"قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ" (يوسف‏:47).


هذه الآية الكريمة جاءت في أواخر النصف الأول من سورة يوسف وهي سورة مكية‏ ,‏ وعدد آياتها‏ (111)‏ آية بعد البسملة‏ ,‏ وقد تفردت باستعراض قصة هذا النبي الصالح بتفاصيلها‏ ,‏ والذي جاء ذكره‏  (عليه السلام ‏)‏ في كل من سورتي الأنعام وغافر‏ ,‏ وفي مقابلة ذلك جاءت سير غيره من أنبياء الله ورسله إما مجملة في جزء من سورة‏ ,‏ أو مفصلة على مراحل في عدد من السور‏ ,‏ علما بأن سبعا من سور القرآن الكريم تحمل أسماء غيره من أنبياء الله ورسله من أمثال ‏:‏ نوح‏ ,‏ هود‏ ,‏ إبراهيم‏ ,‏ يونس‏ ,‏ طه‏ ,‏ يس‏ ,‏ محمد‏ (صلى الله وسلم وبارك عليهم أجمعين‏) ,‏ أو أسماء جماعة أو فرد من الصالحين من أمثال آل عمران‏ ,‏ مريم‏ ,‏ ولقمان ‏ (رضي الله تعالى عنهم‏) ,‏ أو بعض صفاتهم من أمثال سورتي الأنبياء والمؤمنون‏ .‏
ويبدو ـ والله تعالى أعلم ـ أن الحكمة من وراء إجمال قصة سيدنا يوسف‏  (عليه السلام‏)‏ في سورة واحدة هي تثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم)‏ في وقت من أوقات الشدائد التي لقيها من كفار ومشركي العرب‏ ,‏ بعد وفاة كل من زوجته الوفية أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد ‏ (رضي الله عنها‏)‏ وعمه أبو طالب‏ ,‏ وكانا ـ بعد الله تعالى ـ سندي رسول الله ‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في الدنيا أمام اضطهاد كفار قريش له خاصة‏ ,‏ وللمسلمين عامة‏ ,‏ في مكة المكرمة‏ ,‏ وبعد تخلي أهل الطائف عن مناصرته‏ ,‏ وتآمر الكفار والمشركين في مكة على قتله‏ ,‏ أو سجنه‏ ,‏ أو نفيه‏ ,  (صلى الله عليه وسلم‏)‏ خاصة بعد بيعتي العقبة الأولي والثانية والشعور العام بتعاظم خطر الإسلام والمسلمين وتكوين قاعدة لهم بالمدينة المنورة‏ ,‏ وقد أمر رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بالاستعداد للهجرة‏ ,‏ وعز عليه مفارقة مكة المكرمة ـ أشرف بقاع الأرض وأحبها إلى الله ورسوله ـ وما خامره‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في ذلك من مشاعر الوحشة‏ ,‏ والغربة‏ ,‏ والانقطاع عن الكعبة المشرفة‏ ,‏ وعن الأهل والأحباب‏ ,‏ وكان أغلب أصحابه قد هاجر أغلبهم بالفعل إلى المدينة المنورة‏ .‏ وسط هذه الشدائد والابتلاءات والمحن أنزلت عليه‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ سورة يوسف تروي قصة أخ له من أنبياء الله السابقين‏ ,‏ وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم‏ (على نبينا وعليهم جميعا من الله أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏) ,‏ وقد عاني من الابتلاءات والمحن ما كان في سرده تثبيت لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ ولصحابته الكرام‏ (عليهم رضوان الله‏) ,‏ ولكل مسلم من بعدهم إلى يوم الدين‏ .‏ فمنذ نعومة أظفاره مر يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ بقدر من الابتلاءات لا يقوي على حملها كثير من الناس‏ ,‏ ابتداء بكيد إخوته له‏ ,‏ وتآمرهم عليه‏ ,‏ ومرورا بمحنة إلقائه في غيابة الجب وهو طفل صغير‏ ,‏ وما صاحبه في هذا الوضع المخيف من رعب ووحشة وحزن‏ ,‏ بعد الرعاية الفائقة التي كان قد تعود عليها في ظل والديه‏ ,‏ ثم محنة انتشاله من قاع البئر‏ ,‏ وبيعه رقيقا‏ ,‏ ينقله مالكوه من يد إلى يد‏ ,‏ بغير إرادة منه‏ ,‏ ولا مشورة معه‏ ,‏ وهو النبي ابن النبي ابن النبي ابن النبي‏ ,‏ ثم محنة افتتان زوجة العزيز به‏ ,‏ وولهها وهيامها بحبه‏ ,‏ ومحاولتها فتنته عن فطرته السوية التي فطره الله‏ (تعالى‏)‏ عليها‏ ,‏ ومحنة ما جمعت له من نسوة تستعين بهن على فتنته‏ ,‏ ومحنة السجن دون ذنب أو خطيئة‏ ,‏ ثم الابتلاء بعد ذلك بالجاه والسلطان والسعة في الرزق‏ ,‏ والتمكين في الأرض بالقيام على خزائن مصر‏ ,‏ ثم الابتلاء بلقائه مع إخوته الذين سبق لهم أن ظلموه وجاروا عليه بالكيد له‏ ,‏ وانتهاء بالابتلاء الكبير الذي تمثل في تحقق رؤياه وسجود أبويه وإخوته له بعد أن جمع الله شملهم على أرض مصر‏ .‏
وقد صبر يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ على جميع هذه الابتلاءات والمحن صبر المؤمن بالله‏ ,‏ الموقن بإلوهيته‏ ,‏ وربوبيته‏ ,‏ ووحدانيته وتجلد تجلد الصابر المحتسب‏ .‏ طلبا لمرضاة الله‏ ,‏ وتسليما لقضائه‏ ,‏ ورضا بقدره‏ (سبحانه‏)‏ وإيمانا بأنه الخير كل الخير‏ .‏
ومما يثير الإعجاب حقا أن هذه الابتلاءات والشدائد والمحن التي مر بها سيدنا يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ لم تعقه لحظة عن دعوته إلى الإسلام الخالص القائم على توحيد الله‏ ,‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله حتى في أشد ساعات الابتلاء والامتحان صعوبة‏ ,‏ ويذكر لنا القرآن الكريم رده على زميليه في السجن حيث يقول ‏:‏
" يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ " (يوسف‏:39)‏ .
