" فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ .‏ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ " (الطارق 5-7 ).


هذه الآيات القرآنية الكريمة الثلاث جاءت في أواخر النصف الأول من سورة الطارق‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها سبع عشرة‏ (17)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود القسم في مطلعها بـ‏ (والسماء والطارق‏) ,‏ ويبدو ـ والله أعلم ـ أن المقصود بالطارق هو النجم الراديوي من مثل النجوم النيوترونية النابضة‏ ,‏ وأشباه النجوم‏ ,‏ وكل واحد من هذين النوعين من أجرام السماء يطلق كمية هائلة من الأشعات الراديوية التي تطرق صفحة الغلاف الغازي للأرض بطرقات متلاحقة تشبه صوت ضربات الطارق على الباب‏ ,‏ وتثقب صمت هذا الغلاف الغازي بنبضاتها السريعة المترددة‏ .‏ وكل من النجوم النيوترونية وأشباه النجوم من مراحل احتضار النجوم وانكدارها التي لم تكتشف إلا في الستينيات من القرن العشرين‏ (1963‏م بالنسبة لأشباه النجوم‏ , 1968‏م بالنسبة للنجوم النيوترونية النابضة‏) .‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إلى هذه الطوارق‏ (النجوم الراديوية‏)‏ من قبل ألف وأربعمائة سنة لهو بحق من الشهادات الناطقة بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق‏ ,‏ الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏ ,‏ وحفظه حفظا كاملا‏:‏ حرفا حرفا وكلمة كلمة وآية آية‏ ,‏ وسورة سورة‏ ,‏ في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية‏ ,‏ وتعهد سبحانه بحفظ كتابه الخاتم‏ (القرآن الكريم‏)‏ إلى ما شاء الله حتى يكون حجة على الناس كافة بعد انقضاء النبوة وانقطاع الوحي السماوي عن الأرض‏ .‏
وتبدأ سورة الطارق بقسم من الله‏ (تعالى‏)‏ ــ وهو الغني عن القسم ــ يقول فيه ‏:‏ " وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ . ‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ . ‏النَّجْمُ الثَّاقِبُ‏" (الطارق‏:1‏-‏3) .‏
و‏(‏السماء‏)‏ لغة اسم مشتق من‏ (السمو‏)‏ بمعني الارتفاع والعلو‏ .‏ وعلى ذلك فإن‏ (سماء‏)‏ كل شيء أعلاه‏ ,‏ ولذلك قيل‏:‏ كل ما علاك فأظلك فهو سماء‏ ,‏ ويقال‏:‏ فلان لا‏ (يُسامى‏)‏ أي‏:‏ لا يُبارى‏ ,‏ وقد علا من‏ (ساماه‏)‏ أي الذي باراه‏ ,‏ ويقال ‏: (تساموا‏)‏ أي تباروا في اكتساب المعاني‏ (عادة‏) .‏ ولفظة‏ (السماء‏)‏ في العربية تذكر وتؤنث‏ ,‏ وإن اعتبر تذكيرها شاذا‏ ,‏ وجمعها‏ (سماوات‏)‏ و‏(‏أسمية‏)‏ و‏(‏سماو‏)‏ و‏(‏سمي‏) ,‏ وإن كان أشهرها ذيوعا هو‏ (سموات‏)‏ الذي جاء بالقرآن الكريم‏ .‏ وانطلاقا من هذا التعريف قيل لسقف البيت‏ (سماء‏)‏ لارتفاعه‏ ,‏ وقيل للسحاب‏ (سماء‏)‏ لعلوه‏ .‏و‏(‏السماء‏)‏ هي كل ما يقابل الأرض من الكون‏ ,‏ والمراد بها ذلك العالم العلوي من حول الأرض‏ ,‏ الذي يضم مختلف الأجرام السماوية من الكواكب‏ ,‏ والكويكبات والأقمار‏ ,‏ والمذنبات‏ ,‏ والنجوم‏ ,‏ والبروج ومختلف تجمعاتها‏ ,‏ وغير ذلك من مختلف صور المادة والطاقة‏ (الواضحة الجلية‏ ,‏ أو المستترة الخفية‏)‏ المنتشرة بينها وفي كل من المكان والزمان المحيطين بنا من السماء الدنيا‏ ,‏ أما باقي السماوات السبع فلولا أن الله‏ (تعالى‏)‏ قد أخبر عنها في محكم كتابه‏ ,‏ ولولا أن خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قد جابها في ليلة الإسراء والمعراج ما كان أمام الإنسان من سبيل إلى التعرف عليها‏ .‏ وقد خلق الله‏ (تعالى‏)‏ السماوات ـ وهو خالق كل شيء ـ ورفعها بعمد غير مرئية‏ ,‏ وجعل لها عمارا من الملائكة‏ ,‏ ومما لا نعلم من الخلق غيرهم‏ ,‏ وحرسها من كل شيطان مارد من الجن أو الإنس‏ ,‏ فهي محفوظة بحفظه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ إلى أن يرث الكون بجميع من فيه وما فيه‏ .‏

وقد جاءت لفظة السماء في القرآن الكريم في ثلاثمائة وعشرة موضعا‏ ,‏ منها مائة وعشرون بالإفراد‏ (السماء‏) ,‏ ومائة وتسعون بالجمع‏ (السماوات‏) ,‏ كذلك جاءت الإشارة إلى البينية الفاصلة للسماوات عن الأرض بتعبير‏ (السماوات والأرض وما بينهما‏)‏ في عشرين موضعا من تلك المواضع مما يؤكد مركزية الأرض من السماوات‏ ,‏ وهو ما لا تستطيع العلوم المكتسبة أن تقول فيه شيئا بالإثبات أو النفي‏ .‏
