" قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عليهمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ " (النحل‏:26) ‏


الآية الكريمة جاءت في نهاية الخمس الأول من سورة النحل‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وعدد آياتها‏(128)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى النحل‏ .‏ ويقال إن حشرة النحل قد سميت بهذا الاسم لأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد نحلها القدرة على إخراج العسل‏ ,‏ وميزها بها عن كثير غيرها من الحشرات التي يقدر عدد أنواعها بأكثر من ثلاثة أرباع المليون نوع‏ ,‏ يمثل كل نوع منها ببلايين الأفراد‏ .‏
وتبدأ سورة النحل بالتحذير من فجائية الآخرة ومن فظاعة جريمة الشرك بالله‏ ,‏ فتقول‏ : ‏
" أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " (النحل‏:1)‏ .
وفي الآية الكريمة تحد واضح للذين يستعجلون الآخرة إنكارا لها‏ ,‏ ومنكرها كافر لأنها معلومة من الدين بالضرورة‏ ,‏ وتثنى الآية بتسبيح الله وتنزيهه‏ (‏تعالى‏)‏ عن الشريك والشبيه والمنازع والصاحبة والولد لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏ ,‏ والله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ منزه عن جميع صفات خلقه‏ .‏
وتتابع الآيات بتأكيد حقيقة الوحي الذي أنزله ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ على من اصطفي من عباده الصالحين من الأنبياء والمرسلين لهداية الخلق إلى طريق الله‏ (تعالى‏)‏ المستقيم وبضرورة تقوي العباد لأوامر الله‏(‏سبحانه‏) ,‏ وبإنذارهم من أخطار مخالفة ذلك‏ .‏
واستعرضت سورة النحل العديد من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة‏ ,‏ والشاهدة لله الخالق بالإلوهية والربوبية‏ ,‏ والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ وبالعلم الشمولي‏ ,‏ والحكمة البالغة‏ .‏
وبعد ذلك تؤكد الآيات الفارق الهائل بين الخالق والمخلوقين‏ ,‏ كما تؤكد وحدانية الخالق العظيم‏ ,‏ وتعدد جانبا من نعم الله على خلقه وتشير إلى كره الله للمستكبرين من عباده الذين ينكرون وحي السماء‏ ,‏ وتستنكر كلا من شرك المشركين‏ ,‏ وإنكار الآخرة من الكافرين‏ .‏
ثم تعرض الآيات لبعض مشاهد القيامة‏ ,‏ وتنعي على الذين أشركوا ادعاءهم الكاذب بأن ذلك هو قدر الله عليهم‏ ,‏ وتؤكد أن ما على الرسل إلا البلاغ المبين‏ ,‏ وقد بعث الله‏ (تعالى‏)‏ رسولا في كل أمة من الأمم يدعوهم إلى عبادة الله‏ (تعالى‏)‏ وحده‏ ,‏ وإلى اجتناب الطاغوت فكان من هذه الأمم من هدي الله‏ ,‏ ومن حقت عليه الضلالة‏ .‏ وتدعو الآيات عقلاء الأرض إلى السير في جنباتها للاعتبار بعواقب المكذبين من الأمم السابقة .
وتخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ في شأن المكذبين بالبعث‏ .‏ مؤكدة أن المؤمنين الذين اضطروا إلى الهجرة من ديارهم فرارا من المظالم التي وقعت عليهم من جبابرة الأرض وعتاتها سوف يعوضهم الله‏ (تعالى‏)‏ في الدنيا‏ ,‏ ثم يضاعف لهم الأجر في الآخرة جزاء صبرهم على ما لقوه دفاعا عن دينهم‏ ,‏ ومن أجل التمسك بعقيدتهم‏ .‏
وتؤكد السورة لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن الأنبياء والمرسلين الذين أرسلوا إلى الأمم من قبله كانوا رجالا من الإنس اصطفاهم الله‏ (‏تعالى‏)‏ لتلقي الوحي كما تلقاه هو‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ ليبينوا للناس ما نزل إليهم‏ ,‏ ولم يكونوا ملائكة‏ ,‏ ولا آلهة‏ ,‏ ولا أبناء آلهة كما ادعى المبطلون‏ .‏
وتهدد الآيات الذين فعلوا السيئات بخسف الأرض بهم‏ ,‏ أو بإتيان العذاب لهم من حيث لا يشعرون‏ ,‏ أو وهم يتقلبون في الأرض أو على تخوف منهم وهم حذرون حتى يتفكروا ويتدبروا أن الله رءوف رحيم‏ .‏
وتجزم الآيات أن كل ما يتفيأ ظلاله من خلق الله يسجد لله وهم داخرون‏ ,‏ وأن كل ما في السماوات والأرض من ملائكة ودواب يسجد لله وهم لا يستكبرون
" يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ " (النحل‏:50)‏ ،وهنا سجدة من سجدات التلاوة‏ .‏
وتعاود الآيات النهي عن الشرك بالله‏ ,‏ مؤكدة وحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ وأن على الخلق أن يرهبوا خالقهم‏ ,‏ الذي له ما في السماوات والأرض‏ ,‏ وله الدين الدائم وحده‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ صاحب النعم على جميع خلقه‏ ,‏ وهو كاشف الضر إذا مسهم وجأروا بالشكوى إليه‏ ,‏ وإن كان فريق من الناس يعاود الشرك بالله بمجرد كشف الضر عنه‏ ,‏ وهؤلاء تتهددهم الآيات بعذاب الآخرة‏ .‏
وتعيب الآيات في سورة النحل على المشركين التشريع لغيرهم بغير علم‏ ,‏ مؤكدة أن الذي يفعل ذلك سوف يسأل عنه‏ ,‏ كما تعيب نسبة البنات اختلاقا إلى الله‏ ,‏ وهو‏(‏سبحانه‏)‏ المنزه عن ذلك‏ ,‏ ونسبتهم ما يشتهون لأنفسهم‏ ,‏ وهم لا يملكون ذلك‏ .‏ كما تنعي على أهل الجاهلية كراهيتهم لخِلفةِ البنات إلى حد وأدهن أحياء‏ ,‏ مؤكدة أن ‏:‏
" لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْء وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ " (النحل‏:60)‏ .