وبهذا الإيمان الراسخ بالله الواحد القهار خرج يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ من كل هذه الابتلاءات والمحن والشدائد وهو أصلب عودا‏ ,‏ وأقوي على مجابهة الحياة‏ ,‏ وأكثر إخلاصا وتجردا لعبادة الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وحبا له‏ ,‏ وتفانيا في إرضائه‏ ,‏ ولذلك كانت أكبر أمنياته في لحظة الانتصار أن يتوفاه الله مسلما وفي ذلك يقول لنا القرآن الكريم في ختام قصة يوسف‏ (عليه السلام‏) :‏ " فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ . وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقاًّ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ البَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ . رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ‏" (يوسف‏:99‏ـ‏101)‏ .
وهكذا كان في قصة نبي الله يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ أجمل مواساة لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في الابتلاءات والمحن والشدائد التي مر بها قبل الهجرة‏ ,‏ وأعظم تطمين له بحتمية الانتصار على أعداء الله وأعدائه‏ ,‏ وأجمل بشري بقرب التمكين له في الأرض كما مكن الله‏ (تعالى‏)‏ لنبيه يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ بعد ما مر به من الابتلاءات‏ ,‏ ومثل هذه البشريات لا تدركها إلا القلوب العامرة بالإيمان بالله‏ ,‏ والمطمئنة بمعيته‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ والمسلمة بقدر الله وقضائه‏ ,‏ والموقنة بأن فيه الخير كل الخير حتى لو بدا لنا بمقاييسنا البشرية المحدودة أنه ليس في صالحنا‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ .وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ  ‏" (يوسف‏:57,56)‏ .
وفي الآية الأخيرة إشارة واضحة إلى ضآلة شأن الدنيا إذا قورنت بالآخرة‏ ,‏ وتأكيد على أن كل محنة وابتلاء وشدة يمر بها المؤمن في هذه الحياة الدنيا هي من أجل تزكية نفسه‏ ,‏ وتطهير بدنه‏ ,‏ وتكفير سيئاته‏ ,‏ ورفع درجاته‏ ,‏ وزيادة أجره ولذلك فإن سورة يوسف التي بدأت برؤياه وانتهت بتحقيق تلك الرؤيا ختمت بقول الحق تبارك وتعالى‏ :‏ مخاطبا خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏
" قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ.‏ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ.حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ . لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  " (يوسف‏:108‏ـ‏111) .
جاءت قصة يوسف عليه السلام في ثمان وتسعين آية‏ ,‏ وقدم لها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بثلاث من الآيات كانت أولاها‏ :‏ الر تلك آيات الكتاب المبين والحروف المقطعة الثلاث‏ (الر‏)‏ تكررت خمس مرات في مطلع خمس من سور القرآن الكريم‏ ,‏ وجاءت مرة سادسة مع إضافة الحرف م‏ (المر‏) ,‏ وهذه الحروف الهجائية المقطعة التي جاءت بأربع عشرة صيغة‏ ,‏ في مطلع تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم تعتبر من أسرار هذا الكتاب العزيز التي فوض كثير من المفسرين العلم فيها إلى الله‏ (تعالى‏) ,‏ وحاول بعضهم إيجاد تفسير لها‏ ,‏ فمنهم من رأي أنها رموز إلى كلمات أو معان‏ ,‏ أو أعداد معينة‏ ,‏ ومنهم من رأي أنها أسماء للسور‏ ,‏ أو قصدت لإظهار التحدي بالقرآن الكريم‏ ,‏ والدلالة على إعجازه‏ ,‏ أو قصد منها تنبيه السامع‏ ,‏ أو جعلها فواتح للكلام‏ ,‏ ومنهم من يرى أن هناك روابط معنوية بين الحروف المقطعة وسورها‏ ,‏ أو روابط رياضية بين تلك الحروف المقطعة وعدد مرات ورودها في السورة‏ (بمعني وجود قانون رياضي يربط توزيع الحروف في سور هذا الكتاب العزيز الذي نزل منجما آية آية‏ ,‏ أو بضع آيات بضع آيات‏ ,‏ وفي حالة قصار السور وفي بعض الحالات النادرة جاءت السورة كاملة‏) .