ويقدر علماء الفلك قطر الجزء المدرك من السماء الدنيا بأكثر من أربعة وعشرين بليونا من السنين الضوئية ‏(24‏ بليون‏*9 ,5‏ مليون مليون كيلو متر‏) ,‏ وهذا الجزء دائم الاتساع إلى نهاية لا يعلمها إلا الله‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ وبسرعات لا يمكن للإنسان اللحاق بها‏ ,‏ وذلك لأن سرعة تباعد المجرات عنا وعن بعضها البعض تقترب أحيانا من ثلاثة أرباع سرعة الضوء المقدرة بحوالي الثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية‏ .‏

والجزء المدرك من السماء الدنيا يضم ما بين مائتي ألف مليون مجرة وثلاثمائة ألف مليون مجرة من أمثال مجرتنا‏ (سكة التبانة أو درب اللبانة أو الطريق اللبني والتي تضم أكثر من مليون مليون نجم كشمسنا‏) ,‏ وبعض هذه المجرات أكبر من مجرتنا كثيرا‏ ,‏ وبعضها أصغر قليلا‏ ,‏ وكما أن لشمسنا توابع من الكواكب والكويكبات‏ ,‏ والأقمار والمذنبات‏ ,‏ وغير ذلك من الأجرام‏ ,‏ فلابد أن يكون لكل نجم من بلايين البلايين من نجوم السماء الدنيا توابعه‏ ,‏ وتترتب النجوم بتوابعها في المجرات‏ ,‏ وتترتب هذه في التجمعات المحلية‏ ,‏ والتي تترتب بدورها في الحشود المجرية‏ ,‏ ثم في تجمعات محلية للحشود المجرية‏ ,‏ ثم في حشود مجرية عظمي‏ ,‏ ثم في تجمعات محلية للحشود المجرية العظمي إلى ما هو أكبر من ذلك حتى نهاية السماء الدنيا التي لا يعلمها إلا الله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
من هنا كانت أهمية القسم بالسماء في مطلع سورة الطارق لأن الله‏ (تعالى‏)‏ غني عن القسم لعباده‏ .‏
وتعطف الآية الأولي من سورة الطارق على القسم بالسماء قسما آخر بالطارق‏ .‏ و‏(‏الطارق‏)‏ اسم فاعل من الطرق بمعني الضرب بشدة‏ ,‏ وأصل‏ (الطرق‏)‏ الدق‏ ,‏ ومنه سميت‏ (المطرقة‏)‏ التي يطرق بها‏ ,‏ وجمع‏ (الطارق‏) (الطرق‏)‏ و ‏(‏الإطراق‏) ,‏ ومؤنثه‏ (الطارقة‏) ,‏ وهي أيضا الداهية‏ ,‏ وجمعها‏ (الطارقات‏)‏ و‏ (الطوارق‏) .‏ و‏(‏طرق‏)‏ الحديد أي مدده ورققه‏ ,‏ وهذا هو الأصل‏ ,‏ ولكن استخدمت اللفظة مجازا لتدل على (الطريق‏)‏ أي السبيل‏ .‏ لأن السابلة تطرقه بأقدامها‏ ,‏ ثم صارت اسما لسالك الطريق باعتبار أنه يطرقها بقدميه أيضا‏ ,‏ ولفظة‏ (الطريق‏)‏ تذكر وتؤنث‏ ,‏ وجمعها‏ (أطرقة‏)‏ و‏ (طرق‏) .‏
كذلك استخدم لفظ‏ (الطريقة‏)‏ بمعني الوسيلة أو الحالة‏ ,‏ واستخدم‏ (الطرق‏)‏ و ‏(‏المطروق‏)‏ للإشارة إلى ماء المطر الذي‏ (تطرقه‏)‏ الإبل بأقدامها بعد سقوطه على الأرض‏ .‏ واستخدم لفظ‏ (الطارق‏)‏ على سبيل المجاز للتعبير عن كل من جاء بليل‏ ,‏ فسمي قاصد الليل‏ (طارقا‏)‏ لاحتياجه إلى طرق الأبواب المغلقة‏ .‏ يقال‏: (طرق‏)‏ فلان القوم‏ (طرقا‏)‏ و‏ (طروقا‏)‏ أي ‏:‏ آتاهم ليلا‏ .‏ ويؤيده قول رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) : ....‏ إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ثم اتسع هذا الاستعمال المجازي ليشمل كل ما ظهر بليل‏ ,‏ وقيل‏ :‏ إنما سمي النجم‏ (طارقا‏) ,‏ لأنه يرى بالليل‏ ,‏ ويختفي بالنهار‏ .‏ ثم زيد في توسيعه حتى أطلق لفظ‏ (الطوارق‏)‏ على الصور الخيالية البادية لبعض الناس بالليل‏ ,‏ و ‏(‏طريقة القوم‏)‏ و‏ (‏طرائقهم‏)‏ أماثلهم وخيارهم‏ ,‏ و ‏(‏الطرائق‏)‏ و‏ (الطرق‏)‏ هي الفرق‏ ,‏ و‏(‏الطرق‏)‏ أيضا هو الضرب بالحصى وهو من الكهانة والتكهن‏ ,‏ و‏(‏الطراق‏)‏ هم المتكهنون‏ ,‏ و‏(‏الطوارق‏)‏ هن المتكهنات‏ .‏
والوصف القرآني بـ‏ (الطارق‏)‏ ينطبق على نجوم في صفحة السماء الدنيا تعتبر مصادر للإشعاع الراديوي المنتظم الذي يطرق غلافنا الغازي بشدة‏ .‏

 ومن أهمها النجوم النيوترونية النابضة‏ (النابضات أو النوابض‏)‏ وهي نجوم ذات أحجام صغيرة‏ ,‏ ولكنها ذات كثافة وجاذبية فائقة‏ ,‏ تدور حول محورها بسرعات عالية جدا لتتم دورتها فيما يتراوح بين واحد من ألف من الثانية وبضع ثوان معدودة في الدورة الواحدة‏ ,‏ مطلقة كميات هائلة من الموجات الراديوية وغيرها من صور الطاقة ولذلك تعرف باسم النوابض الراديوية