وتشير الآيات إلى أن الله‏ (تعالى‏)‏ لو يؤاخذ الناس بظلمهم ما ترك على ظهر الأرض من دابة‏ ,‏ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى‏ ,‏ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون‏ .‏ ومن تطاولهم ينسب المشركون إلى الله‏ (تعالى‏)‏ ما يكرهون أن ينسب إليهم‏ ,‏ ويتخيلون كذبا أن لهم الحسني في الآخرة‏ ,‏ وتجزم الآيات بأن مصيرهم إلى النار وأنهم إليها معجلون‏ .‏ ثم توجه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ بقول الحق تبارك وتعالى
‏" تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .‏ وَمَا أَنزَلْنَا عَليكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (النحل‏64,63)‏ .
كذلك تنعي الآيات على الذين يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (النحل‏:73)‏ . وتوصي بعدم ضرب الأمثال لله‏ (تعالى‏)‏ لأنه لا يشبهه شيء من خلقه‏ ,‏ والله يعلم فساد الذين ضربوا هذه الأمثال وهم لا يعلمون‏ .‏
وتقارن الآيات بين روعة التوحيد وفلاح الموحدين وبين فساد الشرك والمشركين‏ ,‏مؤكدة أن الغيب المطلق في السماوات والأرض لا يعلمه إلا الله‏ ,‏ وأن من هذا الغيب أمر الساعة التي لا تأتي إلا بغتة‏ ,‏ وأن الله على كل شيء قدير‏ .‏ويتكرر توجيه الخطاب إلى رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏):‏
" فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عليكَ البَلاغُ المُبِينُ  " (النحل‏:82) .‏
وتؤكد الآيات أن الكافرين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها‏ ,‏ وتصف مواقفهم يوم القيامة‏ ,‏ والأنبياء يشهدون على أممهم بمن فيهم خاتمهم أجمعين الذي سوف يشهد على أمته‏ ,‏ وعلى الذين كذبوا نبوته‏ ,‏ وجحدوا رسالته في زمانه وإلى يوم الدين‏ ,‏ وفي ذلك يقول الحق ‏(‏تبارك وتعالى‏) :
" وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عليهم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عليكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ‏" (النحل‏:89) .‏
وتستطرد الآيات بعد ذلك بعدد من القيم الأخلاقية النبيلة والسلوكيات الراقية التي يحبها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ فتقول‏ : ‏
" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عليكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ.وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  ‏" (النحل‏:90‏-‏92) .‏
وتضيف الآيات بعد ذلك قول ربنا‏ (عز من قائل‏) :‏
" وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (النحل‏:93)‏ .
ويقول سبحانه وتعالى ‏:‏
" مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " (النحل‏:97)‏ .
وتأمر الآيات بالاستعاذة بالله العظيم من الشيطان الرجيم قبل البدء بتلاوة القرآن الكريم وتشير إلى إمكانية نسخ آية بآية أخري‏ ,‏ وتضيف قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله عن القرآن الكريم‏ :‏
" قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ " (‏النحل‏:102)‏ .