ومن المفسرين من يري أن الله‏ (تعالى‏)‏ أراد بتلك الحروف المقطعة شهادة على صدق خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ لنطقه بأسماء تلك الحروف ـ وهو الأمي ـ والنطق بأسماء الحروف لا يعرف إلا بالتعلم والمران‏ ,‏ ومنهم من يري الجمع بين هذه الرؤى كلها‏ .‏ والحروف المقطعة الثلاث‏ (الر‏)‏ التي استهلت بها سورة يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ كأنها تخاطب العرب ـ وهم في قمة الفصاحة والبلاغة وحسن البيان ـ فتقول لهم إن كلامكم يتركب من تلك الحروف الهجائية وأمثالها‏ ,‏ وكذلك القرآن الكريم‏ ,‏ وقد تحداكم ربكم أن تأتوا بقرآن مثله‏ ,‏ أو بعشر سور مفتريات من مثله‏ ,‏ أو حتى بسورة واحدة من مثله ففشلتم وعجزتم عن ذلك مما يجعل هذا الكتاب المبين حجة عليكم أجمعين‏ ,‏ ولذلك جاءت الآية الثانية من سورة يوسف بقول الله‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ "‏ (يوسف‏:2)‏ .
ووجه الخطاب في الآية الثالثة إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وذلك بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ ‏" (يوسف‏:3)‏ .
وذلك لأن قصة نبي الله يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ من أنباء الغيب كما أشار الله‏ (تعالى‏)‏ إلى ذلك في عشر آيات من هذه السورة المباركة‏ ,‏ فلم يكن رسولنا الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ يعلم شيئا عنها قبل أن يتنزل الوحي عليه بها‏ ,‏ ولم تكن الغالبية الساحقة من أهل الأرض تذكر شيئا عنها باستثناء قلة نادرة من أحبار أهل الكتاب الذين كانوا مبعثرين في جيوب قليلة من الجزيرة العربية‏ ,‏ وعلى أطرافها‏ (الشمالية‏ ,‏ والشمالية الغربية‏ ,‏ والجنوبية الغربية‏) .‏ والمقارنة بين قصة سيدنا يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ كما جاءت في القرآن الكريم‏ ,‏ وكما جاءت في العهد القديم توضح الفارق الشاسع بين كلام الله وكلام البشر‏ ,‏ والتشابه في القصة الكريمة مرده إلى وحدة المصدر السماوي‏ ,‏ والاختلاف في الأسلوب والمحتوي والتفاصيل مرده إلى قدر هائل من التحريف الذي تعرضت له رسالة سيدنا موسي‏ (على نبينا وعليه من الله السلام‏) .‏

من القضايا المعنوية في سورة يوسف :
تضمنت سورة يوسف العديد من القضايا العقدية والروحية والمعنوية التي نستخلص منها
 ما يلي ‏:‏‏
(1)‏ أن القرآن الكريم هو كلام الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ الموحي به إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ بلسان عربي مبين كي يفهمه العرب ويطبقوه أمرا واقعا في حياتهم‏ ,‏ ويبلغوا به غيرهم من الأمم أصحاب اللغات الأخرى‏ ,‏ لأنه أنزل للناس كافة‏ ,‏ ولأنه الكتاب المبين عن الدين الحق‏ ,‏ الواضح الدلالة لكل من استرشد بهديه الرباني الخالص‏ ,‏ في الوقت الذي تعرضت كل صور الوحي السابقة على نزوله إما للضياع أو للتحريف‏ .‏
‏(2)‏ أن قصة نبي الله يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ لم تكن معروفة لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قبل الوحي بها إليه‏ ,‏ ولم يكن أحد من العرب يعرفها أو يعرف شيئا عنها سوي آحاد من أهل الكتاب الذين وجدوها بصورة محرفة في كتبهم‏ ,‏ وشتان بين روايتها في القرآن الكريم وسردها عندهم‏ ,‏ والفارق واضح وضوح الشمس بين كلام الله وصياغة البشر‏ ,‏ وعلى ذلك فذكرها في القرآن الكريم هو من الشهادات الناطقة بنبوة هذا النبي الخاتم‏ ,‏ وبأنه‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ كان موصولا بالوحي‏ ,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏ ,‏ وإن كان المستشرقون وأعداء الإسلام من كل لون قد استغلوا التشابه بين القصص القرآني والقصص عن أهل الكتاب للادعاء الباطل بأن الرسول الخاتم‏ (عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏)‏ قد اقتبسه من كتبهم‏ ,‏ بدلا من التسليم بوحدة المصدر وهو الله الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ مع الفارق الواضح بين كلام الله وتحريف البشر‏ ,‏ ويكفي في ذلك الإشارة إلى قصة يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ كما جاءت في كل من سفر التكوين والقرآن الكريم وهنا تتضح الحكمة الربانية من جعل خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ لا يعرف القراءة والكتابة‏ ,‏ كما ثبت ذلك بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في سورة العنكبوت مخاطبا هذا الرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏
" وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ "‏ (العنكبوت‏:48)‏ .