(The Radio Pulsars
) .‏ وقد يصل عدد نبضاتها إلى قرابة الألفين ‏(1968)‏ نبضة في الثانية‏ .‏ ويعتقد أن النابض الراديوي يطلق نبضة واحدة من تلك النبضات أو الموجات الراديوية في كل دورة كاملة حول محوره‏ .‏ ومن رحمة الله بنا أن أقرب النوابض الراديوية إلينا يبعد عنا بمسافة خمسة آلاف من السنين الضوئية‏ ,‏ ولو كان على نصف هذه المسافة منا لكان لنبضاته المتسارعة آثارها المدمرة على الأرض‏ .‏ ومن مصادر الإشعاع الراديوي المتميز أيضا ما يعرف اليوم في علم الفلك باسم أشباه النجوم‏(The Quasars) ,‏ وهي أجرام سماوية متناهية البعد عنا‏ ,‏ وضعيفة الإضاءة جدا‏ (ربما لبعدها الفائق عنا‏)‏ ومنها ما يطلق أقوي الموجات الراديوية‏ ,‏ التي تصل إلى الأرض‏ ,‏ ولذا تعرف باسم أشباه النجوم المصدرة للموجات الراديوية‏ .‏ وأشباه النجوم هي أجسام ذات كثافة رقيقة جدا تقدر بحوالي واحد من ألف تريليون من الجرام للسنتيمتر المكعب‏ ,‏ وهي تتباعد عنا بسرعات فائقة‏ ,‏ وتعتبر أبعد ما قد تم رصده من أجرام السماء بالنسبة لنا حتى اليوم‏ ,‏ وتبدو وكأنها على أطراف الجزء المدرك من السماء الدنيا تطرق أبوابها بنبضاتها لتوصل إشاراتها الراديوية إلينا كطرقات منتظمة على الغلاف الغازي للأرض‏ ,‏ وقد تم الكشف عن حوالي ألف وخمسمائة من أشباه النجوم على أطراف الجزء المدرك لنا من الكون‏ ,‏ ويتوقع الفلكيون وجود آلاف أخري منها لم تكتشف بعد‏ .‏
وكل من النجوم النيوترونية النابضة وأشباه النجوم الراديوية يعتبر من أهم المصادر الراديوية التي تمطر سماء أرضنا بنبضاتها المتلاحقة وبسرعاتها الفائقة‏ ,‏ وكأنها الطرقات المدوية التي تقطع صمتها‏ ,‏ وتثقب تماسكها وظلمتها ومن هنا كان الاستنتاج بأنها المقصودة بتعبير الطارق النجم الثاقب والله‏ (تعالى‏)‏ أعلم‏ .‏

وبعد القسم بكل من والسماء والطارق‏ ,‏ وفي القسم بهما تفخيم لشأنهما لدلالة كل منهما على بديع صنع الله الخالق في الكون‏ ,‏ وعلى إحاطة علمه‏ ,‏ وكمال حكمته‏ ,‏ وعظيم قدرته‏ ,‏ بعد ذلك مباشرة تتوجه الآية الثانية من هذه السورة المباركة إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ بالسؤال التالي‏ :‏ "وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ" والسؤال كما هو موجه إلى رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ موجه إلى كل قارئ للقرآن الكريم‏ ,‏ ومعناه ‏:‏ أي شيء وصل إلى إدراكك عن الطارق؟ لأنه لم يكن لأحد من الخلق قبل الستينيات من القرن العشرين إلمام بشيء عن هذه الأجرام السماوية العجيبة التي ترسل بموجات من الأشعات الراديوية إلى سماء الأرض تطرق صفحتها كما يطرق قادم بليل الباب المغلق كي يفتح له‏ ,‏ ولذلك فسرت الآية الثالثة طبيعة هذا الطارق بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : ‏" النَّجْمُ الثَّاقِبُ ‏"‏ أي الذي يثقب صمت السماء بطرقاته المنتظمة‏ ,‏ السريعة‏ ,‏ المتلاحقة‏ ,‏ أو يثقب ظلمة السماء بما ينفثه فيها من مختلف صور الطاقة الأخرى المصاحبة للموجات الراديوية‏ ,‏ فحدد صفة الطارق بأنه نجم‏ ,‏ وأنه ثاقب‏ ,‏ وهاتان صفتان تتطابقان مع كل من النجوم وأشباه النجوم الراديوية والتي لم تدرك إلا في أواخر الستينيات من القرن العشرين‏ ,‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إليها هو من معجزاته العلمية القاطعة بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ والشاهدة للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه‏)‏ بصدق النبوة‏ ,‏ وربانية الرسالة‏ .‏
وبعد ذلك يأتي جواب القسم‏ :‏
" إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ "‏ (الطارق‏:4) .‏ أي أن كل نفس عليها من الله‏