وتستنكر الآيات الادعاء الكاذب الذي أشاع به عدد من الكفار والمشركين بأن ما أفاء الله‏ (تعالى‏)‏ به على خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ من هداية إنما يعلمه إياه بشر‏ ,‏ وترد الآيات بأن لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين مستنكرة عدم الإيمان بآيات الله‏ ,‏ وافتراء الكذب عليه‏ ,‏ أو الكفر به إلا لمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان‏ , . .‏ ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم‏ . .‏ وأنهم في الآخرة هم الخاسرون‏ .‏
وفي المقابل يقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيم ٌ" (‏النحل‏:110) .‏
وضربت الآيات مثلا بقرية‏ :
" كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ  " (النحل‏:112) .‏
وتعرض الآيات في أواخر سورة النحل للمحرمات من الطعام‏ ,‏ مؤكدة أن التحليل والتحريم من سلطات الله‏ (تعالى‏)‏ وحده‏ ,‏ ولا يتجرأ عليه إلا كاذب‏ ,‏ وهؤلاء الذين يكذبون على الله لا يفلحون لأن متاعهم في الدنيا قليل ولهم في الآخرة عذاب أليم‏ .‏ ومن هؤلاء الذين كذبوا على الله اليهود الذين خالفوا أوامره فحرم عليهم من الطعام‏ ,‏ ما كان مباحا لهم‏ ,‏ وذلك بسبب تماديهم في الشر‏ ,‏ وتجاوزهم لحدود الله‏ ,‏ مع أن الله‏ (تعالى‏)‏ غفور رحيم يعفو عن الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من بعد ذلك ويصلحون أعمالهم‏ .‏
وتصف الآيات نبي الله إبراهيم‏ (عليه السلام‏)‏ بأنه كان أمة قانتا لله حنيفا‏ ,‏ ولم يك من المشركين‏ ,‏ وأنه كان شاكرا لأنعم الله فاجتباه الله وهداه إلى صراط مستقيم‏ ,‏ وأتاه في الدنيا حسنة وجعله في الآخرة من الصالحين‏ .‏ وأوحي الله‏ (تعالى‏)‏ إلى رسوله الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن يتبع ملة إبراهيم حنيفا‏ .‏
وتؤكد الآيات أن تعظيم يوم السبت كان مفروضا على اليهود‏ ,‏ فخرج بعضهم عن أوامر الله‏ ,‏ وأن الله‏(‏تعالى‏)‏ سوف يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏ .‏
وتختتم سورة النحل بأمر من الله‏(‏تعالى‏)‏ إلى كل مسلم من خلال توجيه ذلك الأمر إلى خاتم أنبياء الله ورسله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ والذي يقول فيه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عليهمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ .إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ  "   ‏ (النحل‏:125-‏128)‏ .


من ركائز العقيدة في سورة النحل :
‏(1)‏ الإيمان بالله الواحد الأحد‏ ,‏ خالق كل شيء‏ ,‏ ورب كل شيء ومليكه‏ ,‏ الذي لا منازع له في سلطانه ولا شريك له في ملكه‏ ,‏ ولا شبيه له من خلقه‏ ,‏ وبأنه تعالى على كل شيء قدير‏ ,‏ وأن أمره بكن فيكون‏ ,‏ وانه رءوف بعباده‏ ,‏ ورحيم بهم‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ لا يحب المستكبرين‏ ,‏ ويعلم ما نسر وما نعلن‏ .‏
‏(2)‏ التصديق بحقيقة الوحي الذي أنزله ربنا ‏(‏تبارك وتعالى‏)‏ على فترة من الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ اصطفاهم من بين خلقه‏ ,‏ وبعثهم إلى مختلف الأمم‏ ,‏ في كل الأزمنة والعصور‏ ,‏ ثم أكمل وحيه وأتمه وختمه في بعثة خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد بن عبد الله‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏) .‏
ونظرا لضياع أصول الرسالات السابقة كلها‏ ,‏ وتعرض ما بقي من ترجمات منحولة لبعضها إلى قدر هائل من التحريف الذي دفع بأهل الكتاب إلى الشرك بالله‏ ,‏ وإلى عدد من الوثنيات القديمة والمعتقدات الباطلة‏ ,‏ فقد تعهد ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بحفظ وحيه الخاتم حفظا كاملا كلمة كلمة وحرفا حرفا إلى يوم الدين بنفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏) .‏
(3)‏ اليقين بأن مهمة كل نبي من أنبياء الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ هي البلاغ عن الله‏ ,‏ وترك حرية الاختيار كاملة للناس‏ ,‏ ليلقوا جزاءهم في الآخرة على أساس من هذا الاختيار‏ .‏
