطق بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ موجها الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏
" قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ " (سبأ‏:39) .‏
وتعاود السورة الكريمة توجيه الخطاب مرة أخرى إلى المشركين ومنهم من عبد الملائكة أو الجن من دون الله فتقول‏ : ‏
" وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ . قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ. فَإليوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلاَ ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ " (سبأ‏:40‏-‏42) .‏
ويكرر ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ إنذار المكذبين لبعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بعقاب مماثل لعقاب المكذبين من الأمم السابقة فيقول‏ (عز من قائل‏) : ‏
" وَإِذَا تُتْلَى عليهمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ . وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إليهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ . وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ" (سبأ‏:43‏-‏45) .‏
والمتصفح للعديد من المواقع على شبكة المعلومات الدولية‏ ,‏ والمستمع إلى العديد من الإذاعات المحلية والأجنبية‏ ,‏ والمشاهد للقنوات الفضائية‏ ,‏ والمطلع على الكثير من غير ذلك من الوسائل الإعلامية يدرك أن هذا التطاول على خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ بهذا المنطق المعوج نفسه‏ ,‏ وهذا الإسفاف في التعبير لا يزال سائدا‏ ,‏ وكأن هذه الآيات الكريمة قد نزلت لكفار ومشركي زماننا كما نزلت للكافرين والمشركين في زمن الوحي‏ ,‏ وفي الفترات الفاصلة بين زماننا وزمانهم وحتى قيام الساعة‏ .‏
ويأتي الرد من الله‏ (تعالى‏)‏ بالأمر إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن يقول لهؤلاء الكفار والمشركين في زمانه‏ ,‏ وفي كل زمان من بعده ما نصه ‏: ‏
" قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ . قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الغُيُوبِ.قُلْ جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ البَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ  " (سبأ‏:46‏-‏49) .‏
وتختتم السورة الكريمة بذكر مصير الكافرين في يوم القيامة وذلك بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ . وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ .وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ . وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ " (سبأ‏:51‏-‏54) .‏
والآيات تمثل الهول الذي يفاجأ به الكفار والمشركون في الآخرة ولقد فوجئوا بما أنذروا به فكذبوه‏ ,‏ ورأوا العذاب الذي حذروا منه فاستهانوا به وأنكروه‏ ,‏ رأوه رأي العين‏ ,‏ وعلموا يومئذ أن لا نجاة ولا مهرب لهم منه‏ ,‏ وأخذوا من موقف الحساب مباشرة إلى النار‏ ,‏ وأني لهم في الآخرة تناول كفرهم القديم بالإيمان‏ ,‏ ومحو معاصيهم السابقة بالتوبة‏ ,‏ وقد كان ذلك يعرض عليهم في الدنيا فرفضوه‏ ,‏ ويقدم إليهم بين أيديهم فضيعوه‏ ,‏ وكانوا يرجمون بالغيب‏ ,‏ ويحكمون بالظن والهوى‏ ,‏ ويتكلمون بما لم ينزل عليهم فيزعمون لله‏ (تعالى‏)‏ الشريك‏ ,‏ والشبيه‏ ,‏ والمنازع‏ ,‏ والصاحبة‏ ,‏ والولد‏ ,‏ وينكرون البعث‏ ,‏ والحساب‏ ,‏ والجزاء‏ ,‏ والجنة‏ ,‏ والنار‏ ,‏ وينكرون ربانية القرآن الكريم‏ ,‏ مدعين بأنه من أساطير الأولين‏ ,‏ وواصفين إياه بالشعر تارة‏ ,‏ وبالسحر المبين تارة أخرى‏ ,‏ وواصفين النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بأوصاف لا تليق بمقامه الشريف‏ ,‏ وبما هو بعيد عن الحق والصواب بعد المشرقين‏ ,‏ ولذلك يحال بينهم وبين التوبة والإيمان بالله‏ ,‏ وبملائكته‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسله في الآخرة‏ ,‏ وهو الأمر الذي يشتهون ويتمنون ولكن هيهات هيهات‏ ,‏ وذلك تماما ما فعل بأمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم السابقة عليهم‏ ,‏ فقد كانوا جميعا في شك مريب من أمر الدين الصحيح وهو الإسلام العظيم الذي علمه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ لأبينا آدم‏ (عليه السلام‏)‏ لحظة خلقه‏ ,‏ وأنزله على فترة من الرسل‏ ,‏ وهدي به الخلق بواسطة نفر كثير من الأنبياء ثم أكمله وأتمه وحفظه في رسالته الخاتمة التي بعث بها النبي والرسول الخاتم (صلى الله عليه وسلم‏) .‏
وهكذا ختمت سورة سبأ بهذا الختام الذي يصف مشهدا عنيفا من مشاهد يوم القيامة‏ ,‏ وهو مشهد لم يقع في حس الناس بعد‏ ,‏ ولكن إذا علمنا أن كلا من الزمان والمكان من خلق الله‏ (تعالى‏) ,‏ والمخلوق لا يحد خالقه أبدا‏ ,‏ لأدركنا أن كلا من الماضي والحاضر والمستقبل حاضر عند الله‏ (تعالى‏) ,‏ إذا تحدث ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ عن أمر مستقبلي قادم تحدث عنه حديث المشاهد البصير‏ ,‏ والخبير العليم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء‏ ,‏ فتبارك الله رب العالمين‏ .‏

من ركائز العقيدة في سورة سبأ :
تطالب سورة سبأ كل الخلق بأن يؤمنوا بالقواعد الأساسية التالية ‏:‏
‏(1)‏ أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو رب السماوات والأرض وما فيهن‏ ,‏ وأنه هو‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ سوف يحمد في الآخرة من جميع خلقه لتحقق كل ما وعد به‏ ,‏ وأنه هو العزيز الحكيم‏ ,‏ والخبير العليم‏ ,‏ والغفور الرحيم‏ ,‏ والفتاح والرزاق ذو القوة المتين الذي يرزق عباده في السماوات والأرض‏ ,‏ وأنه هو‏ (سبحانه‏)‏ علام الغيوب وعلى كل شيء شهيد‏ .‏
‏(2)‏ أن علم الله‏ (تعالى‏)‏ هو علم محيط‏ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين .‏
‏(3)‏ أن البعث حتمي‏ ,‏ وأن الآخرة ضرورة لازمة‏ ,‏ وإن كذب بهما المكذبون‏ ,‏ وكفر بحتمية وقوعها الكافرون‏ .‏
‏(4)‏ أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم من الله‏ (تعالى‏)‏ مغفرة ورزق كريم‏ ,‏ وأن الذين وقفوا في وجه الدعوة المحمدية المباركة وفي وجه آيات الله المنزلة في قرآنه الكريم معاجزين لهم عذاب من رجز أليم في الدنيا قبل الآخرة ‏.‏
‏(5)‏ أن المعجزات التي أجراها الله‏ (تعالى‏)‏ لعدد من أنبيائه من أمثال داود وسليمان‏ (عليهما من الله السلام‏)‏ هي حق مطلق لا جدال فيه‏ ,‏ وكذلك ألوان العذاب التي أنزلها الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بعدد من العصاة السابقين من أمثال‏ (قوم سبأ‏)‏ هي حق كذلك .‏
‏(6)‏ أن كل معبود من دون الله لا يملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض‏ ,‏ وليس له شرك في أي منهما‏ ,‏ وليس له من دون الله من واق‏ ,‏ ومن هنا كان الشرك ظلما عظيما للنفس‏ ,‏ وكان كل من وقع في دنسه خاسرا خسرانا مبينا ‏.‏
‏(7)‏ أن الشفاعة عند الله‏ (تعالى‏)‏ لا تنفع إلا لمن أذن له‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