 (تعالى‏)‏ حافظ من الملائكة موكل بها‏ ,‏ يحفظها بأمر الله‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ ويحفظ عنها أعمالها‏ ,‏ وأقوالها بأمر الله كذلك‏ ,‏ ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر‏ ,‏ في مراقبة دائمة من لحظة الرشد إلى لحظة الممات‏ ,‏ وعدي اسم الفاعل‏ (حافظ‏)‏ بحرف الجر‏ (على‏)‏ ليفيد معني القيام الشامل‏ ,‏ والإحصاء التام‏ .‏ و‏(‏لما‏)‏ تستعمل علما للظرف‏ ,‏ والتشديد في‏ (لما‏)‏ فيه‏ (ما‏)‏ زائدة للتوكيد‏ ,‏ و‏(‏إن‏)‏ مخففة من الثقيلة‏ (إن‏) ,‏ واسمها محذوف‏ .‏
ولتأكيد هذه الحقيقة الغيبية دعت الآيات بعد ذلك الإنسان إلى النظر في أول نشأته حتى لا يطغيه شيء من الكبر أو التعالي على الخلق‏ ,‏ وحتى يعلم أن من أنشأه هذه النشأة قادر على أن يجعل عليه حافظا من الملائكة‏ ,‏ وقادر على إعادة بعثه بعد موته‏ ,‏ وعلى محاسبته وجزائه في يوم تكشف كل المكنونات مما أسر في القلوب من العقائد والنيات‏ ,‏ وما أخفي من الأعمال والأقوال والتصورات‏ ,‏ وابتلاء السرائر هو الكشف عن خفاياها وإظهارها مهما أخفيت فتقول‏ :
"‏ فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ.خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ . إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ . يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ .فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ  "‏ (الطارق‏:5‏-‏10) .‏
وخلق الإنسان ‏:
" مِن مَّاءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ‏"‏ من الحقائق العلمية التي لم تكشف عنها العلوم المكتسبة إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ ,‏ وورودها في سياق الاستشهاد على حتمية البعث والرجوع إلى الله‏ (تعالى‏)‏ هو من قبيل تأكيد طلاقة القدرة الإلهية على تحقيق ذلك في وقت لا يمتلك الإنسان قوة في نفسه ولا يجد له ناصرا من حوله يمكن أن يتصوره عونا له في الامتناع عن قدر الله‏ .‏

ثم تتبع الآيات بقسمين آخرين من الله‏ (تعالى‏)‏ ـ وهو الغني عن القسم لعباده ـ يقول فيهما ‏:‏
" وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ‏ . وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ  "‏ (الطارق‏:12,11)‏ ورجع السماء هو قدرتها على إرجاع النافع المفيد من مختلف صور المادة والطاقة التي ترتفع إليها من الأرض إلى ذلك الكوكب المبارك مرة أخرى وذلك من مثل‏:‏ صدي الصوت‏ ,‏ المطر‏ ,‏ الرجع الحراري بعد غروب الشمس‏ ,‏ الغبار المرتفع بواسطة الرياح‏ . .‏ موجات البث الإذاعي والتلفازي وغيرها‏ ,‏ وقدرة سماء الأرض أيضا على إرجاع الضار المهلك من صور المادة والطاقة التي تهبط من السماء في اتجاه الأرض إلى السماء مرة أخري وذلك من مثل‏:‏ الزائد من حرارة الشمس الذي ترده السحب‏ ,‏ والأشعة فوق البنفسجية وتردها طبقة الأوزون‏ ,‏ والأشعة الكونية ويردها كل من النطاق المتأين وأحزمة الإشعاع الموجودة فيه وغيرها‏ ,‏ وتحصي العلوم المكتسبة اليوم أكثر من عشر صور لرجع السماء بشكليه الداخلي العائد إلى الأرض‏ ,‏ والخارجي المندفع بعيدا عنها جمعتها هذه السورة الكريمة في كلمة واحدة هي‏ (الرجع‏) .‏



والقسم بـ‏ (والأرض ذات الصدع‏)‏ يشمل انصداع التربة عن النبات وعن أجساد الأموات يوم البعث‏ ,‏ كما يشمل شبكة الصدوع التي تحيط بالأرض إحاطة كاملة والتي يشبهها العلماء باللحام على كرة التنس‏ ,‏ ممتدة لعشرات الآلاف من الكيلومترات في مختلف الاتجاهات‏ ,‏ وبأعماق تتراوح بين ‏60‏ كم‏ , 65‏ كم في صخور قيعان جميع محيطات الأرض وقيعان أعداد من بحارها‏ ,‏ وبين ‏100‏ كم‏ , 150‏ كم في صخور اليابسة لتشكل صمام أمن للأرض تنطلق منه الطاقة الزائدة عن حاجتها والناتجة من تحلل العناصر المشعة الموجودة في داخل الأرض‏ .‏ ولولا تلك الشبكة الهائلة من الصدوع والمتصلة ببعضها البعض وكأنها صدع واحد لانفجرت الأرض على هيئة قنبلة ذرية كبيرة منذ اللحظة الأولي لتيبس قشرتها ومن هنا كانت أهمية ذلك الصدع لاستقامة وجود الأرض وجعلها صالحة للعمران والحياة‏ ,‏ ولذلك جاء هذا القسم الإلهي المغلظ به ـ والله‏ (تعالى‏)‏ غني عن القسم لعبادة ـ جاء القسم تنبيها لنا إلى أهمية الأمر المقسم عليه الا وهو صدع الأرض‏ .‏ ويأتي جواب القسم بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :
" إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ . ‏ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ " 
(الطارق‏:13‏-‏14)‏ أي أن القرآن الكريم المشتمل على هذه السورة المباركة‏ ,‏ وعلى ما جاء فيها من أمور الغيب‏ ,‏ وحقائق الكون‏ ,‏ هو‏ (قول فصل‏)‏ يفصل بين الحق والباطل‏ ,‏ بل هو الفصل ذاته‏ ,‏ الذي ليست فيه شائبة من شوائب الهزل‏ ,‏ لأنه قاطع في فصله‏ ,‏ جاد‏ ,‏ حازم في حكمه‏ ,‏ وكيف لا يكون كذلك وهو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏) ,‏ وحفظه حفظا كاملا على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية‏ ,‏ وتعهد بهذا الحفظ الإلهي إلى قيام الساعة‏ ,‏ في زمن ضياع كل أصول صور الوحي السابقة ضياعا تاما‏ ,‏ وتعرض ما بقي منها من ذكريات إلى قدر من التحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني‏ ,‏ وجعلها عاجزة كل العجز عن هداية أتباعها الذين تسببوا في أغلب الحروب والمآسي والكوارث والانهيارات الإنسانية التي عانت منها البشرية كلها‏ ,‏ ولا تزال باسم أديانهم‏ ,‏ والدين منهم بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب‏ .‏

وتختتم سورة الطارق بأمر من الله‏ (تعالى‏)‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ (وللقلة التي آمنت به في مكة المكرمة‏ ,‏ بل وللمؤمنين به من بعد ذلك في مختلف بقاع الأرض وحتى قيام الساعة‏)‏ وقد كان‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وكان المؤمنون به ـ ولا يزالون ـ يعانون كيد الكفار والمشركين ومؤامراتهم الحقيرة ودسائسهم الخفية والمعلنة‏ ,‏ فتأمرهم الآيات أن يمهلوا الكافرين قليلا‏ ,‏ ولا ييأسوا من النصرة عليهم‏ ,‏ لأن عقاب الله‏ (تعالى‏)‏ واقع بهم لا محالة‏ ,‏ وانتقامه منهم نازل بهم دون أدني شك‏ .‏ فالله القادر‏ ,‏ القاهر‏ ,‏ العزيز‏ ,‏ الجبار‏ ,‏ المنتقم‏ ,‏ يقابل كيد الكافرين الهزيل بكيد منه متين‏ ,‏ وشتان بين كيد الكفار والمشركين والطغاة المتجبرين في الأرض مهما تعاظم‏ ,‏ وكيد رب العالمين الذي لا راد له ولا دافع‏ ,‏ والله يمد لأعدائه من قبيل استدراجهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر من حيث لا يعلمون فيهلكهم كما أهلك أمثالهم من قبل‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في ختام سورة الطارق‏ :‏ " إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً . ‏وَأَكِيدُ كَيْداً . فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً "‏ (الطارق‏:15‏ ـ‏17) .‏
وهذا الخطاب الإلهي إلى رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وإلى جميع المؤمنين به في زمانه ومن بعده إلى يوم الدين فيه من دواعي التثبيت على الحق‏ ,‏ والتطمين بالنصر والتمكين‏ ,‏ ومن مبررات التهوين من كيد كل الطغاة المتجبرين في الأرض مهما تعاظم كيدهم‏ ,‏ وعلا صوتهم لأنه كيد واهن مؤقت إلى حين‏ ,‏ وفي كل ذلك ما يدفع المؤمنين في كل زمان ومكان إلى اليقين في قدرة الله الغالبة لكل قدرة‏ ,‏ والاعتماد عليه وحده دون غيره‏ ,‏ بعد الأخذ بكل ما في الإمكان من أسباب‏ ,‏ والثقة بنصره لعباده المؤمنين لأن بيده وحده مقاليد كل شيء‏ ,‏ وهو‏ (تعالى‏)‏ وحده رب هذا الكون ومليكه‏ ,‏ ومدبر أموره ومصرف شؤونه‏ ,‏ لا شريك له في ملكه‏ ,‏ ولا منازع له في سلطانه‏ ,‏ ولا شبيه له من خلقه‏ ,‏ ولا حاجة به إلى أحد‏ ,‏ ولا إلى الصاحبة والولد‏ ,‏ وكيده متين‏ ,‏ وكيد أعدائه واهن ضعيف حزين أمام سلطان رب العالمين‏ .‏

من الدلالات العلمية للآيات القرآنية الثلاث :
أولا‏ :‏ في قوله تعالى ‏: ‏" فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ " ‏:‏
جاءت الإشارة إلى خلق الإنسان في أكثر من مائة موضع في القرآن الكريم منها‏ :‏
(ا‏)‏ ما جاء في خلقه من تراب‏ (آل عمران‏:59 ,‏ الحج‏:5 ,‏ الروم‏ ,20 ,‏ فاطر‏:11 ,‏ غافر‏:67 ,‏ الكهف‏:37) .‏
و‏(‏ب‏)‏ ما جاء في خلقه من طين‏ (الأنعام‏:2 ,‏ السجدة‏:7 ,‏ الأعراف‏:12 ,11 ,‏ الإسراء‏:61 ,‏ ص‏:71‏ ـ‏76) .