‏(4)‏ التسليم بحقيقة البعث وحتميته‏ .‏
‏(5)‏ الإيمان بحقيقة الحساب والجزاء‏ .‏
‏(6)‏ التصديق بأن الحاكمية لله‏ (تعالى‏)‏ وحده‏ ,‏ ومن ثم حق التحليل والتحريم‏ .‏
‏(7)‏ اليقين بأن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ قد وهب للناس عقولا تدرك‏ ,‏ وإرادة حرة تختار وتوجه‏ ,‏ وبين لهم طريق الاستقامة الموصل إلى الخير‏ ,‏ وطرق الانحراف الموصلة إلى الشر‏ ,‏ وترك الخيار كاملا لكل فرد‏ .‏
‏(8)‏ التسليم بأن كل شيء في الوجود يسجد لله‏ (تعالى‏) ,‏ وأن مختلف الأوثان التي اصطنعها المشركون من الحجر‏ ,‏ والشجر‏ ,‏ والنجوم‏ ,‏ والكواكب وغيرها‏ ,‏ كلها مخلوقة وعاجزة عن الخلق‏ ,‏ وخاضعة لله بالعبادة‏ .‏
‏(9)‏ الإيمان بأن لله ما في السماوات وما في الأرض‏ ,‏ وأن الدين له وحده دائما‏ .‏



من مكارم الأخلاق في سورة النحل :
‏(1)‏ الدعوة إلى إقامة عدل الله في الأرض‏ ,‏ والإحسان إلى الخلق‏ ,‏ والوفاء بالعهد‏ ,‏ وإلى غير ذلك من مكارم الأخلاق وضوابط السلوك‏ ,‏ وقواعد المعاملات المنطلقة من مخافة الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ومراقبته‏ .‏
‏(2)‏ الأمر بالإنفاق في سبيل الله‏ ..‏ وإيتاء ذي القربى‏ .‏
‏(3)‏ الدعوة إلى الهجرة في سبيل الله‏ .‏
(4)‏ التحذير من الوقوع في الفتن‏ ,‏ ومن أخطرها فتنة الكفر بعد الإيمان‏ .‏
‏(5)‏ النهي عن الشرك بالله نهيا قاطعا‏ ,‏ وعن الفحشاء والمنكر والبغي‏ .‏
(6)‏ التذكير بنعم الله العديدة على العباد‏ ,‏ ومنها اللجوء إليه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ في كل شدة فيكشفها‏ ,‏ وضرورة شكر الله على نعمه التي لا تحصى ولا تعد‏ .‏
‏(7)‏ التذكير بأحوال الإنسان ابتداء من مراحل الأجنة‏ ,‏ إلى الشباب والفتوة‏ ,‏ ثم الشيخوخة والهرم‏ ,‏ حتى الاحتضار والموت‏ .‏ ومقارنة ذلك بالانتقال من أحوال الشدة والبلاء إلى النعمة والرخاء وبالعكس‏ .‏

 من الآيات الكونية في سورة النحل :
حفلت سورة النحل بالعديد من الآيات الكونية التي يمكن إيجازها فيما يلي ‏:‏
‏(1)‏ خلق السماوات والأرض بالحق‏ ,‏ وتأكيد أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ .‏
‏(2)‏ خلق الإنسان من نطفة‏ ,‏ وعلى الرغم من ذلك فهو كثيرا ما يقابل فضل خالقه بالجحود والنكران‏ .‏
‏(3)‏ خلق الأنعام‏ (الإبل‏ ,‏ والبقر‏ ,‏ والضأن‏ ,‏ والماعز‏) ,‏ وفيها العديد من المنافع للإنسان‏ .‏
‏(4)‏ خلق الخيل والبغال والحمير‏ ,‏ وغير ذلك من وسائل الركوب التي لم تكن معروفة في زمن الوحي‏ ,‏ والله يخلق مالا يعلمه الإنسان‏ .‏
‏(5)‏ إنزال الماء من السماء للشراب‏ ,‏ ولا نبات كل من الشجر والزروع‏ ,‏ ومن أهمها‏:‏ الزيتون‏ ,‏ والنخيل‏ ,‏ والأعناب‏ ,‏ ومن كل الثمرات‏ ,‏ وقد جعل ربنا في ذلك آية للذين يتفكرون‏ .‏
‏(6)‏ تسخير الأرض لعمارتها وذلك بتكويرها‏ ,‏ وتدويرها حول محورها أمام الشمس‏ (حتى يتبادل عليها الليل والنهار‏) ,‏ وكذلك تسخير كل من الشمس والقمر والنجوم بأمر من الله‏ (تعالى‏)‏ لاستقامة الحياة في هذا الكون‏ .‏
‏(7)‏ نشر مختلف صور وألوان كل من الأحياء والجمادات في كوكبنا الأرض‏ .‏
‏(8)‏ تسخير البحر للإنسان بما فيه من أحياء ذات لحم طري‏ ,‏ وهياكل تصلح لصناعة الحلي‏ ,‏ وقدرة على حمل الفلك ذات الأحجام المختلفة التي تجري بمصالح العباد شاقة عباب مائه‏ ,‏ وما فوق الماء من هواء‏ .‏
‏(9)‏ إلقاء الجبال على الأرض‏ ,‏ وجعلها رواسي لها‏ ,‏ كي لا تميد ولا تضطرب‏ ,‏ وإلا ما كانت الأرض صالحة للعمران‏ ,‏ وارتباط تكون الجبال بنبع الأنهار من قممها‏ ,‏ ودور حركة الأنهار من منابعها إلى مصابها في تفتيت الصخور‏ ,‏ وتكوين التربة‏ ,‏ وتركيز العديد من المعادن والصخور النافعة‏ ,‏ والثروات الأرضية الأخرى‏ ,‏ وفي تسوية سطح الأرض وشق الفجاج والسبل فيها‏ .‏
‏(10)‏ جعل تضاريس الأرض المختلفة علامات للاهتداء بها على اليابسة في وضح النهار‏ ,‏ وجعل النجوم  .