‏(8)‏ أن كل إنسان مسئول عن أعماله هو‏ ,‏ ولا يسأل عن أعمال غيره‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ يفصل بين عباده بالعدل والقسطاس المستقيم‏  .‏
‏(9)‏ أن خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قد أرسل إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏ ,‏ وأن من لم يؤمن به وبرسالته فقد خسر خسرانا مبينا‏ .‏
‏(10)‏ أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه‏)‏ هو خير الرازقين‏ ,‏ وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك ولا يؤمنون به‏ .‏
‏(11)‏ أن‏‏ من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون وأن الذين يعارضون القرآن الكريم ويتحدونه سوف تجرهم زبانية جهنم إليها وهم فيها محضرون ‏ .‏

من الإشارات الكونية في سورة سبأ :
(1)‏ تقرير أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق السماوات والأرض ومالكهما بكل من فيهما وما فيهما‏ ,‏ وأنه هو القادر على أن يخسف الأرض أو أن يسقط السماء كسفا على من يشاء‏ .‏
‏(2)‏ وصف الحركة في الأرض بالولوج والخروج‏ ,‏ وفي السماء بالنزول والعروج وهي دقة علمية بالغة‏ .‏
‏(3)‏ التأكيد على حتمية النهاية لهذا الكون‏ ,‏ وهو ما تدعمه كل المشاهدات الحسية فيه .‏
‏(4)‏ الإشارة إلى ما هو أصغر من الذرة والذي لم يصل إليه علم الإنسان إلا في مطلع القرن العشرين‏ .‏
‏(5)‏ أن المخلوقات من مثل الجبال والطير لها أقدار متفاوتة من الإدراك‏ ,‏ والشعور‏ ,‏ والإحساس‏ ,‏ والعبادة‏ ,‏ والتسبيح لله الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وحده‏ ,‏ وهو ما بدأت الدراسات العلمية في تلمسه أخيرا‏ .‏
‏(6)‏ أن الريح قد سخرت لسليمان غدوها شهر ورواحها شهر‏ ,‏ ومن ذلك يمكن الوصول إلى عدد من الحسابات العلمية .‏
‏(7)‏ الإشارة إلى القطر وهو إما القطران‏ (وهو الأرجح‏)‏ أو النحاس المصهور .‏
‏(8)‏ ذكر حقيقة أن من دواب الأرض‏ (أي حشراتها‏)‏ ما يأكل الخشب‏ .‏
‏(9)‏ ذكر ما كانت فيه قبيلة سبأ من نعيم مقيم‏ ,‏ وسد للماء عظيم‏ (سد مأرب‏) ,‏ ثم أبطرتها النعمة فعاقبها الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بتسخير سيل العرم عليها فهدم السد‏ ,‏ ودمر الزرع‏ ,‏ وشتت الجمع‏ ,‏ وجعلهم أحاديث في أفواه الناس من حولهم‏ ,‏ وكل ذلك مما ثبت في دراسات متأخرة‏ .‏
‏(10)‏ الإشارة إلى عالمية الدعوة الإسلامية‏ ,‏ وهو ما تحقق في الماضي القريب ولا يزال يتحقق إلى أن يشاء الله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معاملة مستقلة‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثامنة من القائمة السابقة التي جاءت في الآية الرابعة عشرة من سورة سبأ وقبل الوصول إلى ذلك أري لازما على أن أستعرض أقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة قبل شرح دلالاتها العلمية‏ .‏



من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ (تعالى‏) :
" فَلَمَّا قَضَيْنَا عليه المَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي العَذَابِ المُهِينِ " (سبأ14)‏‏ .


(1)‏ ذكر ابن كثير‏ (رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏ :‏ يذكر تعالى كيفية موت سليمان عليه السلام‏ ,‏ وكيف عمى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة‏ ,‏ فإنه مكث متوكئا على عصاه وهي منسأته مدة طويلة‏‏ فلما أكلتها دابة الأرض وهي‏ (الأرضة‏)‏ ضعفت وسقط إلى الأرض‏ ,‏ وعلم أنه كان قد مات قبل ذلك بمدة طويلة‏ ,‏ وتبينت الجن والإنس أيضا أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك‏ .