و‏(‏جـ‏)‏ ما جاء في خلقه من سلالة من طين‏ (المؤمنون‏:12‏ ـ‏14) .‏

و‏(‏د‏)‏ ما جاء في خلقه من طين لازب ‏(‏الصافات‏:11) .‏
و‏(‏هـ‏)‏ من صلصال من حمأ مسنون ‏(‏الحجر‏:26‏ ـ‏33) .‏
و‏(‏و‏)‏ من صلصال كالفخار‏ (الرحمن‏:14) .‏
و‏(‏ز‏)‏ من الأرض ‏(‏طه‏:55 ,‏ النجم‏:33 ,‏ نوح‏:18 ,17 ,‏ هود‏:61) .‏
و‏(‏ح‏)‏ من ماء مهين‏ (المرسلات‏:20) .‏
و‏(‏ط‏)‏ من ماء دافق‏ (الطارق‏:6) .‏
و‏(‏ي‏)‏ من الماء‏ (الفرقان‏:54) .‏
و‏(‏ك‏)‏ من نطفة‏ (النحل‏:4 ,‏ النجم‏:45‏ ـ‏47 ,‏ القيامة‏:37‏ ـ‏40 ,‏ عبس‏:17‏ ـ‏19) .‏
و‏(‏ل‏)‏ من علق‏ (العلق‏:2 ,1) .‏
و‏(‏م‏)‏ من النفس أو الأنفس‏ (النساء‏:1 ,‏ الأعراف‏:189 ,‏ الروم‏:21 ,‏ الزمر‏:6 ,‏ لقمان‏:28) .‏
وهذه كلها مراحل في الخلق من لدن أبينا آدم‏ (عليه السلام‏)‏ إلى آخر إنسان‏ ,‏ وهي مراحل يتمم بعضها بعضا‏ ,‏ وتشهد لله الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بطلاقة القدرة‏ ,‏ وبديع الصنعة‏ ,‏ وإحكام الخلق‏ ,‏ ولذلك قال‏ (تعالى‏) :‏
" وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ‏"
(الذاريات‏:21)‏ .
وهذه المراحل تؤكد في نفس الوقت حقارة نشأة الإنسان الأولي التي لا تزول عنه إلا بالارتباط الصادق بخالقه وعبادته بما أمر‏ ,‏ وبالقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بحسن عمارتها وإقامة عدل الله فيها‏ .‏
وتذكير الإنسان بحقارة نشأته الأولى لجام فطري لغروره واستعلائه ومحاولاته لتجاوز حدوده‏ ,‏ بحكم أنه مخلوق ذو إرادة حرة‏ .‏
وفي تذكير الإنسان بحقارة نشأته الأولي بهذا التفصيل الذي فصله الله‏ (تعالى‏)‏ لنا في محكم كتابه حد من نزغات الشيطان التي تسول للإنسان أحيانا حب الخروج عن حقيقة الخلق والدينونة لله الخالق بالغرق في أو حال الخلق العشوائي كما نادت به فكرة التطور العضوي‏ ,‏ أو الشرود بالخيال الجامح كتصور أبوين لآدم‏ (عليه السلام‏)‏ دون أدني حجة منطقية‏ .‏ وقضية الخلق بأبعادها الثلاثة‏:‏ خلق الكون‏ ,‏ خلق الحياة‏ ,‏ وخلق الإنسان من القضايا الغيبية التي إذا دخلها الإنسان بغير هداية ربانية من القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة دخل نفقا مظلما لا يخرج منه أبدا مهما كان بيديه من الشواهد الحسية ولذلك قال ربنا‏ (جل شأنه‏) :‏
" مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً "‏ (الكهف‏:51) .‏
ولذلك فصل القرآن مراحل خلق الإنسان في أكثر من مائة آية قرآنية وأمرنا في هذه السورة المباركة بالنظر في مم خلقنا‏ ,‏ وفسره بالماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب‏ ,‏ وفسره في مقام آخر بالماء المهين حتى لا يركب الغرور أحدا من المخلوقين‏ .‏
ثانيا‏ :‏ في قوله تعالى ‏:‏
" خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ " :‏
في الوقت الذي ساد الاعتقاد بأن الجنين يتخلق من دم الحيض فقط‏ ,‏ أو من ماء الرجل فقط‏ ,‏ نزل القرآن الكريم بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ مقررا أن الإنسان
" خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ "‏ (الطارق‏:6) .‏
وأخرج الإمام أحمد في مسنده‏:"‏ أن يهوديا مر برسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم) وهو يحدث أصحابه‏ ,‏ فقالت قريش‏:‏ يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي‏ .‏ فقال‏:‏ لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي‏ ,‏ فقال‏:‏ يا محمد‏!‏ مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏
" يا يهودي ‏:‏ من كل يخلق‏ ,‏ من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة‏ ‏" .
ولم تعرف هذه النطف إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين‏ ,‏ حين علم دورها في تخلق الإنسان‏ .‏
ومن الواضح أن كلا من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة قد مايز بين نطف التكاثر والماء الذي يحملها‏ ,‏ فيقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في محكم كتابه عن الإنسان‏ :
‏" أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى‏ . ‏ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى.فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أن يُحْيِيَ المَوْتَى "‏ (القيامة من36-40) .