علامات للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر‏:
(11)‏ وصف عقاب بعض الأمم السابقة وصفا ينطبق بدقة كبيرة على ما تحدثه الزلازل في زماننا من قبل أن يدرك أحد من الخلق ميكانيكية حدوث تلك الهزات الأرضية‏ .‏ وتأكيد أن الله‏ (تعالى‏)‏ قد خسف الأرض بالذين مكروا السيئات في الماضي‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه‏)‏ قادر على أن يخسفها بهم في الحاضر والمستقبل‏ ,‏ وفي ذلك تأكيد أن فهم الإنسان لميكانيكية حدوث مختلف صور الكوارث الأرضية لا يخرجها عن كونها جندا من جند الله يسلطها على من يشاء من عباده عقابا للعاصين‏ ,‏ وابتلاء للصالحين‏ ,‏ وعبرة للناجين‏ .‏
‏(12)‏ الإشارة إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس بمد الظل وقبضه‏ ,‏ واعتباره صورة من صور السجود التسخيري لله‏ (تعالى‏)‏ في خضوع وطاعة تامين‏ .‏
‏(13)‏ تأكيد الإعجاز في خلق الأنعام‏ ,‏ وفي تكوين اللبن في ضروعها من بين فرث ودم‏ ,‏ وخروجه لبنا خالصا سائغا للشاربين‏ .‏
‏(14)‏ جعل ثمار النخيل والأعناب مصدرا للرزق الحسن‏ ,‏ وإن أساء بعض الناس استخدامها في صناعة المسكرات‏ .‏
‏(15)‏ خلق حشرة النحل‏ ,‏ ومنح إناثها القدرة على بناء بيوتها في الجبال‏ ,‏ وفي الأشجار‏ ,‏ وفيما يعرش لها الناس بهذه الدقة الهندسية البديعة‏ ,‏ وإعطائها خصوصية جمع الرحيق وحبوب اللقاح من مختلف الزهور عبر مسافات شاسعة الاتساع دون أن تضل عن بيوتها والقدرة على صناعة ذلك الشراب العجيب والمختلف الألوان والمعروف باسم عسل النحل في بطونها الذي جعل الله تعالى فيه شفاء للناس‏ .‏
‏(16)‏ خلق الأزواج من ذات النفس الواحدة‏ ,‏ وخلق البنين والحفدة من الأزواج‏ ,‏ في دورة للحياة تنطبق على كل حي‏ ,‏ ومن الأحياء الإنسان الذي قد يتوفى طفلا‏ ,‏ أو شابا أو كهلا‏ ,‏ ومنهم من يرد إلى أرذل العمر‏ ,‏ ومن مظاهره فقدان الذاكرة جزئيا أو كليا حتى لا يعلم بعد علم شيئا‏ .‏
‏(17)‏ إخراج المواليد من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة لعلهم يشكرون‏ ,‏ والقرآن الكريم يقدم السمع على البصر دوما‏ ,‏ والعلم يثبت سبق حاسة السمع على حاسة البصر في خلق الأجنة‏ ,‏ فالجنين يسمع وهو في بطن أمه ولا يري‏ ,‏ وكذلك الطفل حديث الولادة‏ .‏
‏(18)‏ الإشارة إلى أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يمسك الطيور مسخرات في جو السماء‏ .‏
‏(19)‏ الإشارة بلفظة الحر إلى كل من الحر والبرد لأن كلا من الحالين يمثل بدرجة حرارة إما إيجابا وإما سلبا‏ .‏
‏(20)‏ تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به
" فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم ‏" (النحل:‏115) .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك سوف أقصر حديثي هنا على النقطة الحادية عشرة فقط من القائمة السابقة‏ .‏ والمتعلقة بوصف أثر الزلازل على المنشآت الأرضية‏ .‏

 

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :


أولا‏ :‏ في قول ربنا تبارك وتعالى ‏:‏" قد مكر الذين من قبلهم‏ ... ":‏
و‏(‏المكر‏)‏ لغة هو الاحتيال والخديعة‏ ,‏ أو هو صرف الغير عما يقصده الفاعل بحيلة من الحيل‏ ,‏ و‏(‏المكر‏)‏ ضربان‏:‏ محمود ومذموم‏ ,‏ والمحمود هو الذي يتحري به صاحبه فعل أمر جميل‏ ,‏ والمذموم هو الذي يتحري به صاحبه فعل أمر قبيح‏
.‏ ومن المكر المحمود ما وصف به الله ذاته العلية فقال‏ (عز من قائل‏) :‏ ‏"‏ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ ‏" (آل عمران‏:54)‏ .
ومن المكر المذموم ما جاء ذمه في القرآن الكريم بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً " (فاطر‏:43)‏ .
والآية السادسة والعشرون من سورة النحل جاءت بعد استعراض عدد من المخالفات الشرعية الجسيمة من أمثال الشرك بالله‏ (تعالى‏) ,‏ والكفر بالآخرة وإنكار البعث والحساب والجنة والنار‏ ,‏ والاستعلاء في الأرض والتكبر والتجبر على الخلق‏ ,‏ والله لا يحب المستكبرين‏ ,‏ وإنكار وحي السماء ووصفه زورا بـ‏ (أساطير الأولين‏)‏ وهؤلاء تصفهم الآية الخامسة والعشرون من سورة النحل بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرن " (‏النحل‏:25)‏ .