‏‏(2)‏ وجاء في الظلال‏ (رحم الله كاتبها برحمته الواسعة جزاء ما قدم‏)‏ قوله‏ : وقد روي أنه كان متكئا على عصاه حين وافاه أجله‏ ;‏ والجن تروح وتجيء مسخرة فيما كلفها إياه من عمل شاق شديد‏ ,‏ فلم تدرك أنه مات‏ ,‏ حتى جاءت دابة الأرض‏ .‏ قيل إنها الأرضة‏ ,‏ التي تتغذي بالأخشاب‏ ,‏ وهي تلتهم أسقف المنازل وأبوابها وقوائمها بشراهة فظيعة‏ ,‏ في الأماكن التي تعيش فيها‏ .‏ وفي صعيد مصر قري تقيم منازلها دون أن تضع فيها قطعة خشب واحدة خوفا من هذه الحشرة التي لا تبقي على المادة الخشبية ولا تذر‏ .‏ فلما نخرت عصا سليمان لم تحمله فخر على الأرض‏ .‏ وحينئذ فقط علمت الجن موته‏ ,‏ وعندئذ ‏
"‏ تَبَيَنتِ الجِنُ أنْ لو كَانُوا يَعلَمُونَ الغَيبَ ما لبِثُوا فيِ العَذَابِ المُهِيِن "‏ فهؤلاء هم الجن الذين يعبدهم بعض الناس‏ ,‏ هؤلاء هم سخرة لعبد من عباد الله‏ .‏ وهؤلاء هم محجوبون عن الغيب القريب ‏;‏ وبعض الناس يطلب عندهم أسرار الغيب البعيد‏ .‏
‏‏ (3)‏ وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أري حاجة إلى إعادته هنا‏ ,‏ وإن كانت الإسرائيليات قد أفاضت في ذكر قصة وفاة سليمان‏ (عليه السلام‏) ,‏ ونحن معشر المسلمين علينا الالتزام بأوامر رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بقوله الشريف‏:‏ إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم لأننا إذا‏ :‏ صدقناهم قد يصادف ذلك أمرا من الأمور التي حرفوها في دياناتهم‏ ,‏ وإذا كذبناهم فقد يصادف تكذيبنا لهم أمرا من بقايا الحق القديم الذي بقي فيما توارثوه من ذكريات عن أخبار أنبيائهم‏ ,‏ خاصة وأن الكتب الموجودة بين أيديهم اليوم مكتوبة بلغات غير لغات الوحي الذي أوحيت به‏ ,‏ ومن هنا تعددت التراجم‏ ,‏ وكثرت المراجعات‏ ,‏ وتباينت الأخبار‏ ,‏ وكثرت التناقضات مع ضياع الأصول‏ ,‏ وفقدان المرجعية‏ ,‏ ومن هنا أيضا كان واجب الالتزام بأوامر خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فلا نصدقهم‏ ,‏ ولا نكذبهم‏ ,‏ ولا ننقل عنهم‏ ,‏ لأن النقل عنهم في تفصيل بعض الأخبار‏ ,‏ أو التواريخ‏ ,‏ أو الأحداث‏ ,‏ أو الأشخاص قد يكون سجلا من الأخطاء تجمع تحت مسمي الإسرائيليات التي يجب نبذها‏ ,‏ والاحتراز من ترديدها‏ ,‏ وإدراك مخاطر ذلك وأخطائه العلمية‏ ,‏ والتاريخية‏ ,‏ والدينية‏ ,‏ خاصة وأن اليهود قد برعوا عبر التاريخ في تزييف الحقائق‏ ,‏ وطمس الوقائع التي تدينهم‏ ,‏ وفي تزوير التاريخ جملة وتفصيلا حتى يخفوا جرائمهم في حق الإنسانية كلها وهم أعداؤها الألدون لكثرة ما زيفوا من حقائق تصور لهم أنهم وحدهم شعب الله المختار‏ ,‏ أبناؤه وأحباؤه وغيرهم من الخلق حيوانات خلقت في هيئة الآدميين حتى يكونوا في خدمتهم‏ ,‏ وانطلاقا من هذا الوهم الخاطئ والكذب على الله‏ (تعالى‏)‏ ملأوا الأرض ظلما وجورا وإفسادا ولا يزالون يفعلون ذلك على أرض فلسطين الجريحة والتي أغرقوها في بحار من الدماء والأشلاء والدمار والخراب ولا يزالون‏ ,‏ والله لهم بالمرصاد‏ ,‏ ووعده‏ (تعالى‏)‏ لن يخلفه بتدميرهم في الدنيا قبل الآخرة‏ ,‏ وما ذلك على الله بعزيز‏ .‏

من الدلالات العلمية للنص الكريم:
أولا ‏:‏ في قوله تعالى‏ :
"‏ دَابَّةُ الأَرْضِ "
ودابة الأرض التي جاء ذكرها في هذا النص القرآني الكريم هي إحدى الحشرات التي تأكل الخشب‏ ,‏ وتحفر فيه لتتخذ منه مأوى وطعاما في آن واحد ولذا تعرف باسم ناقرات الخشب
(
WoodBorers)‏ أو القادح ومنها الأرضة‏ (القرضة‏) ,‏ العتة‏ ,‏ زنابير الخشب‏ ,‏ ويرقات الفراشة الماعز‏ ,‏ ويرقات الخنافس‏ (من مثل الخنافس ذات القرون الطويلة‏ ,‏ خنفساء المسك اللامعة‏ ,‏ الخنفساء الزنبورية‏ ,‏ خنفساء الحطاب‏ ,‏ خنافس الأثاث‏ ,‏ خنافس أعمدة التلغراف‏ ,‏ خنفساء قلف الأشجار‏ ,‏ والخنفسة المعروفة باسم نذير الموت‏ ,‏ وغيرها‏) ,‏ ومنها بعض سوس الأشجار‏ (مثل سوس شجرة الصنوبر‏) ,‏ ومنها ما يعرف تجـاوزا باسـم نمل الخشـب أو النمل الأبيض‏(Termites)‏ وقد جمع القرآن الكريم ذلك كله في تعبير علمي دقيق هو دابة الأرض‏ .‏ وهو وصف معجز لأن أغلب هذه الحشرات تعيش تحت سطح الأرض أو في جذوع الأشجار‏ ,‏ أو في داخل أخشاب الأثاث والبناء مختفية عن الضوء‏ ,‏ لأنها لا تقوي على التعرض طويلا لأشعة الشمس ولذا نجدها قبل غزو الخشب تتحرك في أنفاق طينية طويلة تصنعها الشغالات‏ .‏ ثم إن ناخرات الخشب تشكل أعدادا كبيرة من الحشرات توضع في مجموعات تصنيفية مختلفة ومتعددة‏ ,‏ وتضمها صفة أنها كلها تعيش على أخشاب الأشجار طعاما ومأوى‏ ,‏ فالنمل الأبيض‏ (نمل الخشب‏)‏ على سبيل المثال ليس من النمل ولو أنه يعيش عيشة جماعية في مستعمرات شبيهة بمستعمرات النمل‏ ,‏ تقوم على الملك والملكة‏ ,‏ والشغالات والناسلات المتساوية العدد تماما مع الذكور‏ ,‏ والجنود الذين لا دور لهم إلا حراسة المستعمرة ‏ .‏
وأنواع النمل الأبيض
‏(
Termites)‏ التي تم التعرف عليها في مختلف بقاع الأرض يصل عددها إلى قرابة الثلاثة آلاف نوع‏ ,‏ ينتشر أغلبها في المناطق الاستوائية والمدارية وشبه المدارية والمعتدلة‏ ,‏ وتتضاءل أعدادها في اتجاه القطبين ‏.‏
وتحمل هذه الحشرات في جهازها الهضمي عددا من الطفيليات من البكتيريا والطلائعيات‏ (الحيوانات الأولية وحيدة الخلية الحاملة لنواة محددة‏)‏ التي تتعايش معها لتعينها على هضم المواد الخشبية من السيليلوز واللجنين وتحولها إلى مواد صالحة لطعام هذه الحشرة‏ .‏
أما الخنافس ذات القرون الطويلة فإن أنثاها تضع حوالي خمسين بيضة في المرة الواحدة‏ ,‏ وتضعها في أي كسور أو شقوق أو فتحات في الخشب سواء كان حيا‏ (في جذوع وفروع الأشجار والشجيرات‏)‏ أو كان ميتا أي واقعا منها‏ ,‏ أو منشورا عنها‏ ,‏ وعندما يفقس هذا البيض تخرج منه اليرقات لتنخر في الخشب الذي تتغذي على ما تنخره منه بواسطة إنزيمات وخمائر خاصة تفرزها عليه‏ ,‏ وتهيئ لها سكنا فيه وإن حاولت أن تبقي قريبة من السطح‏ .‏ وتعيش اليرقات في سراديبها التي حفرتها في داخل الخشب لفترات تتراوح بين السنة والثلاث سنوات إذا كان الخشب رطبا‏ ,‏ أما إذا كان الخشب جافا فقد تبقي اليرقات إلى فترات قد تصل إلى عشرين سنة يكتمل فيها نمو اليرقة إلى الحورية ثم إلى الحشرة الكاملة التي لا تخرج مباشرة لتعاود هذه العملية من جديد إلا في فترتي الربيع والصيف بعد أن تكون قد نخرت ثقوبا بيضاوية تتراوح أقطارها بين السنتيمتر وضعف ذلك‏ ,‏ مما قد يؤدي إلى أضرار بليغة بالخشب الذي نخرته وعاشت بداخله‏ .‏ وعندما تخرج الحشرة الكاملة من الأنفاق التي حفرتها في الشجرة التي تطفلت عليها‏ (أو الخشب الجاف الذي عاشت فيه‏)‏ فإنها لا تبتعد كثيرا عنها فإما أن تعيش تحت قلفها‏ ,‏ أو في التربة المحيطة بها‏ ,‏ أو على الأزهار المتفتحة من حولها‏ ,‏ والتي تتغذي على حبوب اللقاح التي تجمعها منها‏ .‏
والأشجار التي تتطفل عليها يرقات الخنافس هي عادة من ذوات الأوراق العريضة مثل أشجار البلوط‏ ,‏ والصفصاف‏ ,‏ والحور وأشباهها‏ .‏ أما زنابير الخشب فإنها تركز على الأشجار المخروطية وتعرض عن الأشجار ذات الأوراق العريضة بصفة عامة‏ .‏ ومن النمل الأبيض ما يعيش في داخل الأخشاب الرطبة والجافة‏ ,‏ وما يحيا في داخل تربة الأرض‏ ,‏ مع بناء عدد من الأعشاش فوق سطح الأرض‏ .‏

ثانيا‏ :‏ في قوله تعالى ‏: " تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ "
من حكمة الله البالغة أنه بعث خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في أرض صحراوية يندر فيها النبات إلا في بعض الواحات المحدودة‏ ,‏ حتى تبقى آيات النبات في القرآن الكريم وفي أحاديثه النبوية الشريفة من المعجزات الشاهدة بصدق نبوته‏ (عليه الصلاة والسلام‏)‏ وبصدق الوحي الموحي به إليه
‏ (القرآن الكريم‏) .‏ ومن هذه الآيات قول الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ عن دابة الأرض أنها كانت تأكل منسأة سليمان‏ (عليه السلام‏)‏ أي عصاته التي كان يتوكأ عليها‏ ,‏ وكانت من خشب‏ .‏ وسميت العصاة‏ (منسأة‏)‏ لأنها يزجر بها ويساق‏ ,‏ وتؤخر بها الغنم وتدفع إذا جاوزت حدود المرعي‏ ,‏ والكلمة مستمدة من قولهم‏ (نسأ‏)‏ البعير أي زجره وساقه‏ ,‏ أو أخره ودفعه‏ ,‏ و‏(‏النسيء‏)‏ تأخير في الوقت عن زمنه‏ ,‏ ومثله‏ (النسيئة‏)‏ و‏(‏النساء‏) ;‏ و‏(‏المنسأ‏)‏ و‏(‏المنسأة‏)‏ عصا‏ (ينسأ‏)‏ بها الشيء أي يؤخر‏ ,‏ ويزجر‏ .‏ وعصاة سليمان كانت بالقطع من الخشب لأن الناس في زمانه لم يكونوا يعرفون مصدرا لصناعة العصي غير الخشب‏ .‏

وربما لاحظ الناس منذ القدم نخر بعض الحشرات للخشب خاصة في البلاد ذات الكساء الخضري الكثيف أما حقيقة أن تلك الحشرات بالفعل تأكل الخشب وتحيا على مادته السيليلوزية واللجنينية الجافة بإفراز بعض الإنزيمات والخمائر الخاصة عليه فلم تدرك إلا بعد تطور علم الحشرات عبر القرون القليلة الماضية حين بدأ الإنسان يعير هذه المخلوقات الدقيقة اهتمامه حتى وصل عدد الأنواع المعروفة منها اليوم إلى قرابة المليون نوع‏  .‏ وتقسم الحشرات اليوم كما تقسم بقية المخلوقات الحية حسب طرائق اغتذائها إلى آكلات النبات‏ ,‏ وآكلات اللحوم‏ (اللواحم‏) ,‏ وآكلات كل من النبات واللحوم‏ (الحشرات المتنوعة الأكل‏)‏ بالإضافة إلى ما يعرف باسم الحشرات المرمرمة التي تتغذى على المواد النباتية أو الحيوانية الميتة أو المتحللة مما يساعد على تنظيف البيئة من آثارها المدمرة‏ ,‏ وذلك بإتمام تحلل تلك الجيف وتفكيكها إلى مواد تخصب التربة وتغذي النباتات ‏.‏ ومن الحشرات آكلة النباتات ما يعيش على امتصاص العصارات الغذائية التي تجري في خلايا تلك النباتات‏ ,‏ ومنها ما يعيش على أكل أوراق النباتات‏ (وتعرف باسم الحشرات مجردة النباتات من أوراقها‏) ,‏ ومنها ما يعيش داخل أوراق النباتات‏ (الحشرات صانعة الأنفاق في أوراق النباتات‏) ,‏ ومنها ما يعيش داخل ثمار النباتات ومحاصيلها المختلفة مثل الحبوب‏ (آكلات الثمار‏ ,‏ آكلات البذور‏ ,‏ آكلات الفطر‏ ,‏ آكلات الدرنات وغيرها‏) ,‏ وهناك الحشرات التي تحيا على قلف الأشجار‏ (حشرات القلف‏) ,‏ ومن الحشرات ما يحفر في الخشب ويتغذي على ما فيه من بقايا المواد السكرية والنشوية في الخلايا الخشبية‏ ,‏ وعلى مكونات تلك الخلايا من المواد السيليولوزية واللجنينية بعد تفكيكها إلى مركباتها الأساسية‏ ,‏ وتعرف هذه الحشرات باسم ناخرات الأخشاب وهي تنخز في كل أخشاب الأشجار والأخشاب الجافة للحصول على كل من الغذاء والمأوى‏ ,‏ ولذلك زودها الله‏ (تعالى‏)‏ بالأدوات اللازمة للنخز في الخشب‏ ,‏ وبالقدرة الفائقة على هضم ما به من مواد سيليلوزية ولجنينية صعبة التحلل‏ ,‏ وذلك بإفراز عدد من الإنزيمات والخمائر القادرة على ذلك‏ ,‏ أو بالتعايش مع أعداد من البكتيريا والطلائعيات‏ (الأوليات‏)‏ التي تنتشر في القنوات الهضمية لتلك الحشرات والتي أعطاها الله‏ (تعالى‏)‏ القدرة على تحليل المواد السيليلوزية واللجنينية وتحويلها إلى مواد صالحة لتغذية تلك الحشرات الناخرة‏ .‏ وأغلب ناخرات الأخشاب هي من اليرقات التي يتحول الكثير منها إلى الحوريات ثم إلى الحشرات البالغة‏ ,‏ بعد فترات متباينة لنموها في داخل الخشب تتراوح بين السنة وأكثر من العشرين من الأعوام‏ .‏ وقد زود الله‏ (تعالى‏)‏ ناخرات الخشب بالأدوات اللازمة للنخر سواء كان ذلك من الزوائد الفمية أو آلة وضع البيض في أنثي الحشرة‏  .‏ ففي حالة زنابير الخشب الكبيرة التي تنخر في الأشجار المخروطية نلاحظ أن الأنثى تستخدم آلة وضع بيضها القوية المسننة مثل المنشار في نشر ثقوب في الخشب الصلب لكي تضع بيضها فيه‏ ,‏ وبعد فقس البيض تقوم اليرقات بالتغذية على الخشب فتحفر أنفاقا يزيد طولها على الثلاثين سنتيمترا في فترة نموها المتراوحة بين سنتين ونصف إلى ثلاث سنوات‏ ,‏ وعند تحول اليرقة إلى عذراء تكون اليرقة قد حفرت لها طريقا في الخشب يقترب من السطح بحوالي السنتيمتر الواحد فتقوم العذراء بنخره لتخرج على هيئة زنبور الخشب الذي تعاود أنثاه الكرة من جديد‏ .‏ ويلزم ليرقات ناخرات الأخشاب ابتلاع كميات كبيرة من الخشب لتحصل منها على الغذاء الكافي لنشاطها ولنموها‏ .‏
ويرقات ناخرات الأخشاب تشكل جزءا مهما من غذاء الطيور المعروفة باسم نقار الخشب الذي ينقر في أخشاب الأشجار المصابة فقط لاحتوائها على يرقات غضة من يرقات الحشرات الناخرة للأخشاب‏ ,‏ والتي تتعرف عليها مثل تلك الطيور بوجود الثقوب التي تحدثها‏ ,‏ وتراب الخشب الذي تقذف به إلى خارج جحورها بعد أن تهضم ما فيه من مواد غذائية‏ .‏
وإشارة القرآن الكريم في هذا النص المعجز الذي يقول فيه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :
"‏ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ "‏ هي أول إشارة في تاريخ البشرية إلى حقيقة أن من الحشرات ما يعيش على أكل الأخشاب‏ ,‏ وهو سبق علمي يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏ ,‏ حفظا كاملا‏ ,‏ في نفس لغة وحيه‏ ,‏ في الوقت الذي تعرضت كل صور الوحي السابقة على تنزله للضياع التام ولأقدار من التحريف لما بقي منها من ذكريات أخرجتها عن إطارها الرباني‏ ,‏ وجعلتها عاجزة عن هداية أصحابها إلى الدين الحق‏ .‏
والحشرات ناخرة الخشب‏ (ومنها النمل الأبيض‏)‏ تعتبر أخطر الآفات الحشرية حيث تحدث خسائر فادحة بسبب تغذيتها على المواد السيليلوزية واللجنينية للأخشاب المكونة لجذوع الأشجار وجذورها‏ ,‏ وأسقف وأبواب وشبابيك المنازل الخشبية‏ ,‏ وأعمدة التليفونات‏ ,‏ والأثاث‏ ,‏ والمفروشات والملابس والورق ومنتجاته‏ ,‏ والحبوب المخزونة‏ ,‏ ومنها ما ينخر في الثمار والمحاصيل النباتية الحية‏ ,‏ وهي في نفس الوقت تلعب دورا مهما في التخلص من أكداس النفايات التي تحولها إلى سماد للتربة التي تساعد أيضا على تهويتها وتحسين كل من صفاتها الكيميائية والميكانيكية وإثرائها بالمواد العضوية .‏
وإن كان لفظ‏ (الدابة‏)‏ يدل على كل شيء يدب وهو جمع للفظة‏ (داب‏)‏ مثل‏ (خائنة‏)‏ جمع‏ (خائن‏) ,‏ فإن‏ (دابة‏)‏ كلمة عامة في جميع الحيوانات‏ ,‏ وتشمل جمع المذكر والمؤنث معا‏ ,‏ إلا أن تاء التأنيث في الفعل تأكل منسأته تدل على أن الذي يبدأ النخر في الخشب هي الإناث من تلك الحشرات الناخرة‏ ,‏ وهو سبق علمي آخر لم يكن معروفا في زمن الوحي‏ ,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏ ,‏ وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهد في نفس لغة وحيه على مدي أربعة عشر قرنا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها‏ .‏ فالحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على نعمة حفظه على مر الدهور والأعوام‏ ,‏ والحمد لله على بعثة خير الأنام‏ :‏ سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