‏(3)‏ أن رؤى الأنبياء حق‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ يعلم من يشاء من عباده الصالحين تأويل الرؤى‏ .‏
‏(4)‏ أن الشيطان للإنسان عدو مبين‏ ,‏ وأنه يترصد بوسوسته جميع بني آدم حتى أبناء الأنبياء والمرسلين كما حدث مع إخوة يوسف‏ (عليه السلام‏) .‏
‏(5)‏ أن المساواة بين الأبناء ضرورة فطرية‏ ,‏ ولازمة تربوية لأن المبالغة في حب الوالدين أو احدهما لأحد الأبناء يدفع الآخرين من الأبناء إلى كراهيته والكيد له كما حدث من إخوة يوسف‏ .‏
‏(6)‏ أن الله‏ (تعالى‏)‏ قادر على أن يمكن لمن يشاء من عباده في الأرض‏ ,‏ وهو‏ (سبحانه‏)‏ غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏ ,‏ والإيمان بهذه الحقيقة يجعل الإنسان راضيا بقضاء الله وقدره‏ ,‏ ويثبته في حالات النوازل‏ ,‏ والمحن والابتلاءات‏ ,‏ ويمنعه من ظلم الآخرين لأنه لا يفلح الظالمون‏ .‏
‏(7)‏ أن جميع أنبياء الله قد آمنوا بالله الواحد القهار‏ ,‏ ودعوا أممهم إلى التوحيد الخالص لله الخالق‏ (بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏) ,‏ وإلى تنزيهه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ عن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ وذلك لأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد أمر بألا يعبد سواه‏ ,‏ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بالله إلا وهم مشركون‏ ,‏ على الرغم من تسليمهم بأنه سبحانه وتعالى فاطر السماوات والأرض‏ ,‏ وذلك من دس الشياطين ووسوساتها إليهم‏ ,‏ ولذلك يوجه الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله بقوله ‏:‏
" وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ‏‏" (يوسف‏:103)‏ .
‏(8)‏ أن الإسلام القائم على التوحيد الخالص لله‏ ,‏ وإسلام الوجه طواعية واختيارا له‏ (سبحانه‏) ,‏ خضوعا كاملا لأوامره‏ ,‏ واجتنابا تاما لنواهيه‏ ,‏ واتباعا دقيقا لهديه‏ ,‏ يحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏ ,‏ وإقامة عدل الله فيها‏ ,‏ هذا الإسلام هو الدين القيم‏ ,‏ الذي لا يرتضي ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ من عباده دينا سواه‏ (ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏) .‏
‏(9)‏ أن النفس الإنسانية أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي وهو الغفور الرحيم‏ ,‏ وعلى كل عاقل ألا يتبع نفسه هواها وأن يعلم أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين‏ .‏
‏(10)‏ أن العلم قيمة عليا في الإسلام‏ ,‏ وعلى العلماء ألا يغتروا بعلمهم لأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد جعل فوق كل ذي علم عليم‏ ,‏ وأنه‏ (تعالى‏)‏ لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم‏ .‏
‏(11)‏ أن الساعة لا تأتي إلا بغتة‏ ,‏ وأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون‏ .‏



الإشارات الكونية في سورة يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ :
جاء في سورة يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ عدد غير قليل من الإشارات الكونية التي نوجز منها ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ ليس من قبيل المصادفة أن يكون عدد إخوة يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ أحد عشر‏ ,‏ ويكون عدد الكواكب في مجموعتنا الشمسية بنفس العدد‏ ,‏ وأن يري يوسف في رؤياه أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين‏ ,‏ وتتحقق هذه الرؤيا بسجود إخوته وأبويه له يوم جمعهم الله جميعا على أرض مصر‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ "‏ ‏(‏يوسف‏:4)‏ .
‏(2)‏ الإشارة إلى واقعة تاريخية وقعت بمصر من قبل بعثة المصطفى (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بأكثر من اثني عشر قرنا مؤداها مرور سبع سنين من الخصب العام‏ ,‏ تليها سبع سنين عجاف من القحط والجفاف والجدب‏ ,‏ يليها عام زالت فيه تلك الشدة ونزل الغيث وعم الرخاء‏ ,‏ وقد أثبتت الدراسات الأثرية صدق ذلك‏ .‏
‏(3)‏ التوصية الإلهية التي ألهمها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ لعبده يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ بترك القمح المخزون من أعوام الرخاء لأعوام الشدة في سنابله‏ ,‏ وقد أثبتت التجارب في خزن المحاصيل الزراعية أنها الطريقة المثلي في حفظ المحاصيل ذات السنابل لمدد طويلة دون فساد أو تسوس أو نقص في محتواها الغذائي‏ .‏
‏(4)‏ وصف عيني سيدنا يعقوب‏ (عليه السلام‏)‏ بأنهما ابيضتا من الحزن وهو ما يعرف اليوم باسم الماء الأبيض أو‏ (الكاتاراكت‏)‏ وهو عبارة عن عتامة تحدث لعدسة العين تمنع دخول الضوء جزئيا أو كليا حسب درجة العتامة‏ ,‏ وقد تحدث بسبب الحزن الشديد المصاحب بالبكاء أو لكبر السن وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى‏ :‏
" وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ‏" (‏يوسف‏:84)‏ .
‏(5)‏ الإشارة إلى أن عرق الإنسان به من المركبات الكيميائية ما يمكن من شفاء عتامة عدسة العين‏ (الماء الأبيض‏) ,‏ وهو ما توصل إليه الأستاذ الدكتور عبد الباسط سيد محمد الأستاذ بالمركز القومي للبحوث ـ بالدقي ـ القاهرة بعد أن قام بنقع عدد من العدسات المعتمة‏ (التي تم استخراجها من عيون عدد من المرضي بعمليات جراحية‏)‏ في عرق الإنسان فوجد أنها تحدث حالة من الشفافية التدريجية لتلك العدسات‏ ,‏ ووجد أن العامل المؤثر في ذلك هو أحد المركبات الكيميائية لعرق الإنسان‏ ,‏ واسمه العلمي‏ (الجواندين‏) ,‏ وأمكن تحضير هذا المركب مختبريا‏ ,‏ وإنتاج قطرة منه حصل بها على براءة اختراع أوروبية وأخري أمريكية في العامين‏1991‏ م و‏1993‏م على التوالي ,‏ وقد استوحي هذا العالم الجليل فكرة تلك القطرة من قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏):‏ على لسان عبده ونبيه يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ ما نصه‏ :‏
" اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ‏" (يوسف‏:93)‏ .
‏(6)‏ الإشارة إلى أن بالسماوات والأرض من الآيات الحسية ما يشهد لله الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بطلاقة القدرة‏ ,‏ وعظيم الصنعة‏ ,‏ وإحكام الخلق‏ ,‏ وقد أثبتت الدراسات العلمية ذلك‏ ,‏ وإن كان أغلب الناس‏ (يمرون عليها وهم عنها معرضون‏) .‏
وكل واحدة من هذه الإشارات الكونية تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فإنني سوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثالثة المتعلقة بخزن المحاصيل ذات السنابل في سنابلها‏ ,‏ وقبل الوصول إلى ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏ .‏

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله تعالى على لسان عبده ونبيه يوسف عليه السلام ‏:‏
" قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ "‏ (يوسف‏:47)‏ .
ذكر الإمام ابن كثير ‏ (رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏:‏ قال‏  (تزرعون سبع سنين دأبا‏)‏ أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات‏  (فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ‏) :‏ أي مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فادخروه في سنبله ليكون أبقي له وأبعد عن إسراع الفساد إليه إلا المقدار الذي تأكلونه‏ ,‏ وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه‏ ,‏ لتنتفعوا به في السبع الشداد‏ ,‏ وهن السبع سنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات‏ ,‏ وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان‏ ,‏ لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب‏ ,‏ وهن السنبلات اليابسات‏ ,‏ وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء‏ ,‏ ولهذا قال‏: (يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون‏)‏ ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك‏ (عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون‏)‏ أي يأتيهم الغيث وهو المطر‏ ,‏ وتغل البلاد‏ ,‏ ويعصر الناس ما كانوا يعصرون‏ ,‏ على عادتهم من زيت وعنب ونحوه‏ .‏
ومن قبل ذكر الإمام الطبري‏ (رحمه الله‏)‏ كما ذكر بقية المفسرين كلاما مشابها مع تفاوت بسيط في شرح دلالة بعض كلمات الآية الكريمة‏ ,‏ ولذلك أري الاكتفاء هنا بكلام الإمام ابن كثير‏ (رحمه الله ورحم جميع المفسرين الذين خدموا القرآن الكريم برحمته الواسعة‏) .‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
يعتبر القمح أهم أغذية الإنسان‏ ,‏ وقد عرف في المشرق العربي قبل بدء التاريخ‏ ,‏ ثم انتشر إلى أواسط آسيا‏ ,‏ ومن بعد ذلك إلى بقية أجزاء العالم‏ ,‏ وكان قدماء المصريين من أوائل الشعوب التي زرعت القمح‏ ,‏ وإن كان تاريخ زراعته يرجع إلى العصر الحجري إن لم يكن قبل ذلك‏ .‏ والقمح يتبع العائلة النجيلية
(
Family Gramineae) نسبة إلى نبات النجيل‏ ,‏ وتضم هذه العائلة بالإضافة إلى القمح عددا من المحاصيل الأخرى مثل الشعير‏ ,‏ الذرة‏ ,‏ الشوفان الراي أو الجاردار‏(Rye)‏ والأرز‏ ,‏ السرجوم (Sorghum) ,‏ كما تشمل نباتات اقتصادية أخري مثل قصب السكر‏ ,‏ والغاب والنجيل وغير ذلك من حشائش المراعي‏ ,‏ والأعشاب الطبية‏ ,‏ وتشمل عائلة النجيليات حوالي ‏450‏ جنسا‏ ,‏ وسبعة آلاف نوع من أنواع النباتات التي تنتشر على سطح الأرض لتغطي مساحات هائلة تفوق المساحات التي تغطيها أفراد أية عائلة نباتية أخرى‏ ,‏ وتمثل العائلة النجيلية بأعشاب حولية أو معمرة‏ ,‏ وإن كان بعضها يمثل بنباتات خشبية قد يصل طول الواحدة منها إلى أكثر من ثلاثين مترا كما هو الحال في نباتات الخيزران الهندي‏ .‏ وأزهار النجيليات عادة ما تكون بسيطة التركيب صغيرة الحجم‏ ,‏ خضراء ويتم تلقيحها بواسطة الرياح‏ .‏ والقمح هو أهم أجناس العائلة النجيلية على الإطلاق‏ ,‏ ويعرف منه في مصر ثلاثة أنواع رئيسية على الأقل تعرف بالأسماء التالية ‏:‏
‏(1)‏ القمح شديد الاحتمال‏ (الدكر‏)
(
Triticumdurum)‏ أو (Emmer)‏ وهذا النوع من القمح يزرع في جنوب صعيد مصر‏ ,‏ وفي واحات الصحراء الغربية‏ ,‏ وفي شبه جزيرة سيناء‏ .‏
‏(2)‏القمح البلدي‏ (الهرمي)‏(Triticumpyramidale‏
) ويزرع في شمال صعيد مصر وفي الفيوم‏ .‏ ‏
(3)‏ القمح الهندي‏
(
Triticum Vulgare‏) ويزرع في الوجه البحري‏ .‏
وتتميز نباتات العائلة النجيلية بالجذور الليفية التي يحمل الكثير منها ريزومات عقدية وتتكاثر أغلبها بالأشطاء وهي براعم تنمو عند المنطقة الفاصلة بين الجذر والساق‏ (فوق التربة‏)‏ كما هو الحال في نبات القمح‏ ,‏ الذي تتكون جذوره من مجموع أساسي خارج من البذرة النابتة‏ ,‏ ومجموع عرضي يخرج من البراعم الجانبية‏ ,‏ وكذلك الساق يتميز إلى ساق أساسي‏ (يمثل نمو السويقة المنبثقة من داخل البذرة النابتة‏)‏ وسيقان عرضية على هيئة أفرع قاعدية تخرج من البراعم الإبطية الموجودة عند العقد القاعدية‏ ,‏ المزدوجة‏ ,‏ النامية على قاعدة الساق الأساسية عند منطقة الاتصال بين الجذر والساق فوق سطح الأرض‏ (التربة‏)‏ مباشرة‏ ,‏ وبذلك ينبت من الحبة الواحدة مجموعة من الأفرع أو السيقان المحيطة بالساق الرئيسي تعرف باسم الأشطاء‏ (مفردها شطء‏)‏ ويتراوح عددها بين العشرين والثلاثين وقد يصل إلى الخمسين‏ ,‏ وعلى ذلك فإن نبتة القمح الواحدة توجد في حزمة مركبة من الأشطاء النامية حول الساق الأساسي وكلها متصلة ببعضها البعض في مجموعة من الجذور الليفية مما يوضح خروجها من أصل واحد‏ ,‏ أي من بادرة واحدة خارجة من بذرة واحدة‏ ,‏ فالحبة النابتة تخرج منها البادرة‏ ,‏ والبادرة تعطي الأشطاء في منطقة الاتصال بين الجذر والساق فوق التربة مباشرة‏ ,‏ ولا تلبث تلك أن