ولعل كل هذه المخالفات الشرعية الجسيمة من الكفر‏ ,‏ والشرك‏ ,‏ وإنكار البعث‏ ,‏ والجحود للخالق‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ والاستكبار في الأرض‏ ,‏ وإضلال الخلق وإفساد فطرة الناس قد جمعت كلها في قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ قد مكر الذين من قبلهم‏ ...‏ وجاء الرد على هذا المكر السيئ بعقاب الله المدمر لهؤلاء العصاة المتجبرين في الدنيا‏ ,‏ الذين يقفون لدعوة الله‏ (تعالى‏)‏ بالمرصاد‏ ,‏ ولحملتها بالتصدي والاضطهاد‏ ,‏ ويحسبون أن كفرهم وشركهم سوف ينفعهم‏ ,‏ أو أن استعلاءهم على الخلق وتجبرهم في الأرض سوف يمر دون مساءلة لهم من خالق الخلق‏ ,‏ وأن مكرهم لا يرد‏ ,‏ وأن مؤامراتهم ودسائسهم لن تخيب‏ ,‏ ولكن الله من ورائهم محيط‏ ,‏ وعقاب الله‏ (تعالى‏)‏ لأمثالهم من الأمم السابقة ماثل أمام أعينهم‏ ,‏ ويصفه القرآن الكريم بقول ربنا‏
 (تبارك وتعالى‏)
" فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عليهمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ " (النحل‏26) ‏.
وهذا الخراب والدمار والهلاك في الدنيا‏ ,‏ أما في الآخرة فمآلهم أنكي وأنكد وتصفه الآيات التالية بقول ربنا‏
 (تبارك وتعالى) :
" بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عليهمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ‏. الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عليمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . ‏ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ " (النحل‏:27‏-‏29)  .                                                                                  
وعلى ذلك فإن هذا المقطع المعجز من الآية السادسة والعشرين من سورة النحل يحسم الحكم على جميع الكوارث والمصائب التي تحدث للخلق‏:‏ الطبيعية‏ (الفطرية‏)‏ منها والشخصية مؤكدة أنها كلها تحدث بعلم الله‏ (تعالى‏)‏ وأمره‏ ,‏ ويسخر ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ لتنفيذها ما يشاء من جنده‏:‏ عقابا للعاصين‏ ,‏ وابتلاء للصالحين‏ ,‏ وعبرة للناجين‏ ,‏ وذلك تحقيقا لقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
‏(1)
‏" وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُون .  فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِين .  فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِين  " (الأعراف‏:4‏-‏6)‏ .
‏(2)‏
" وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عليهم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون . أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُون . أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُون .أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ . أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُون "   (‏الأعراف‏:96‏-‏100) .‏
‏(3) ‏
" فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عليه حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون "‏ (‏العنكبوت‏:40) .‏
وسئل المصطفى‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏ يا رسول الله‏!‏ أنهلك وفينا الصالحون؟ قال ‏:‏
" نعم إذا كثر الخبث‏ ,‏ ثم يبعث الناس على نواياهم‏ " .‏
وقال الإمام على‏ (كرم الله تعالى وجهه‏):‏ ما نزل عقاب إلا بذنب‏ ,‏ وما رفع إلا بتوبة‏ .‏

وأسجل هذه الحقيقة القرآنية هنا لاختلاف الكتاب في الحكم على الزلزال الذي ضرب جنوب آسيا في ساعة مبكرة من صبيحة الأحد ‏14/11/1425 (الموافق ‏26/12/2004)‏ بقوة بلغت ‏8 .9‏ على مقياس ريختر المفتوح‏ ,‏ وتسبب في عدد من الهزات الأرضية اللاحقة صحبتها موجات بحرية عنيفة بسرعات وصلت إلى قرابة الألف كيلو متر في الساعة في عدد من الموجات المتلاحقة يزيد طول الواحدة منها على المائتي كيلو متر‏ ,‏ وبارتفاع فاق العشرة أمتار فأغرق عددا من السواحل المكشوفة في كل من إندونيسيا‏ ,‏ وماليزيا‏ ,‏ وتايلاند‏ ,‏ وسريلانكا‏ ,‏ والهند‏ ,‏ وجزر المالديف‏ ,‏ كما أغرق أكبر قاعدة بحرية أمريكية في المحيط الهادي في جزيرة دييجو جارسيا‏ ,‏ ووصلت آثار هذه الموجات البحرية إلى كل من سواحل عمان وسواحل أفريقيا الشرقية‏ .‏ والهزة وقعت على عمق ‏40‏ كم من نقطة بين جزيرتي جاوة وسومطرة‏ .‏ وراح ضحيتها أكثر من ‏165‏ ألف نفس‏ ,‏ ومئات الآلاف من الجرحى‏ ,‏ وملايين المشردين بالإضافة إلى خسائر مادية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات‏ .

وتعجب كثير من الناس كيف يكون هذا عقابا من الله‏ (تعالى‏)‏ وأغلب سكان المناطق المتضررة من المسلمين‏!!‏ وينسي هؤلاء أن الحضارة الغربية الخالية من الدين والأخلاق والقيم‏ (كما كشفتها مؤامرة اغتصاب فلسطين وما يجري على أرضها من مظالم‏ .‏ وأحداث سجون جوانتانامو‏ ,‏ وأبو غريب وأفغانستان‏ ,‏ وغزو كل من العراق وأفغانستان دون أدني مبرر‏ ,‏ ومن قبل مذابح البلقان‏ ,‏ واتفاقات سايكس ـ بيكو وغيرها من المؤامرات الحقيرة التي دبرتها كبريات دول الغرب‏)‏ هذه الحضارة الخاوية قد استغلت فقر دول جنوب آسيا وحولتها إلى ساحة لمبارزة الله بالمعاصي من مستعمرات العراة‏ ,‏ إلى سياحات الجنس والشذوذ‏ ,‏ إلى نوادي القمار‏ ,‏ وساحات الاتجار في الأطفال وهم في سن الزهور مما يغضب الله‏ (تعالى‏)‏ ويستجلب سخطه فيسلط من جنده ما يدمر مناطق الفساد انتقاما من العاصين‏ ,‏ وابتلاء للصالحين‏ ,‏ وعبرة للناجين‏ ,‏ وفهمنا لميكانيكية الحدث لا يخرجه عن كونه من جند الله‏ .‏ وإذا لم تؤخذ هذه الكوارث وأمثالها في هذا الإطار فلن يستفيد الناجون منها شيئا وسوف يظلون عرضة للانتقام الإلهي المرة تلو الأخرى " وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرا " (الإسراء‏:8)‏ .

ثانيا‏:‏ في قوله تعالى :
‏" فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عليهمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ":
ولا أجد وصفا لما تحدثه الزلازل من دمار أبلغ من هذا الوصف القرآني‏ .‏ فأرضنا تتعرض سنويا لحوالي المليون هزة أرضية‏ ,‏ أغلبها هزات خفيفة تسجلها أجهزة الرصد الزلزالي ولا يكاد يشعر بها الإنسان‏ ,‏ وبعضها هزات متوسطة‏ ,‏ ومنها حوالي ‏(100‏ ـ‏150)‏ هزة مدمرة‏ , (20)‏ هزة ذات دمار شامل‏ ,‏ بالإضافة إلى هزة واحدة كل ‏(5‏ ـ‏10)‏ سنوات تبلغ قمة الدمار الشامل‏ ,‏ كما تتعرض الأرض لحوالي العشرين ثورة بركانية كبري كل خمسين عاما تقريبا‏ .‏والزلازل والبراكين عمليتان متواصلتان‏ ,‏ لأن ثورة البركان قد تصاحب بعدد من الهزات الأرضية‏ ,‏ كما قد تصاحب الزلازل بخروج أقدار من الطفوح البركانية‏ ,‏ وكلاهما قد يصاحب بالأعاصير الهوائية أو العواصف البحرية أو بهما معا‏ .ومن مخاطر الزلازل دك قواعد المباني‏ (أي أساساتها ودعائمها وعمدها‏)‏ مما يؤدي إلى انهيار الأسقف والمنشآت العلوية كلها في مشهد من الدمار الكامل الشامل للمباني وما فيها ومن فيها كما تصف الآية الكريمة تماما‏ . ‏ومن أسباب دك قواعد المباني اهتزاز سطح الأرض أفقيا ورأسيا مما يؤدي إلى تصدعاته وإلى خسف أو رفع أجزاء منه‏ ,‏ وإحداث أعداد من الانهيارات الشديدة فيه‏ .‏ وقد يصاحب ذلك عدد من العواصف البحرية المدمرة التي تعين على مزيد من الخراب خاصة في المنطقة الساحلية المكشوفة كما حدث في جنوب آسيا منذ أسابيع قليلة مضت‏ . ‏ويهتز سطح الأرض بمرور الموجات الزلزالية فيه‏ ,‏ وهي تعمل على تضاغط وتخلخل مكونات الصخور أو حبيبات التربة التي تمر فيها مما يضعف من تماسكها‏ ,‏ ويعمل على زحزحتها‏ ,‏ ويؤدي ذلك إلى تدمير قواعد المباني والمنشآت‏ ,‏ وبتدميرها تنهار بالكامل‏ ,‏ خاصة إذا تداخلت ترددات الموجات الزلزالية مع ترددات التربة أو مكونات الصخور المقام عليها المبني أو المنشأة‏ ,‏ وتردد المبني أو المنشأة ذاتها‏ ,‏ خاصة إذا كان ذلك مقاما على تربة رخوة من مثل التربة الطينية أو الرملية‏ ,‏ أو صاحب الهزة الأرضية تكون أعداد من التشققات أو الصدوع أو الانهيارات الأرضية‏ .‏ومما يساعد على دك قواعد المباني والمنشآت الأخرى ما تسببه ترددات الموجات الزلزالية من تمييع‏ (إماعة‏)‏ لمكونات الصخور أو لحبيبات التربة المقام عليها تلك المباني والمنشآت‏ . .‏ فتسلك مسلك الموائع تحت تلك الضغوط مما يؤدي إلى عدد من الإزاحات الأفقية والرأسية لمكونات القواعد فتخلخلها تماما ثم تدمرها مما يؤدي إلى انهيار المباني أو المنشآت المقامة عليها‏ ,‏ خاصة إذا كانت التربة طينية رطبة أو مشبعة بالماء مما يضاعف من قدرتها على الهبوط والزحف والانهيار فتؤدي حركتها إلى تدمير القواعد بالكامل وبتدميرها تنهار المباني والمنشآت القائمة عليها‏ .‏
هذه الحقائق لم تدرك إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ ,‏ ووصفها بهذه الدقة العلمية الفائقة في الآية السادسة والعشرين من سورة النحل مما يقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏) ,‏ وحفظه حفظا كاملا‏:‏ حرفا حرفا‏ ,‏ وكلمة كلمة‏ ,‏ وآية آية‏ ,‏ وسورة سورة‏ ,‏ بنفس الترتيب‏ ,‏ المحفوظ في بلايين المصاحف‏ ,‏ ومئات الملايين من الصدور‏ ,‏ وفي وسائل الحفظ الأخرى‏ ,‏ وحفظ ربنا‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ القرآن الكريم على مدي الأربعة عشر قرنا الماضية وتعهد بذلك إلى أن يرث الأرض ومن عليها حتى يبقي القرآن الكريم شاهدا على جميع الخلق إلى قيام الساعة‏ .‏
ووصف القرآن الكريم انهيار منشآت الكفار والمشركين‏ ,‏ والطغاة الباغين‏ ,‏ المفسدين في الأرض‏ ,‏ والمتجبرين على الخلق بإتيان تلك المنشآت من القواعد هو وصف علمي دقيق لما تحدثه الزلازل‏ (الهزات الأرضية‏)‏ وهذا الوصف العلمي الدقيق ـ وإن جاء في مقام التشبيه ـ إلا أنه قد صيغ بدقة علمية فائقة في زمن سادت فيه الخرافات والأساطير في تفسير العديد من الظواهر الطبيعية‏ .‏ ففي تفسير الزلازل ـ على سبيل المثال ـ سادت فكرة وجود كائن حي يحمل الأرض ويعمل على حفظ توازنها في أغلب الأوقات‏ ,‏ فإذا احتاج هذا الكائن إلى قسط من الراحة اهتزت الأرض محدثة الزلازل‏ .‏ واختلف هذا الكائن الأسطوري باختلاف الأمم فمنها من تصوره ثورا عظيما يحمل كوكب الأرض على أحد قرنيه وينقله من قرن إلى آخر فيحدث الزلزال‏ ,‏ ومنها من تصوره سلحفاة ضخمة‏ ,‏ ومنهم من تخيله حوتا عملاقا‏ ,‏ أو ضفدعة كبيرة‏ ,‏ أو ماردا مفزعا‏ ,‏ أو عنكبوتا عظيما‏ .‏ومن الوثنيين من توهم آلهة لباطن الأرض ترضي وتغضب وتثور وتهدأ‏ ,‏ ومن الفلاسفة البدائيين من فسر الزلازل باندفاع الغازات من كهوف خاصة في داخل الأرض‏ .‏
وسط هذا الركام من الخرافات والأساطير يأتي وصف القرآن الكريم للزلازل‏ (بإتيان القواعد‏)‏ وصفا علميا فائق السبق والدقة‏ ,‏ وشاهدا لربانية القرآن الكريم‏ ,‏ ولنبوة الرسول الخاتم الذي تلقاه‏ ,‏ ومؤكدا أن الله‏ (تعالى‏)‏ الذي وصف ذاته العلية بقوله‏ (عز من قائل‏) :
‏‏" وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين ‏" (الأنعام‏:59) .‏
‏‏ وقوله تعالى :
" وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين ‏" (يونس‏:61) .‏
‏‏ وقوله‏ تعالى :
" عَالِمِ الغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين " (سبأ‏:3) .‏

هذا الإله العظيم لا يمكن لحدث من الأحداث أن يخرج عن علمه وأمره‏ ,‏ وهو‏ (سبحانه‏)‏ مسبب الأسباب‏ ,‏ ومجري الأحداث‏ ,‏ وصاحب الأمر كله‏ ,‏ ومحاولة إخراج حدث كالزلازل والبراكين والعواصف والأعاصير وغيرها من سنن الله في الكون عن حقيقة كونها من جنده التي يسخرها بعلمه وحكمته وقدرته ‏:‏ عقابا للعاصين‏ ,‏ وابتلاء للصالحين‏ ,‏ وعبرة للناجين‏ ,‏ ومحاولة نسبتها إلى الطبيعة هي صورة من صور الشرك الخفي الذي نعوذ بالله من الوقوع فيه‏ ,‏ والله يقول الحق وهو يهدي إلى سواء السبيل‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