وفي الحديث الشريف جاء قول رسولنا‏ (صلى الله عليه وسلم
) : "‏ ما من كل الماء يكون الولد‏ ,‏ وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء " (أخرجه مسلم‏) .‏

من ذلك كله يتضح أن الماء الدافق الذي يخلق منه الإنسان يقصد به ماء كل من الرجل والمرأة‏ ,‏ وسمي دافقا لأن كلا منهما‏ ,‏ يخرج من مصدره متدفقا‏ .‏ فماء الرجل يخرج من غدتيه التناسليتين‏ (أي من خصيتيه‏)‏ وهما الغدتان المسئولتان عن تخلق النطف‏ (الحيوانات المنوية أو الحيامن‏)‏ وعن إفراز هرمونات الذكورة‏ ,‏ وهما في الرجل يوجدان خارج الجسم في كيس الصفن وذلك لأن حرارة الجسم العالية‏(37‏ درجة مئوية في المتوسط‏)‏ لا تسمح بتخلق النطف‏ .‏ والخصية غدة بيضية الشكل‏ ,‏ مكونة من مجموعة من الفصوص التي يصل عددها إلى الأربعمائة‏ ,‏ وفي كل واحد منها ثلاثة أنابيب منوية دقيقة وملتفة على ذاتها‏ ,‏ يبلغ طول كل منها حوالي نصف المتر مما يصل بطولها الإجمالي إلى أكثر من خمسمائة متر‏ ,‏ وهي مكدسة في حيز لا يزيد علي‏60‏ ملليمترا مكعبا‏ .‏ وفي هذه القنوات تتولد النطف وتفرز هرمونات الذكورة‏ ,‏ وبتقلصات كل من جدار الحويصلة المنوية والقناة القاذفة للمني مع تقلصات عدد من عضلات الجهاز التناسلي بأمر من الجهازين العصبيين الودي واللا ودي يندفع السائل المنوي عبر الإحليل وهو يحوي في كل دفقة أكثر من مائتي مليون حيمن‏ (حيوان منوي‏) ,‏ لا يصل منها إلى البييضة إلا بضع مئات قليلة‏ ,‏ ويهلك أغلبها في طريقه إليها ولا يلقحها إلا حيوان منوي واحد‏ .‏ وهذا الاختيار لا يتحكم فيه إلا إرادة الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ من لحظة اختيار الزوجين‏ ,‏ إلى لحظة الإخصاب لبييضة محددة بحيوان منوي محدد‏ ,‏ يحمل كل منهما صفات محددة قدرها الخالق‏ (سبحانه‏)‏ سلفا بعلمه وحكمته وقدرته‏ .‏

أما ماء المرأة فهو الماء المحيط بالبييضة في داخل حويصلتها المعروفة باسم حويصلة جراف‏ ,‏ فإذا انفجرت الحويصلة تدفق هذا الماء يدفع بالبييضة إلى بوق قناة الرحم التي تعرف أيضا باسم قناة فالوب حيث تلتقي بالحيمن المقسوم لإخصابها وتكوين النطفة الأمشاج‏ .‏
والغدتان التناسليتان في المرأة هما المبيضان القابعان في حوضها في حفرتين صغيرتين كل واحدة منهما على جانب من جانبي الحوض‏ ,‏ وكل مبيض عبارة عن غدة شبه مستديرة‏ (في حدود‏35‏ مم‏*25‏ مم‏)‏ تقع بالقرب من بوق قناة الرحم‏ ,‏ ومثبتة في موضعها بعدد من الأربطة‏ ,‏ وكل مبيض يتكون من نسيج ليفي غني
بأوعيته الدموية يعرف باسم سداة المبيض ويحيط بها عدد من الحويصلات المبيضية المعروفة باسم حويصلات جراف‏ ,‏ تحتوي كل منها على بييضة واحدة محاطة بكمية من الماء الأصفر‏ ,‏ وعدد البييضات في جنين الأنثى يتراوح بين أربعمائة ألف وستة بلايين بييضة‏ ,‏ لا يبقي منها عند سن البلوغ سوي بضعة آلاف قليلة‏ ,‏ تنمو منها حويصلة واحدة في كل شهر طوال الفترة التناسلية للأنثى من سن البلوغ إلى سن اليأس بمجموع لا يتعدى الأربعمائة بييضة على طول هذا العمر‏ .‏ وأكثر من ‏50%‏ من عمليات الإخصاب تسقط قبل أن تعلم المرأة أنها قد حملت‏ ,‏ ولا يستمر إلى نهاية فترة الحمل أكثر من حوالي ‏22%‏ وفي ذلك يقول رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) "‏ إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكا فقال‏ :‏ يا رب مخلقة أم غير مخلقة؟ فإن قال ‏:‏ غير مخلقة مجتها الأرحام دما "‏ (أخرجه ابن أبي حاتم‏) .‏
ويقول الله‏ (تعالى‏) :
" اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ "‏ (الرعد‏:8)‏ .