تنمو حتى تصل إلى طول الساق الأصلية تقريبا وتعطي سنابل مثلها‏ ,‏ بحيث يكون لكل شطء سنبلة خاصة به‏ ,‏ وبذلك تنبت الحبة الواحدة نباتات تحمل عدة سنابل‏ ,‏ وأوراق شجيرة القمح متبادلة على ساقها‏ ,‏ وكل واحدة منها تحمل زوجا من الأذينات عند قاعدة النصل‏ ,‏ وللساق غمد يحيط به‏ ,‏ ونورة نبات القمح تتكون من حشد من الأزهار التي تتجمع على جزء من الساق‏ ,‏ وبذلك تتركب النورة من جزء من الساق يسمى محور النورة‏ ,‏ وعدد من الأزهار التي تخرج من آباط أوراق صغيرة تسمى القنابات‏ (العصيفات أو العصافات مفردها عصيفة‏) ,‏ وفي بعض الأحيان تظهر الأزهار دون قنابات‏ .‏ ونورة نبات القمح نورة مركبة يستطيل فيها المحور وتترتب عليه الأزهار الجالسة التي بعد إخصابها تعطي الثمرة وهي بذور القمح‏ ,‏ وعند تمام الإخصاب تتحول نورة القمح إلى سنبلة خضراء ثم بعد تمام نضجها تتحول إلى سنبلة صفراء ذهبية‏ .‏

وسنبلة القمح سنبلة مركبة‏ ,‏ يحمل فيها المحور سنابل أصغر تعرف باسم السنيبلات‏ ,‏ وهي جانبية الترتيب في تبادل على صفين متقابلين‏ ,‏ وينتهي المحور عادة بسنبلة طرفية‏ .‏ وتحمل السنبلة في المتوسط ‏(15‏ ـ‏20)‏ سنيبلة‏ ,‏ ويتفاوت عدد الأزهار في السنيبلة الواحدة بين ‏(2‏ـ‏9)‏ ويكون في النسيبلة الواحدة حبتان إلى ثلاث حبات من القمح‏ .‏ ولبعض سلالات القمح شوكة طرفية دقيقة جدا تعرف باسم‏ (السفا أو الحسكة‏) .‏ ونبات الشعير يشبه نبات القمح في شكله وفي العديد من صفاته‏ ,‏ والشعير من أقدم محاصيل الحبوب التي عرفها الإنسان وقام على زراعتها‏ ,‏ وكان يعتبر المصدر الرئيسي لدقيق الخبز حتى حل القمح محله في ذلك‏ .‏ ولكل من حبتي القمح والشعير غلاف رقيق ولكنه صلب‏ ,‏ يلتصق بالحبة بشدة بالغة‏ ,‏ ويعتبر حماية لها من الرطوبة‏ ,‏ والتغيرات المناخية‏ ,‏ ومن مختلف أنواع الكائنات الحية الضارة‏ ,‏ والملوثات الكيميائية‏ ,‏ ويعرف باسم الغلاف المحيط ‏(Pericarp) ,‏ وهو ينفصل عن حبة القمح‏ (البرة‏)‏ على هيئة النخالة عند الطحن‏ ,‏ وتؤلف النخالة حوالي ‏8,5%‏ من وزن حبة القمح وهي ثمرة جافة‏ ,‏ صغيرة‏ ,‏ التحم جدارها بغلاف البذرة التحاما كاملا‏ .‏ وجنين بذرة القمح صغير جدا ويتكون من مركبات كيميائية ذات قيمة غذائية عالية من مثل البروتينات والفيتامينات والدهون ويشكل ذلك حوالي ‏2%‏ـ‏2 . 5%‏ من وزن حبة القمح وعادة ما تستبعد الدهون من الدقيق عند طحنه لأنها تتحلل وتفسد مع التخزين لمدد طويلة‏ ,‏ ويحاط الجنين بمخزون غذائي على هيئة طبقة بروتينية غنية بمادة الجلوتين ‏(Gluten)‏ وبمركبات الفوسفور والنشا‏ ,‏ وجزيئات الجلوتين خيطية الشكل ومتشابكة مع بعضها البعض‏ ,‏ ومن فوائدها أنها تجعل العجين لينا سهل التشكيل‏ ,‏ وقابلا للتخمر بإضافة الخميرة إليه‏ ,‏ ويمثل المخزون الغذائي في حبة القمح حوالي ‏87%‏ إلى ‏88%‏ من كتلتها‏ .‏ وحبة القمح تغلفها قنابة تسمى العصافة (Glume) هي التي تكون قشر الحنطة‏ .‏ والحبوب في كل من السنيبلات والسنابل محاطة بأغلفة واقية وأشواك وشعيرات تحميها من الفطريات والبكتريا والجراثيم‏ ,‏ والحشرات والرطوبة‏ ,‏ ومن تقلبات الطقس وتيارات الهواء الجوي المباشر المحمل بالملوثات‏ ,‏ وهذه الأغلفة بالرغم من صلابتها‏ ,‏ وشدة إحكامها فإنها تسمح للجنين الكامن في داخل البذرة ـ وهو في حالة من الركود الحيوي والسكون ـ بقدر من التهوية غير المباشرة والمستمرة‏ ,‏ وتحول دون ارتفاع نسبة الرطوبة للحيلولة دون إنبات الجنين في أوقات التخزين‏ ,‏ كذلك فإن البذرة الجافة وأغلفتها تحتوي على آثار طفيفة من مركبات كيميائية حافظة للبذرة‏ ,‏ ومثبطة لعملية إنباتها تحت الظروف الجافة‏ ,‏ وعلى مركبات أخري مضادة لكل من البكتريا‏ ,‏ والفطريات والجراثيم المحتمل وصولها إلى الحبوب أثناء تخزينها‏ .‏انطلاقا من ذلك كله جاءت الآية الكريمة التي نحن بصددها إلهاما من الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ لنبيه يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ لكي ينصح بخزن المحاصيل الزراعية كالقمح والشعير‏ ,‏ والأرز‏ ,‏ والشوفان في سنابلها‏ ,‏ وقد أثبتت التجربة أنه أفضل نظام لحفظ تلك المحاصيل طالت مدد ذلك الحفظ أم قصرت‏ ,‏ وقد طبقها يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ لمدة وصلت إلى خمس عشرة سنة دون أن تفسد وبقيت طوال هذه المدة محافظة على قيمتها الغذائية كاملة‏ ,‏ وعلى حيويتها‏ ,‏ وقدرتها على الإنبات والنمو والإثمار‏ .‏ولقد قام الأستاذ الدكتور عبد المجيد بلعابد‏ (من جامعة وجدة بالمغرب العربي‏)‏ بتجربة عملية للتأكد من ذلك فترك بذور القمح في سنابلها لمدة عامين تحت ظروف عادية لم يراع فيها أية شروط من شروط تخزين الحبوب‏ ,‏ وجرد بعض البذور من سنابلها وتركها أيضا تحت نفس الظروف ولنفس المدة الزمنية‏ ,‏ فلاحظ أن الحبوب في السنابل لم يطرأ عليها أي تغيير لا في محتواها من المواد الغذائية ولا في قدرتها على الإنبات سوي فقدها لجزء من محتواها المائي مما جعلها أكثر جفافا وأصلح للحفظ وللإنبات لأن وجود الماء يسهل من تعفن القمح‏ ,‏ خاصة أن نسبة الماء في بذوره تصل إلى ‏20,3% .
‏في نفس الوقت لاحظ الباحث أن حبوب القمح التي جردت من سنابلها فقدت ‏20%‏ من محتواها من المواد الروتينية بعد سنة من خزنها‏ ,‏ وفقدت‏ 32%‏ من هذا المحتوي بعد سنتين‏ ,‏ وكذلك فقدت نسبة كبيرة من قدرتها على الإنبات والنمو والإثمار‏ .‏وبذلك ثبت بالتجربة أن أفضل طريقة لتخزين المحاصيل النباتية التي تنتج في سنابل كالقمح والشعير والأرز هو حفظها في سنابلها التي خلقها الله‏ (تعالى‏)‏ فيها‏ .‏وهذا هو من الوحي الذي أوحاه الله‏ (تعالى‏)‏ إلى نبيه يوسف‏ (عليه السلام‏) ,‏ وذكره مع قصته كاملة في القرآن الكريم مما يشهد لهذا الكتاب الخالد أنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الخالق العليم الحكيم‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ويشهد لكل من يوسف بن يعقوب‏ (عليه السلام‏)‏ ولخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بالنبوة وبالرسالة‏ ,‏ لأن المصريين القدماء ما كانوا يعرفون طريقة لحفظ الغلال وخزنها إلا معزولة عن سنابلها‏ ,‏ والأمر الإلهي بحفظها في سنابلها لم يدرك إلا بعد مشورة هذا النبي سليل بيت النبوة‏ (على نبينا وعليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏) ,‏ ولا يزال القمح يخزن في أيامنا هذه مفروطا من سنابله مما يعرضه لفساد كبير عند خزنه على الرغم من الاحتياطات الكثيرة التي تتخذ في صوامع ومخازن الغلال‏ .‏ وإذا أضفنا إلى ذلك مقارنة قصة يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ كما أنزلت في القرآن الكريم على نبي أمي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وسط أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏ ,‏ مع ما ورد عنها في سفر التكوين‏ ,‏ اتضحت لنا وحدة رسالة السماء‏ ,‏ والأخوة بين الأنبياء‏ ,‏ وفضل الإسلام العظيم على الناس أجمعين‏ ,‏ وفضل القرآن الكريم على غيره من الكتب‏ ,‏ لأن القصة في سفر التكوين مع تشابهها مع ما جاء في القرآن الكريم قد عابها كثير من النقص البشري‏ ,‏ والتحريف عندما رويت شفاهة ودونت بعد ضياع مصادرها الأصلية بقرون متطاولة‏ .‏ وهنا يتضح فضل العهد الإلهي الذي قطعه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ على ذاته العلية بحفظه للقرآن الكريم من لحظة نزوله وإلى قيام الساعة فقال ‏ (عز من قائل‏) :‏ " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " ‏(الحجر‏:9)‏ .

فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله أولا وآخرا‏ ,‏ وصلى الله وسلم وبارك على كافة أنبياء الله ورسله أجمعين‏ ,‏ وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين‏ ,‏ ونسأل الله تعالى أن يخص خاتم الأنبياء والمرسلين وآل بيته الطيبين الطاهرين‏ ,‏ وصحابته الغر الميامين‏ ,‏ ومن والاهم وسار على دربهم إلى يوم الدين بأفضل الصلاة وأزكى التسليم وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين‏ .