وماء المرأة الدافق يخرج مرة واحدة في كل شهر من الحويصلة الحافظة له عندما يدفع المبيض بتلك الحويصلة من حافته إلى بوق قناة الرحم فتنفجر عند تمام نضجها‏ ,‏ ويندفع ماؤها الأصفر اللون متدفقا بالبييضة إلى داخل قناة الرحم تماما كما يتدفق ماء الرجل بالجيامن فكلاهما ماء دافق كما قررت الآية السادسة من سورة الطارق‏ ,‏ وكما قال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في الحديث الذي رواه ثوبان‏ (رضي الله عنه‏) : " ماء الرجل أبيض‏ ,‏ وماء المرأة أصفر "‏ (صحيح الإمام مسلم‏) .‏
وهذا الماء الدافق عند المرأة يختلف عن سوائل المهبل‏ ,‏ وهي سوائل لزجة‏ ,‏ تسيل ولا تتدفق‏ ,‏ تفرزها مجموعة من الغدد المتصلة بالمهبل وهي سوائل مطهرة للجهاز التناسلي للأنثى ولا دخل لها بتكوين الجنين‏ .‏
"وقد سألت إحدى النساء المسلمات‏ (واسمها أم سليم‏)‏ رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قائلة‏ :‏ يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق‏ ,‏ هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :
‏" نعم إذا رأت الماء‏ ‏" ‏(‏أخرجه كل من الإمامين البخاري ومسلم‏) .‏
وعلى ذلك فإن في قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ عن الإنسان‏ :
"‏ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ "‏‏ سبق علمي للمعارف المكتسبة بأكثر من ثلاثة عشر قرنا‏ ,‏ ولا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدرا غير الله الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
ثالثا ‏:‏ في قوله تعالى‏ : ‏
" يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ‏"
تتكون الغدد التناسلية في كل من الرجل والمرأة‏ (الخصيتان والمبيضان‏)‏ مما يعرف باسم الحدبة التناسلية والتي تقع بين صلب الجنين‏ (أي عظام ظهره الفقارية أو عموده الفقاري‏) ,‏ وترائبه‏ (أي عظام صدره أو ضلوعه‏)‏ وتنزل الخصيتان بالتدريج حتى تصلا إلى خارج الجسم‏ (كيس الصفن‏)‏ في أواخر الشهر السابع من عمر الحميل‏ .‏ وينزل المبيضان إلى حوض المرأة في نفس الفترة تقريبا ويبقيان في داخل الحوض‏ .‏ وتبقي تغذية تلك الغدد التناسلية الذكرية والأنثوية بالدم والسوائل اللمفاوية والأعصاب من مركزي نشأتها من موقع الحدبة التناسلية بين الصلب والترائب طيلة حياة أصحابها‏ ,‏ ومن هنا تأتي ومضات الإعجاز العلمي فيهذه الآيات الثلاث التي يقول فيها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : "‏ فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ .‏ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ "‏ (الطارق‏:5‏-‏7)‏
في التأكيد على خلق الإنسان من مائي الرجل والمرأة‏ ,‏ وأن كلا من المائين يخرج دافقا مندفعا‏ ,‏ وأن كليهما يخرج من بين الصلب والترائب لنشأة الغدد التناسلية في كل من الرجل والمرأة من نفس هذا الموقع‏ ,‏ واستمرار تغذيتها طيلة حياتها بالدماء والسوائل الليمفاوية والأعصاب من الموقع ذاته‏ ,‏ مما يجعل هذا الماء يخرج فعلا من بين الصلب والترائب‏ .‏
ورحم الله فضيلة الإمام الشيخ أحمد مصطفي المراغي الذي أدرك ببصيرته هذا السبق القرآني المعجز فكتب في تفسيره الصادر من قبل سبعين سنة تعليقا على هذه الآيات جاء فيه ما يلي‏ :‏
وإذا رجعنا إلى علم الأجنة وجدنا في منشأ خصية الرجل ومبيض المرأة ما يفسر لنا هذه الآيات التي حيرت الألباب‏ ,‏ وذهب فيها المفسرون مذاهب شتى على قدر ما أوتي كل منهم من علم‏ ...‏ ذاك أنه في الأسبوع السابع من حياة الجنين في الرحم ينشأ فيه ما يسمي جسم وولف وقناته على كل جانب من جانبي العمود الفقري‏ .‏ ومن جزء من هذا تنشأ الكلي وبعض الجهاز البولي‏ ...‏ ومن جزء آخر تنشأ الخصية في الرجل والمبيض في المرأة‏ .‏

فكل من الخصية والمبيض في بدء تكوينهما يجاور الكلي ويقع بين الصلب والترائب‏ ,‏ أي ما بين منتصف العمود الفقري تقريبا‏ ...‏ ومقابل أسفل الضلوع‏ .‏ ومما يفسر لنا صحة هذه النظرية أن الخصية والمبيض يعتمدان في نموهما على الشريان الذي يمدهما بالدم‏ ...‏ وهو يتفرع من الشريان الأورطي في مكان يقابل مستوي الكلي الذي يقع بين الصلب والترائب‏ ,‏ ويعتمدان على الأعصاب التي تمد كلا منهما‏ . . .‏ وتتصل بالضفيرة الأورطية ثم بالعصب الصدري العاشر وهو يخرج من النخاع من بين الضلع العاشر والحادي عشر‏ ...‏ وكل هذه الأشياء تأخذ موضعها في الجسم فيما بين الصلب والترائب‏ .‏ فإذا كانت الخصية والمبيض في نشأتهما وفي إمدادهما بالدم الشرياني‏ ..‏ وفي ضبط شؤونهما بالأعصاب‏ ,‏ قد اعتمدتا في ذلك كله على مكان في الجسم يقع بين الصلب والترائب‏ ,‏ فقد استبان صدق ما نطق به القرآن الكريم وجاء به رب العالمين‏ ,‏ ولم يكشفه العلم إلا حديثا بعد ثلاثة عشر قرنا من نزول ذلك الكتاب العزيز‏ .
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ,‏ وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏)‏ اللهم آمين آمين آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .